الإمبراطورية تتآكل: من تحذير أيزنهاور إلى هزيمة هرمز
تآكل الهيمنة الأميركية في ظل استنزاف عسكري واقتصادي وصعود قوى دولية جديدة.
-
الإمبراطورية تتآكل: من تحذير أيزنهاور إلى هزيمة هرمز
لم يكن مشهد حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن" وهي تتراجع شرقاً في بحر العرب مجرّد واقعة عسكرية عابرة، بل كان، للمتخصصين في تاريخ الإمبراطوريات، لحظة كشف دراماتيكية، أشبه بلوحة فنية تعكس مساراً للتآكل لا يمكن إيقافه. فالولايات المتحدة، بوصفها آخر الإمبراطوريات البحرية في سلسلة امتدّت من الهولنديين والبريطانيين، قامت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على ركيزة جوهرية: السيطرة على أعالي البحار والممرات المائية.
وقد أدركت هذا المبدأ منذ عام 1790، وتربّعت على عرش الهيمنة بفضل نظامها المالي المتحكّم بالاقتصاد العالمي عبر "البترودولار"، وقوتها التكنولوجية الفائقة. لكن كلا الركيزتين بدأتا بالاهتزاز: الأولى بفعل تهديدات هرمز لنظام البترودولار، والثانية أمام التسارع التكنولوجي الصيني.
ما يجمع الإمبراطوريات هو سنن حاكمة شبيهة بحياة الإنسان؛ فالفناء والموت يولد معها. وقد أشار ابن خلدون إلى مراحل حياة الدول، وقليل منها من يعرف كيف يجدّد نفسه كالإمبراطورية الصينية أو المصرية قديماً. والإمبراطورية الأميركية ليست استثناءً؛ فهي منذ أن استلمت راية الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، تراكمت داخلها عوامل تآكل أشبه بالأمراض المناعية، كشفتها حرب هرمز بوضوح.
عامل مجمع الصناعات العسكرية: نبوءة أيزنهاور تتحقّق
في خطاب وداعه التاريخي في 17 كانون الثاني/يناير 1961، حذّر الرئيس دوايت أيزنهاور من "تأثير المجمع الصناعي العسكري غير المبرّر في كلّ مدينة، كلّ ولاية، وفي كلّ مكتب من مكاتب الحكومة الفيدرالية". وأشار إلى أنّ "الاحتمال موجود للصعود الكارثي للسلطة في غير مكانها"، محذّراً من أنّ "علينا ألّا نترك أبداً لهذا المجمع أن يهدّد حرياتنا أو عملياتنا الديمقراطية".
هذه النبوءة تحقّقت بالكامل في الحرب على إيران، حيث كشف النقص الحادّ في الذخائر المتطوّرة عن تحوّل كارثي: تخلّي الحكومة الأميركية عن الصناعات العسكرية الحكومية لصالح شركات خاصة تتحكّم بصناعة الحروب لخدمة أرباحها.
ففي الفترة من نيسان/أبريل 2025 إلى شباط/فبراير 2026، فقدت الولايات المتحدة 89 ألف وظيفة في قطاع التصنيع، وخسر القطاع أكثر من 90 ألف وظيفة في عام 2025، وهو العام الثالث على التوالي من الانكماش. وانخفضت حصة الولايات المتحدة من الناتج الصناعي العالمي إلى 17% فقط، مقارنة بنحو 25% عام 1990. هذا العجز عن مواجهة الذخائر الإيرانية الحكومية منخفضة الكلفة والمعتمدة على الكمّ الفيضي، جعل واشنطن تدرك بعد فوات الأوان أنها أصبحت رهينة لمجمّع صناعي يستنزفها بدلاً من حمايتها.
العامل الصهيوني: طفيلي يستنزف الجسد الأميركي
وهو الأخطر على الإطلاق. فهو ليس طفيلياً متعايشاً، بل قوة استنزاف ممنهجة تستغلّ جسد الولايات المتحدة لصالح "إسرائيل". تقارير موثّقة تشير إلى أنّ "إسرائيل" تدير حملات تأثير سرية في الولايات المتحدة، وتموّل مؤثّرين أميركيين لمهاجمة السياسيين المعارضين للحرب.
