الحرب على إيران وإعادة تعريف العدو
رغم جهد بعض الأنظمة الحاكمة الخليجية في توجيه الرأي العام باتجاه إعادة تعريف العدو من محور الشر الغربي الصهيو-أميركي إلى محور المقاومة، فإنَّ الحرب الأميركية-الإسرائيلية أعادت بوصلة تعريف العدو إلى اتجاهها الصحيح.
-
بآليات التصنيف والتنميط والتهديد يُعاد تعريف العدو كعملية معرفية انفعالية.
أثارت أنشودة الشيخ الخليجي مشاري العفاسي الجديدة التي تُهاجم إيران جدلاً واستهجاناً كبيراً لدى الجمهور العربي الرافض لتصنيف إيران كعدو. أُنشودة العفاسي المُثيرة للجدل والاستهجان جاءت على خلفية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، والرد الإيراني المشروع دفاعاً عن النفس بمهاجمة قواعد انطلاق العدوان من الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية في بلدان الخليج.
وأُنشودة العفاسي جاءت نتيجة لأزمة رواية خليجية رسمية عن الحرب على إيران من عدة جوانب، الأولى هي العجز عن تبرير دورها المُساند للعدوان كقاعدة انطلاق لجزء منه، والثانية، العجز عن شيطنة الرد الإيراني المشروع قانونياً وأخلاقياً على قواعد العدوان في بلدان الخليج، والثالثة، العجز عن تبرير مُساهمتها في عدوان أجنبي على دولة إسلامية تُشارك فيه "إسرائيل". فجاءت أُنشودة العفاسي سيئة الذكر في سياق هذه الأزمة ونتيجة لها، وفي إطار جهد أنظمة الخليج الحاكمة لإعادة تعريف العدو.
إعادة تعريف العدو بتحديد الجمهورية الإسلامية الإيرانية كعدو بدلاً من الكيان الصهيوني بدأت منذ انتصار الثورة وإقامة الجمهورية قبل ما يقرب من نصف قرن وما زال مستمراً حتى الآن، والأنظمة الخليجية والنخبة الحاكمة والتابعة تقوم بذلك دفاعاً عن وجودها وامتيازاتها، وكجزء من ضريبة التبعية للمشروع الاستعماري الغربي الصهيو-أميركي بهدف مُحاصرة فكر الثورة الإسلامية وإسقاط نموذج الجمهورية الإسلامية، وقد كانت الحرب العسكرية المفروضة بين العراق وإيران بمبادرة صدام حسين وبتحريض خليجي غربي تطبيقاً عملياً لإعادة تعريف العدو وتحويل البوصلة من "إسرائيل" إلى إيران.
كما كانت وما زالت الحرب الإعلامية المُشتعلة ضد إيران من بوابات: التهديد المذهبي الشيعي، والخطر القومي الفارسي، والحرص على المصلحة الإقليمية الخليجية، في إطار هدف ومشروع إعادة تعريف العدو كعملية معرفية ممتدة ومعقدة.
إعادة تعريف العدو تُصبح عملية أكثر تعقيداً عندما يكون الهدف تغيير اتجاه بوصلة العدو إلى الاتجاه المُعاكس، وهو بالضبط ما يحدث عندما يتم تحويل بوصلة العدو من العدو الحقيقي الخارجي للأمة وهو "إسرائيل" وامتدادها المشروع الاستعماري الغربي، إلى عدو وهمي من داخل الأمة هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي هذه الحال المعرفية الممتدة والمعقدة لا بد من البدء من صناعة الكراهية وخلق العدائية، وهي عملية تتداخل فيها العوامل المعرفية والانفعالية وتمر بآليات التصنيف والتنميط وإنتاج وهم التهديد.
التصنيف بين شعوب الأمة الإسلامية الواحدة هدفه التمييز والفصل بينها كأطراف للصراع والتناحر لا كأطراف للتعاون والتعايش، والتصنيف يتم على أُسس حقيقية أو وهمية، ولكنها حقيقية مُشوّهة ومُضخمة أو وهمية مُختلقة ومُفبركة، وهو ما حدث في حالة إعادة تعريف إيران كعدو لا كخيار سوى الصراع والتناحر معه بناء على أُسس تصنيف حقيقية بعد تشويهها وتضخيمها ووهمية بعد تلفيقها، منها دينية (مسلمين وكفاراً)، ومذهبية (سنة وشيعة)، وقومية (عرباً وفرساً)، وعملية التصنيف تمهيد لعملية التنميط.
