الحرب على إيران والوساطة التركية مع دول الخليج تتعثر

ترامب يراهن على الإيلام العسكري سيفوق قدرة إيران على الصمود الاقتصادي، بينما تراهن إيران على أنّ "حرق المنطقة" سيجبر العالم على لجم ترامب.

0:00
  • الوساطة التركية والتنسيق مع عمان ومشكلات الخليج.
    الوساطة التركية والتنسيق مع عمان ومشكلات الخليج.

تواجه تركيا موقفاً حسّاساً، حيث تجد نفسها في قلب صراع إقليمي واسع مع استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضدّ إيران، وما تلاها من تصعيد إيراني استهدف دولاً خليجية كانت تعتبر "وسيطة" مثل قطر.

تتبنّى تركيا موقفاً معارضاً صريحاً لهذه الحرب، لحسابات استراتيجية واضحة فهي أدانت الهجمات الأميركية-الإسرائيلية واعتبرتها "انتهاكاً للقانون الدولي".

إلا أنها تخشى أن يؤدّي سقوط النظام الإيراني أو إضعافه إلى سيطرة إسرائيلية مطلقة على المنطقة، أو خلق فراغ أمني قد تملأه جماعات تعتبرها أنقرة تهديداً.  

تواجه الوساطة التركية التي كانت تهدف لتقريب وجهات النظر بين طهران والعواصم الخليجية مشكلات معقّدة حيث اعتبر رئيس الوزراء القطري أنّ إيران "دمّرت الثقة" بعد استهدافها لمنشآت غاز طبيعي قطرية وضرب قاعدة "العديد".

مع العلم أنّ قطر كانت تعتبر أقرب حلفاء إيران في الخليج. تشعر أنقرة بالحرج كونها الحليف العسكري لقطر (عبر قاعدة الريان) وفي الوقت ذاته تعارض الحرب على إيران. 

الوساطة التركية والتنسيق مع عمان ومشكلات الخليج  

رفضت تركيا استخدام مجالها الجوي أو قواعدها لشنّ هجمات ضدّ إيران. وهي تنسّق حالياً مع سلطنة عمان لمحاولة إيجاد مخرج دبلوماسي يمنع توسّع الحرب إلى دول الخليج الأخرى، مع التركيز على الدعوة لوقف إطلاق النار. كثّفت من وجودها العسكري والاستخباراتي في سوريا عبر أنظمة رادار متطوّرة لمراقبة التحرّكات الإسرائيلية، ومنع انتقال الفوضى إليها.

كما تحاول تعزيز شراكتها الدفاعية مع السعودية وقطر لطمأنتهم بأنها "ضمانة استقرار" مع الحفاظ على علاقة بإيران. ترفض تركيا الحرب محاولةً حماية أمنها القومي من تداعيات الانهيار الإقليمي الشامل الذي قد تسبّبه هذه المواجهة. 

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد سعى إلى صياغة "توازن حرج" يحمي مصالح تركيا الاقتصادية مع إيران من دون التخلّي عن التزاماتها الأمنية مع حلفائها الخليجيين أو الانزلاق إلى الحرب.

لكنه وصف الهجمات الإيرانية الأخيرة على دول المنطقة بأنها "غير مقبولة" وتزعزع الاستقرار، موجّهاً ما أسماها "نصيحة ودية" لإيران بضرورة تحمّل "مسؤولية تاريخية" لمنع توسّع الحرب.

وتعمل تركيا مع سلطنة عمان التي تقود جهود وساطة موازية لفتح قنوات اتصال مباشرة بين واشنطن وطهران لتجنّب "الصدام الشامل" الذي قد يدمّر البنية التحتية للطاقة في المنطقة. 

تدرك أنقرة أنّ استمرار وصول النفط الإيراني إليها (وإلى شركاء مثل الصين وإسبانيا) هو شريان حياة اقتصادي. الحلّ التركي يكمن في معارضة أيّ ضربات تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، وهو ما أكّده إردوغان بوصف الهجمات ضدّ إيران بأنها "انتهاك للقانون الدولي".

تضع أنقرة استقرار النظام الإيراني وسلامة أراضيه كأولوية. يرتكز الحلّ التركي على "الاحتواء المزدوج"، الضغط على إيران لوقف استهداف دول الخليج (لحماية الاستقرار الإقليمي)، والضغط على الغرب لوقف الحرب (لحماية مصالح الطاقة)، مع التلويح بأنّ أيّ انهيار في إيران سيعني كارثة أمنية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى أوروبا. 

كانت المملكة العربية السعودية قد أبلغت طهران والولايات المتحدة أنها تريد أن تتجنّب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. إلا أنّ بعض التقارير الصحافية (واشنطن بوست) قالت إنّ ضغوطاً من حلفاء إقليميين، بما في ذلك السعودية، قد ساهمت في دفع الإدارة الأميركية نحو خيار القوة العسكرية، رغم نفي الرياض الرسمي للمشاركة المباشرة.