لكنّ الجانب الأخطر هو الاستنزاف المالي غير المعلن. فإلى جانب المساعدات السنوية، تفرض شبكات النفوذ الإسرائيلية على الحكومات الفيدرالية والبلديات والمؤسسات الأميركية شراء سندات خزانة إسرائيلية مستحقّة الدفع بعد 50 عاماً، وهي أموال مضاعفة لحجم المساعدات الرسمية.
في كانون الثاني/يناير 2026، كشفت تقارير أنّ مقاطعة بالم بيتش في فلوريدا أصبحت أكبر مستثمر بلدي في سندات "إسرائيل" في العالم، باستثمارات بلغت مليار دولار، أي ما يعادل 16% من محفظتها الاستثمارية. وصندوق معاشات ولاية فلوريدا يستثمر 350 مليون دولار، وصندوق نيويورك يستثمر مبلغاً مماثلاً.
بحلول تموز/يوليو 2026، تضخّم الاستثمار إلى 1.035 مليار دولار، مع توقّعات بتحقيق عوائد فائدة تصل إلى 47.2 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات. ولا تقف فلوريدا وحدها؛ فـ"ما لا يقلّ عن 35 ولاية أميركية والعديد من البلديات الصغيرة ضخّت مليارات الدولارات في سندات "إسرائيل". أركنساس استثمرت 24.9 مليون دولار، وبموجب قانون فلوريدا، تعتبر سندات "إسرائيل" من بين الاستثمارات الوحيدة المسموح بها للكيانات العامة.
هذا التدفّق المالي غير المعلن يجعل الولايات المتحدة شريكاً مموّلاً لحروب "إسرائيل" التي كلّفتها أكثر بكثير من 205 مليارات دولار في غزة ولبنان وسوريا وإيران، ويمثّل استنزافاً خفياً للاقتصاد الأميركي يصبّ في خزانة دولة أجنبية.
في هذا السياق، يأتي موقف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس كدليل على استيقاظ متأخّر. ففي 16 تموز/يوليو 2026، هاجم فانس "إسرائيل" علناً، متهماً إياها بالسعي لإفشال المفاوضات مع إيران والتأثير على السياسة الأميركية. وكشف فانس عن صلات جيفري إبستين بالاستخبارات الإسرائيلية، وأكّد أنّ شخصيات في الحكومة الإسرائيلية "تتلاعب بالرأي العامّ الأميركي وتحاول توجيه السياسة الأميركية نحو مواصلة الحرب إلى أجل غير مسمّى". تصريحاته تعكس تصدّعاً في جدار الدعم اللامشروط لـ "إسرائيل"، وهو تصدّع ستكون له تداعيات عميقة.
عامل العولمة: تلاشي الطبقة الوسطى وصعود "أميركا ترامب"
لم يكن نظام العولمة باحثاً عن تراكم الثروات لشريحة ضئيلة على حساب الطبقة الوسطى، بل أدّى إلى انتقال الصناعات الأميركية إلى جنوب شرق آسيا، وخاصة الصين، إلى تغيّرات اجتماعية عميقة. ففي "حزام الصدأ" (Rust Belt) - الذي يمتدّ عبر ولايات إلينوي، بنسلفانيا، أوهايو، إنديانا، ميشيغان، ويسكونسن- كانت تتمركز الصناعات الثقيلة.
بين عامي 2000 و2010، فقدت هذه الولايات الست وحدها 1.8 مليون وظيفة في قطاع التصنيع. ووفقاً لمنظّمة التجارة العالمية، في عام 1970، كان "حزام الصدأ" يمثّل نصف صادرات أميركا تقريباً، بينما بحلول عام 2020، تجاوزته ولايات الجنوب. وخلال العقدين الماضيين، فقدت الولايات المتحدة نحو 6 ملايين وظيفة في المصانع. وارتفعت نسبة وظائف التصنيع من أكثر من 30% عام 1950 إلى أقل من 15% أواخر التسعينيات.
