البرازيل: هزيمة سياسية أخرى لترامب ونتنياهو واليمين الصهيوني في أميركا اللاتينية

بينما كان البرازيليون يستعدون للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المصيرية، والتي تُركّز على قضايا الأمن العام، والقدرة على تحمّل تكاليف المعيشة، ومكافحة الفساد، تُطرح أيضاً قضية الإبادة الجماعية الإسرائيلية في فلسطين على جدول الأعمال.

0:00
  • تُمثّل البرازيل العقبة الأخيرة بمنطقةٍ شهدت تحوّلا – تحت الضغط والتدخل الأميركي – نحو اليمين.
    تُمثّل البرازيل العقبة الأخيرة في منطقةٍ شهدت تحوّلاً – تحت الضغط والتدخل الأميركي – نحو اليمين.

حُسِمت جولة الإعادة الرئاسية في البرازيل، أمس الأحد، 25 أكتوبر/تشرين الأول، بانتصار اليسار بقيادة الرئيس لويس إيناسيو "لولا" دا سيلفا بفارق مريح، مُسدِّدةً هزيمة سياسية خارجية أخرى للرئيس الأميركي دونالد ترامب وحليفه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد هزيمة حليفهما فيكتور أوربان في المجر قبل أشهر.

في أحد جوانبها، كانت الانتخابات بمنزلة استفتاء على "إسرائيل"، والاختبار الأخير لمدى تحوّل أميركا اللاتينية نحو اليمين، إذ يُقدّم كلٌّ من لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو مساراً مختلفاً تماماً لقضية فلسطين. بل كانت هزيمة لليمين الفاشي عالمياً كما عبّر بحق مغردون أميركيون عقب ظهور النتائج.

تقول الكاتبة الصحفية البرازيلية، آنا ماريا مونجاردينو، في مقال بموقع "موندووايس"، بينما كان يستعدّ البرازيليون للتوجّه إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيسهم القادم، كانت الأعلام ترفرف في شوارع العاصمة الاقتصادية، ساو باولو. لم تكن أعلاماً برازيلية فحسب، بل أعلاماً إسرائيلية وفلسطينية، يُمثّل كلٌّ منها سياسةً مُعارضة ذات تداعيات تمتدّ من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.

تُمثّل البرازيل العقبة الأخيرة في منطقةٍ شهدت تحوّلاً – تحت الضغط والتدخل الأميركي – نحو اليمين خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وفي بلدٍ يُمثّل نحو ثلث سكان أميركا اللاتينية واقتصادها، فإن الاختيار بين مرشح اليسار، الرئيس الحالي لويس إيناسيو "لولا" دا سيلفا ومرشح اليمين الفاشي، السيناتور فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس الأسبق جايير بولسونارو الذي يقضي عقوبة السجن لمحاولته الانقلاب على نتائج الانتخابات السابقة قبل أربع سنوات، يُعدّ حاسماً في المشهد السياسي الأوسع لمنطقةٍ يتغوّل فيها النفوذ الأميركي ومعه التوجهات والولاءات الصهيونية.

بحسب مونجاردينو، أصبحت فلسطين و"إسرائيل"، في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، رمزاً للصراع السياسي بين قوى اليسار واليمين، ما يعكس مخاوف داخلية بشأن السيادة الوطنية والأمن الداخلي. وبينما كان البرازيليون يستعدون للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المصيرية، والتي تُركّز على قضايا الأمن العام، والقدرة على تحمّل تكاليف المعيشة، ومكافحة الفساد، تُطرح أيضاً قضية الإبادة الجماعية الإسرائيلية في فلسطين على جدول الأعمال.

بدورها، ثريا مصلح، صحفية فلسطينية برازيلية طُرد والدها، عبد الرؤوف مصلح، من وطنه فلسطين خلال نكبة 1948 تقول: "أصبحت منظمات اليسار اليوم أكثر وعياً بأن إسرائيل حوّلت فلسطين – كجيب عسكري إمبريالي – إلى مختبر عالمي [للقمع والإبادة]، حيث تُجرّب تقنيات الموت ثم تُباع لبقية العالم".

