الإرهاب السياسي يفخخ رئاسة المالكي... والإرهاب العسكري يهدد تخوم الشيعة في المنطقة
العراق أمام اختبار وجودي جديد. إما أن يَعتبر المتصدي من تاريخ ما فات من أخطاء سياسية كارثية وفساد متغول، أو يُعيد تشكيل المرحلة المقبلة وفق المصلحة العليا للبلاد.
-
المستقبل العراقي يقف بين مفترقين واضحين!
ليس هناك أخطر على الدولة العراقية من اللحظة التي تكتشف فيها متأخرةً؛ أن المعركة لم تعد على الحدود ولا في الجبهات المعلنة؛ بل داخل القرار السياسي نفسه الذي يطبخه إخوة يوسف، الذين حولوا المنصب التنفيذي الأول إلى ساحة حرب معلنة.
عندما تتحول التغريدة إلى صاروخ. ويصبح المال السياسي أداة تدمير أشدّ فتكاً من الحرب الصلبة. وهذا تماماً ما يواجهه العراق اليوم، وهو يقف على حافة أخطر منعطف منذ 2003، إذ تتصارع الإرادات الاقليمية والدولية فوق رأس السلطة التنفيذية وتحت أقدام المجتمع. وما بين إرهاب سياسي ناعم يُعيد هندسة الحكم والنظام السياسي التقليدي، وإرهاب عسكري خشن يُعيد بعث النار فيه من تحت رماد الحسابات القديمة؛ تتشكل ملامح مرحلة قد لا تشبه شيئاً مما سبق.
منذ أسبوع وحتى وقت كتابة هذه المقالة، لم يعد ملف رئاسة الوزراء شأناً داخلياً عراقياً تحكمه قيادة الإطار التنسيقي وتوازنات الكتل البرلمانية. بل تحول إلى عقدة لتصفية الخصوم الداخلية بخيوط دولية، تتداخل فيها حسابات واشنطن وتل أبيب وجزء من الخليج وتركيا مع صراعات المحور الإيراني.
إذ إن تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تكن حدثاً عابراً في فضاء التواصل؛ بل إشارة سياسية مشفرة، أعادت فتح ملف النفوذ والتدخل المباشر في سيادة بغداد التي أصبحت مشرعة، وذهبت تأويلات مصادر متعددة فيها، الى أن هناك أموالاً دُفعت من أطراف داخلية سنية- شيعية لشراء مواقف دولية تضع الخطوط الحمر لمنع عبور مرشح الإطار، تقابلها مهاتفات ورسائل بدأها الجولاني وأيّدتها مضامين تلك التقارير التي تم تقديمها إلى ترامب، الذي كللها بتغريدة جرى توظيفها إعلامياً- سياسياً بوصفها أنموذجاً جديداً للعبور من خانة الإرهاب التكفيري إلى خانة الشريك السياسي المنبطح- كيف ومتى؟ الله أعلم!
إن المالكي بالنسبة لهؤلاء ليس شخصاً بل تجربة. تجربة حكومة قوية نسبياً حاولت تثبيت القرار المركزي العراقي وواجهت نفوذاً خليجياً- دولياً-إرهابياً مباشراً في العراق بعد الانسحاب الأميركي عام 2011.
لذلك أصبحت إزاحته أو منع عودته هدفاً سياسياً مزمناً يُعاد إحياؤه كلما اقترب من دائرة القرار التي ابتعد عنها قبل 12 عاماً. وهنا يتجلى الإرهاب السياسي بأوضح صوره. ليس من خلال الاغتيال السياسي أو التسقيط؛ بل من خلال المال السياسي والضغط الدولي وصناعة سرديات الخطر، وتهويل الأوهام الطائفية الممتدة من البعبع الإيراني الجاثم على تفكير سياسيي الصدفة.
في موازاة ذلك يتحرك المسار الأخطر على التجربة العراقية. مسار الإرهاب العسكري، الذي أُعيد تدويره تحت عناوين إنسانية وأمنية أتاحت نقل عناصر داعـشـية مع عوائلها من مخيمات سوريا إلى داخل الجغرافيا العراقية، بحيث لا يمكن قراءته خارج مفهوم حصان طروادة. عناصر وخلايا نائمة تنتظر لحظة الفوضى السياسية لتعيد إشعال الداخل. بيئة رخوة محاطة بطابع سكاني يُغذى ويُحشد سياسياً- طائفياً لتوفير حاضنة إمداد شعبي. حكومة منشغلة بالصراع على السلطة وبقرارات ارتجالية تُسمن أنصارها بالعطايا والهبات وتجوّع موظفيها وشعبها. شارع مُنهك اقتصادياً يشكو آلام الحرب التي بات يسمع قرع طبولها على حدوده. كل ذلك يشكل أرضية مثالية لعودة الإرهاب السياسي- الطائفي.