التنميط هو عملية وضع الآخر (إيران) في صورة نمطية سلبية، أي شيطنة الآخر وهو هنا إيران كفرس أو شيعة أو كفار، في مقابل وضع الذات الجمعية في صورة نمطية إيجابية كعرب خليجيين، أو (أهل السُنّة والجماعة)، أو (أهل التوحيد)، وتتم هذه القولبة النمطية المزدوجة- السلبية والإيجابية- بآلية الاختزال المعتمدة على التبسيط بالفصل الثنائي القطعي بين الحق والخير(نحن) وبين الباطل والشر(هم)، وعلى التضخيم والمبالغة في تقديس الذات وشيطنة الآخر، وعلى كل من التعميم الإيجابي لصورة الذات الجمعية، والتعميم السلبي لصورة الآخر الجمعية.
بعد التصنيف والتنميط يأتي (وهم التهديد)، الذي تنتجه الأنظمة الحاكمة بواسطة أبواقها الإعلامية والسياسية والدينية والثقافية والفنية، فيتم تقديم الآخر(إيران) كفرس أو شيعة وأحياناً (مجوس)... بصفته تهديداً وجودياً على العقيدة والأمة أو على الشعب والدولة، وعملية إنتاج وهم التهديد تلعب دوراً مهماً في تحويل الآخر (إيران والشيعة) من مُكوّن أصيل داخل الأمة يُثري تنوّعها ويُمكن التعايش السلمي معه والتعاون الإيجابي معه إلى مُكوّن دخيل على الأمة يُفتت وحدتها ويستحيل التعايش السلمي معه، ولا خيار سوى الصراع والتناحر معه... ومن هذا المنطلق، خرجت فتاوى (السلفية الوهابية) المرتبطة بالأنظمة الخليجية الداعية إلى أولوية قتال (المرتدين والرافضة) على (الكفار الأصليين).
بآليات التصنيف والتنميط والتهديد يُعاد تعريف العدو كعملية معرفية انفعالية موجهة سياسياً بأدوات متعددة، شارك فيها الفن من البوابة الدينية كما تجلّى في أُنشودة الشيخ القارئ للقرآن مشاري العفاسي كترس صغير في ماكينة ضخمة، وقد وظّف في أنشودته الآليات السابقة نفسها مبتدئاً بالتصنيف والتنميط ومنتهياً بإنتاج وهم التهديد... فالتهديد القومي في "ثارت علينا الفرس من كل ميدان"، والتهديد المذهبي المستنبط بمفهوم المخالفة المقابل لـ (أهل التوحيد) (المُعتدى عليهم)، والتهديد الديني المفهوم ضمناً من "تبت يدين إيران واللي مع إيران"، المرتبطة بسورة المسد التي نزلت في أبي لهب الكافر فتم توظيف الربط لمهاجمة إيران ومحور المقاومة.
رغم جهد بعض الأنظمة الحاكمة الخليجية في توجيه الرأي العام الخليجي والعربي باتجاه إعادة تعريف العدو من محور الشر الغربي الصهيو-أميركي إلى محور المقاومة والتحرير في الأمة الإسلامية، فإنَّ الحرب الأميركية-الإسرائيلية قد أعادت بوصلة تعريف العدو إلى اتجاهها الصحيح المضبوط بالفطرة السليمة والدين المستقيم والوعي التاريخي للأمة... الفطرة والدين والوعي الذي سيضمن بقاء الكيان الصهيوني والاستعمار الأميركي هو الشر والباطل والعدو، وأنَّ من يسكن بيت الطاعة الصهيو-أميركي هم العبيد والأذلّاء... وبقاء من يُحارب ويُقاوم الكيان الصهيوني والاستعمار الأميركي هو الخير والحق والصديق، وأنَّ من يتمرد على بيت الطاعة الصهيو-أميركي هم الأحرار الأعزّاء... فعاش أحرار الأمة وسلمت أيدي المقاومين... وخاب عبيد الأمة وتبت أيدي الخانعين.