كذلك، أصبحت "إسرائيل" مثالاً يُحتذى به في التعامل مع التهديدات الإرهابية المزعومة، من دون أي قيود من القانون الدولي والإنساني. فمن الرئيس نصري عصفورة في هندوراس إلى الرئيس أبيلاردو دي لا إسبريّا في كولومبيا، شهدت أميركا اللاتينية سلسلة رؤساء فاشيي التوجه، ذوي القبضة الحديدية، أعلنوا ولاءهم للهيمنة الأميركية، بينما كثّفوا التجارة والدبلوماسية والتنسيق الأمني ​​مع "إسرائيل" – وأرادوا أن تكون البرازيل هي التالية.

أرادوا أن يستبدلوا بفلافيو بولسونارو، الصهيوني المسيحي الذي يخطط لتعزيز العلاقات مع "دولة" الفصل العنصري الصهيوني ونقل سفارة البرازيل إلى القدس المحتلة حال انتخابه، الرئيسَ لولا دا سيلفا التقدمي غير المرغوب في استمراره، والذي يدين بشدة الإبادة الجماعية في فلسطين وحكومة نتنياهو وانضم إلى قضية جنوب أفريقيا بمحكمة العدل الدولية في أيلول/سبتمبر 2025، واتهم "إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية في مناسبات عديدة.

كان الخيار واضحاً جداً. ولهذا السبب، كان "الطبيعي" أن نرى اليسار يرفع أعلام فلسطين واليمين المتطرف يرفع أعلام "إسرائيل"، كما صرّحت ثريّا مصلح لموقع "موندووايس". وأضافت أن رفع الأعلام الإسرائيلية في البرازيل "لا يدع مجالاً للشك في مدى عنصرية اليمين المتطرف وعنفه وخضوعه للمصالح الأجنبية".

دعم كامل لمستوطني الضفة الغربية

تُذكّر مونجاردينو بأن فلافيو بولسونارو هو صورة طبق الأصل لوالده، الرئيس السابق والعاشق المعلَن لـ"إسرائيل"، جايير بولسونارو. وقد أكد الأول صراحةً أنه في ظل قيادته، "ستدافع البرازيل دائماً عن حق إسرائيل في البقاء والدفاع عن أرضها وشعبها".

خلال زيارة للضفة الغربية في يناير/كانون الثاني 2026، أكد بولسونارو "دعمه الكامل" للمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وتعهّد بنقل السفارة البرازيلية من "تل أبيب" إلى القدس المحتلة. وبعد تقدمه بفارق ضئيل في الجولة الأولى من الانتخابات في 5 أكتوبر/تشرين الأول، تلقى بولسونارو تهنئة مبكرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

كان متوقعاً أن تضاهي سياسات بولسونارو وتتماهى مع سياسات اليمين المتطرف مثل: خافيير ميلي، الرئيس الأرجنتيني فاشي التوجه؛ ونجيب بوكِيله، رئيس السلفادور الذي نشأ في زمن الثورة؛ والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سمّى نهجه التدخلي بالأميركتين بـ"مبدأ دونرو"، على خطى "مبدأ مونرو" الإمبريالي التدخلي.

وليس مستغرباً أن بولسونارو كان يعتزم الانضمام إلى "درع الأميركتين" الذي أطلق عليه ترامب اسم "تحالف مكافحة الكارتيل" بزعم محاربة عصابات المخدرات، متعهداً بإحياء نهج "اليد القوية" في إنفاذ القانون، بدءاً من بناء سجون شديدة الحراسة وصولاً إلى تصنيف جماعات الجريمة المنظمة كإرهابيي تجارة المخدرات.

وتمتد هذه السردية عن العدو المشترك لتشمل "إسرائيل" أيضاً، إذ وصف شعوراً بـ"الوحدة" بين دول "ترغب في مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب".