اعترفت السعودية بتقديم دعم لوجستي "لدوريات جوية" تهدف لمراقبة وحماية أجوائها من الهجمات الإيرانية، وهو ما يفسّره البعض كنوع من التعاون غير المباشر.

تحاول السعودية البقاء في منطقة "الحياد الدفاعي" لحماية منشآتها النفطية ولا سيما في حال تدخّل الحوثيين وتجنّب إغلاق ممراتها المائية، إلا أنّ الاستهداف الإيراني المباشر للأراضي السعودية دفع الرياض للتلويح بحقّها في "الردّ العسكري"، وهو ما يزيد من احتمالية حدوث مواجهة إقليمية شاملة تتجاوز حدود الوساطة التركية. 

التدهور في العلاقات لم يكن مفاجئاً، سقطت المصالحة السعودية الإيرانية التي رعتها الصين مع بدء العمليات العسكرية الأميركية الواسعة ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، حيث اعتبرت طهران أنّ صمت الخليج "تواطؤ".

الإمارات ترى أنها معنية بالردّ لأنّ أراضيها ومنشآتها الحيوية تعرّضت لتهديد مباشر لكنّ ردّها "دفاعي تقنيّ" وليس هجومياً مباشراً حتى الآن، مفضّلةً ترك "العمل القذر" للطيران الأميركي والإسرائيلي.

 دور ترامب والضغوط الأميركية في ضرب العلاقة الإيرانية مع دول الخليج 

تشير الصحف الأميركية ومنها النيويورك تايمز إلى "اتصالات مكثّفة" من البيت الأبيض مع القادة الخليجيين، ترامب ضغط باتجاه "التحالف الدفاعي الإقليمي" مقابل استمرار الحماية الأميركية وهو يدرك أنّ إيران ستردّ بضرب النفط، لكنّ استراتيجيته تقوم على ضرب العمق الإيراني حتى لو ارتفعت أسعار النفط مؤقتاً، معتمداً على زيادة الإنتاج الأميركي الداخلي لتعويض النقص.

تبدو دول الخليج "غير قادرة" على التحكّم بمصيرها، لكنها تسمح بالاستخدام اللوجستي للقواعد (رادارات، تزويد وقود) مع منع انطلاق القاذفات الهجومية من أراضيها.

ترامب يمضي في خطته "تحطيم القدرات الإيرانية" مع علمه بالثمن النفطي، ودول الخليج تحاول حالياً "إدارة الأضرار" بانتظار نتيجة المواجهة الكبرى، إلّا أنّ الثقة في واشنطن وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية ترامب بمنطقه "أميركا أولاً"، يرى أنّ تدمير القدرات الإيرانية يخدم أمن "إسرائيل" والمصالح الأميركية طويلة الأمد، حتى لو كان الثمن حرق أمن الطاقة في الخليج أو استقرار تركيا الحدودي.

وهو يدرك أنّ إيران لن تستسلم، لذا سياسته لا تهدف لغزو بري بل التركيز على تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية ومنصات المسيّرات والبنية التحتية النووية لتعطيل إيران لسنوات طويلة. يأمل أن تؤدّي الضربات العسكرية المتواصلة مع الحصار الخانق إلى انهيار داخلي أو "انقلاب" داخل هيكلية السلطة الإيرانية نتيجة العجز عن حماية الدولة.

ولمواجهة ضغط إيران الاقتصادي يفعّل الاحتياطيات الأميركية لضبط الأسعار لمنع القفزات الجنونية، ويقوم بحماية خطوط أنابيب النفط التي تتجاوز مضيق هرمز (عبر السعودية وعمان) يسعى إلى "صورة نصر". والوصول لـ "اتفاق جديد" بشروطه أيّ تفكيك كامل للبرنامج الصاروخي والنووي، وانسحاب إيراني من العراق واليمن مقابل "بقاء النظام" ورفع تدريجيّ للعقوبات.

إزاء ما يريده ترامب، ترى تركيا ودول الخليج أنّ ترامب يقامر بأمنها، وهي تستمر بالحوار مع طهران لإيصال رسالة مفادها: "نحن لسنا طرفاً في القصف، فلا تدمّروا اقتصادنا".

وتسعى إلى التوجّه نحو الصين وروسيا لتأدية دور "الضامن" لمنع "إسرائيل" وأميركا من الذهاب بعيداً في تدمير الدولة الإيرانية، وهو ما قد يفسّر زيارة فيدان للدوحة.

ترامب يراهن على أنّ الإيلام العسكري سيفوق قدرة إيران على الصمود الاقتصادي، بينما تراهن إيران على أنّ "حرق المنطقة" سيجبر العالم على لجم ترامب. وبين الرهانين، تبحث دول المنطقة عن "شبكة أمان" ذاتية بعيداً عن المظلة الأميركية التي باتت تثق بقوتها وتشكّك في نيّاتها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.