هذا التحوّل، الذي تفاقم بسبب اتفاقية NAFTA عام 1994 التي تسبّبت في نزوح 683 ألف وظيفة، صنع مجتمعاً أميركياً مستقطباً: طبقة وسطى تلاشت، وانتشرت البطالة والأمية والتعصّب الديني البروتستانتي الأنجلوساكسوني. هذه الولايات هي التي تقف اليوم بقوة خلف دونالد ترامب، الذي دغدغ مشاعرهم بشعار "اجعل أميركا عظيمة مجدداً".
عامل القوى الأوراسية الصاعدة: تحقّق تحذير بريجنسكي
في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" (1997)، حذّر زبيغنيو بريجنسكي من "السيناريو الأكثر خطورة" المتمثّل في "تحالف كبير بين الصين وروسيا وربما إيران، تحالف 'مناهض للهيمنة' لا تجمعه أيديولوجيا بقدر ما تجمعه مظالم متكاملة". هذا التحذير تحقّق اليوم. فالصين وروسيا وإيران استفادت إلى حدّ كبير من سياسات العولمة الأميركية لبلورة مشاريعها الخاصة في مواجهة علمية ومعرفية واقتصادية وعسكرية.
فريد زكريا، في كتابه "عالم ما بعد أميركا" (2008)، ذهب إلى أنّ الهيمنة الأميركية لم تعد مضمونة، وأنّ العالم يتحرّك نحو نظام متعدّد الأقطاب. واليوم، أصبح هذا التحوّل واقعاً ملموساً. فحرب هرمز لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية، بل كانت كشفاً لحقيقة أنّ الولايات المتحدة لم تعد القوة القادرة على فرض إرادتها، وأنّ القوى الأوراسية الصاعدة أصبحت تمتلك من الأدوات ما يمكّنها من تحدّي الهيمنة الغربية.
لحظة الحقيقة: اعتراف أميركي بالهزيمة
في 22 تموز/يوليو 2026، كشفت التقييمات الاستخبارية الأميركية أنّ الموجة الجديدة من الهجمات على إيران "لم تفعل الكثير لتغيير سلوك إيران". وأقرّ مساعدو ترامب بأنّ الإدارة "في مأزق"، أمام خيارين: إما تصعيد الصراع والمخاطرة باستنزاف مخزونات الذخيرة، أو الانسحاب الآن وترك إيران في "وضع استراتيجي أقوى مما كانت عليه منذ عقود". وأشار ضابط عسكري أميركي إلى أنّ الإدارة "ترفض الاعتراف بالهزيمة" على أمل أن يؤدّي ذلك إلى نتيجة أفضل، لكنه حذّر: "الأمل ليس استراتيجية".
الخلاصة: دروس لم تتعلّمها الإمبراطوريات
تآكل الإمبراطورية الأميركية ليس مجرّد نظرية، بل حقيقة تتكشّف يومياً في ميادين القتال، وفي أرقام الاقتصاد، وفي تصدّعات السياسة الداخلية. من تحذير أيزنهاور من مجمع الصناعات العسكرية، إلى تحذير بريجنسكي من تحالف أوراسي، إلى كتاب فريد زكريا عن عالم ما بعد أميركا، كانت الأصوات الحكيمة تنبّه إلى أنّ الهيمنة الأميركية ليست قدراً محتوماً، بل هو مشروع يحتاج إلى تجديد مستمر.
لكنّ الإمبراطوريات، كما يعلّمنا التاريخ، نادراً ما تتعلّم من دروسها قبل فوات الأوان. فكما أنّ مشهد انسحاب حاملة "أبراهام لينكولن" من هرمز سيبقى محفوراً في الذاكرة كرمز لتراجع القوة، فإنّ السؤال الذي يبقى معلّقاً: هل تدرك واشنطن أنّ الوقت قد حان للاعتراف بواقع عالمي جديد يقوم على التعددية والتشاركية، أم أنها ستستمر في التمسّك بأوهام الهيمنة حتى النهاية، مكرّرة أخطاء الإمبراطوريات التي سبقتها؟