من جهة أخرى، استدعى الرئيس لولا دا سيلفا سفير البرازيل لدى "إسرائيل" في شباط/فبراير 2024. وفي كلمة ألقاها بقمة الاتحاد الأفريقي بعد ذلك ببضعة أشهر، شبّه الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة بالمحرقة. ورداً على ذلك، وصفه نتنياهو بأنه "معادٍ للسامية بشدة"، وبعد أيام، أعلنه وزير الخارجية آنذاك، يسرائيل كاتس: "شخصاً غير مرغوب فيه".

التجارة والعقود

بحسب مونجاردينو، بعيداً من الخطابات، خطت البرازيل، بقيادة لولا دا سيلفا، خطواتٍ جادة نحو قطع العلاقات التجارية مع "إسرائيل". ففي أيار/مايو 2024، أرجأ وزير الدفاع خوسيه موسيو مونتيرو توقيع عقد بقيمة 145 مليون دولار مع شركة "إلبِت سيستمز" لشراء 36 مدفع هاوتزر مدرعاً، وتم تعليق صادرات الأسلحة إلى"إسرائيل" بعد عام، ووفقاً لبيانات رسمية من الوكالة الوطنية للبترول ووزارة التنمية والصناعة والتجارة والخدمات، لم تُسجل البرازيل أي صادرات نفطية مباشرة إلى"إسرائيل" عام 2025، رغم كونها خامس أكبر مورد نفط لها بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتموز/يوليو 2024.

لكن، لم تنجح حكومة لولا دا سيلفا في فرض حظر كامل على صادرات الأسلحة، وبصفتها دولة عضواً في اتفاقية التجارة الحرة "اتفاقية ميركوسور" للتجارة و"إسرائيل" منذ كانون الأول/ديسمبر 2007، استمرت البرازيل في التجارة مع "إسرائيل" في قطاعات مختلفة. بحسب الإحصاءات الرسمية لتجارة البرازيل الخارجية، تصدّرت واردات الأسمدة الإسرائيلية قائمة الواردات، بقيمة تجاوزت 500 مليون دولار عام 2025، أي ثلث إجمالي صادرات الأسمدة الإسرائيلية.

وتُشكّل هذه المنتجات ركيزة أساسية لقطاع الأعمال الزراعية الإسرائيلي، الذي كما ذكرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، "ازدهر بفضل الاستخراج والاستيلاء على الأراضي بقيادة إسرائيل، وبات يُنتج سلعاً وتقنيات تخدم مصالح الاستيطان الإسرائيلي، ويُوسّع هيمنته على السوق، ويجذب استثمارات عالمية، بينما يُدمّر أنظمة إنتاج الغذاء الفلسطينية ويُسرّع وتيرة التهجير".

في المقابل، اقترح فلافيو بولسونارو توسيع العلاقات مع "إسرائيل"، مُشدّداً على أهمية "التعاون في مجال التكنولوجيا"، ومُقترحاً "اتفاقيات تاريخية ضخمة غير مسبوقة في نطاقها".

كما وعد بولسونارو بتوقيع اتفاقيات إسحاق، وهي سلسلة اتفاقيات بادرت إليها "إسرائيل" والأرجنتين لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والتكنولوجيا ومكافحة الإرهاب. حتى الآن، ركزت المبادرة أساساً على كوستاريكا وبنما وأوروغواي، وهي ثلاث دول "مهيأة لتعزيز التعاون مع إسرائيل". مع ذلك، في حزيران/يونيو 2026، انضم بولسونارو إلى11 مشرّعاً آخر من أميركا اللاتينية في مؤتمر بوينس آيرس بالأرجنتين، حيث وقّعوا قراراً يدعم توسيع اتفاقيات إسحاق.

وذكرت ثريا مصلح لموقع "موندووايس": "إذا أُعيد انتخاب لولا دا سيلفا، فسنواصل المطالبة بقطع كامل العلاقات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية" مع إسرائيل. لكن خطة فلافيو بولسونارو لتكثيف الاتفاقيات مع إسرائيل كانت تُمثل تهديداً أكبر كثيراً. كان متوقعاً أن يتصاعد تجريم وإسكات الأصوات المؤيدة لفلسطين في البرازيل، وتهديد الحريات الديمقراطية. في عهده، كانت الأمور ستسوء، بل ستسوء كثيراً".

الصهيونية المسيحية في البرازيل

من الناحية العملية، ورغم أن خطاب اتفاقيات إسحاق يبدو عملياً، إلا أنه متجذر في سردية العدو المشترك المذكورة آنفاً. حتى الإشارة إلى "إسحاق" جزء من نموذج مصطنع يُصوّر الصراع بين "إسرائيل" والفلسطينيين كعداء بين إسحاق وإسماعيل، ابني إبراهيم (عليه السلام).

يقول نيكولاس بانوتو، وهو لاهوتي أرجنتيني مقيم في تشيلي: "ارتبطت الصهيونية المسيحية في البرازيل بالتطورات السياسية لفترة أطول كثيراً مما هي عليه في دول أخرى في المنطقة". وأضاف لموقع "موندووايس": "في عهد بولسونارو الأب، مثّلت الصهيونية المسيحية جسراً، أو ما قد يسمّيه البعض تقارباً استراتيجياً بين الكاثوليك والإنجيليين، لدعم اليمين المتطرف في البرازيل والترويج له". أما اليوم، "فهناك رؤية أو منظور إنجيلي أكثر وضوحاً". فالإيفانجيليون يشكلون نحو 26.9% من الناخبين، بمن فيهم بولسونارو الابن نفسه. وقد صرّح قائلاً: "لأنني إيفانجيلي تحديداً ستتحسن العلاقات بين البرازيل وإسرائيل".

في الأوساط الإيفانجيلية، وكما ذكرت مصلح لموقع "موندووايس"، من الشائع رؤية الأعلام والرموز الإسرائيلية: "استغلالاً للدين، يُغذي خطاباً دينياً زائفاً لدعم مشروع سياسي استعماري متعصب". فمثلاً، يضمّ "معبد سليمان" في ساو باولو، الذي بنته الكنيسة العالمية لملكوت الرب عام 2014، حجراً جيرياً – قيمته ثمانية ملايين دولار – مُستورداً مباشرةً من القدس.

بحسب مونجاردينو، تقود هذه المحاولة إلى فرض الولاء لـ"إسرائيل" تشمل كنائس ضخمة، ومنظمات شبه كنسية، ومبشرين أميركيين، وبالطبع، التكتل الإيفانجيلي، وهو كتلة قوية تضمّ نواباً بروتستانت وإيفانجيليين بمختلف الأحزاب في الكونغرس القومي البرازيلي. ففي نهاية المطاف، "الدبلوماسية الدينية هي ما ساعد على نقل سفارات الدول إلى القدس والتصدي لمعاداة السامية"، كما قال بولسونارو الابن في مؤتمر بوينس آيرس بالأرجنتين في حزيران/يونيو 2026.

قال بانوتو لموقع "موندووايس": "إن بولسونارو الابن يحاول ترسيخ مكانته داخل التيار الإنجيلي بطريقة أكثر تركيزاً من والده، فالابن لم ينخرط في الطقوس الرمزية نفسها، مثل التعميد في القدس".

وهذا واضح أنه تكتيك استراتيجي، ففي خطاب ألقاه في جمعيات الرب (Assemblies of God)، أكبر طائفة خماسية (Pentecostal) في البرازيل، وصف بولسونارو الانقسام السياسي الحالي بالبرازيل بأنه "حرب روحية" يستخدم فيها اليسار "أسلحة الشيطان". ويُذكر أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ينتمي إلى هذه الطائفة الخماسية نفسها.