بعد أحداث السابع من أكتوبر في غزة الصمود تغير كل شيء. "إسرائيل" لم تعد تنظر إلى الصراع مع محور المقاومة بوصفه نزاعاً حدودياً مع غزة أو اشتباكاً موضعياً مع حزب الله أو تراشقاً عسكرياً مع إيران أو مسيرات من العراق أو صواريخ بالستية أو فرط صوتية دقيقة التصويب من اليمن. ما حدث في ذلك اليوم هزّ أسس العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أطاح وهم الردع المطلق. لذلك أعادت تل أبيب تعريف العدو شكلاً ومضموناً وخارطةً. وليس هناك أقرب من الطوق الشيعي الممتد من إيران إلى البحر المتوسط للعقل الاستراتيجي الإسرائيلي بوصفه هدفاً يهددها وجودياً، فانتقل من سياسة احتواء إيران وأذرعها إلى تفكيكها ومحيطها في آنٍ.
العراق في الطوق الإسرائيلي ليس ساحة ثانوية. بل هو القلب ومسك الختام. إذ إنه عمق بشري وعسكري واقتصادي ومقصد الحج الديني كما تؤشر النصوص التلمودية لديهم. لذلك يصبح تعطيل استقراره هدفاً بحد ذاته. فحكومة ضعيفة أو منقسمة أو مرتهنة للقرار الخارجي، تعني عراقاً عاجزاً عن لعب أي دور إقليمي أو حتى حماية مصالحه.
إن التحشيدات العسكرية الأميركية- الإسرائيلية تجاه الجمهورية الإسلامية ليست استعراض قوة فقط. بل إعادة رسم جذري للمنطقة التي ستدخل حرب استنزاف مفتوحة متعددة الجبهات. والعراق فيها ساحة محتملة، سواء أراد ذلك أم لم يرد. وهذا ما يجعل الرهان على الحياد وَهماً خطيراً. فالعراق بحكم موقعه وتركيبته لا يستطيع أن يكون على الهامش. إما أن يكون فاعلاً يحمي نفسه أو سيعود ساحة يدفع فيها ثمن صراعات الآخرين.
وعلى الرغم من ذلك لا يمكن اختزال المشهد بنظرة سوداوية تستعطف سواد سكان المعمورة. إذ إن الجمهورية الإسلامية ومحورها يمتلكون نقاط قوة حقيقية تجعل أي حرب عليهم مكلفة للغاية. إيران ليست دولة معزولة كما يتصور البعض. هي دولة ذات عمق حضاري وبشري واقتصادي. تمتلك منظومات صاروخية متطورة. طائرات مسيرة أثبتت فعاليتها. شبكة حلفاء متعددة الأعراق والجنسيات تعمل بعقيدة واحدة لكن بمرونة عالية. لديها خبرة طويلة في إدارة الصراع غير المتكافئ. قدرة على تحويل المواجهة العسكرية إلى أزمة عالمية من خلال مضائق الطاقة والملاحة.
هذه القوة لا تعني أن الحرب مستحيلة، لكنها تعني أن نتائجها غير قابلة للضبط والتنبؤ. ولذلك فضّل خصوم إيران العمل على تفكيك بيئتها السياسية من الداخل بدل المواجهة المباشرة ولم ينجحوا في ذلك. واليوم يلعبون بورقة العراق مرة أخرى من خلال:
- تفكيك القرار السياسي الوطني.
-إضعاف الفصائل من خلال الضغط القانوني والإعلامي لنزع السلاح.
-إشغال أو إلهاء المجتمع بصراعات داخلية ورواتب متأخرة. كلها أدوات أقل كلفة من الحرب المباشرة، وستعتمدها الولايات المتحدة في سياسية الضغط الأقصى، لتحقيق أعلى سقف من المكاسب والتوغل الاقتصادي، وهذا مربط الفرس.
أما إزاحة ثلاثية الولاية للمالكي فهي ليست قضية أشخاص بقدر ما هي رسالة. رسالة مفادها أن أي شخصية تمثل ذاكرة الدولة القوية أو القرار السيادي ستكون هدفاً. اليوم المالكي، غداً غيره، والهدف أبعد من الاسم. الهدف أنموذج الحكم الضعيف- المُطبع. أنموذج يريد للعراق أن يكون ساحة لا دولة.
المستقبل العراقي يقف بين مفترقين واضحين:
الأول: أن تدرك القوى السياسية حجم الخطر وتعيد تعريف خلافاتها ضمن سقف الدولة وحقوق الشعب ومصالح البلد العليا، وأن تحسم ملف رئاسة الوزراء برؤية وطنية تتسامى على الخلافات والتخندقات الضيقة. كفى جشعاً وسرقة وسحتاً. أَعقم العراق عن ولادة قادة مرحلة؟!.
عليهم أن يغلقوا الأبواب أمام المال السياسي والضغط الخارجي. وأن يعيدوا بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وهو مسار صعب، لكنه ممكن والعراق يستحق.
المفترق الثاني: هو الاستمرار في لعبة كسب الوقت وترك الملفات معلقة الارتهان بنتائج المعركة المرتقبة ومآلات أحداث المنطقة، التي لا تعدو كونها جولة من المعركة الكبرى مع الصين. على أنّي أنبّه هنا وفي هذا السيناريو إلى أن الإرهاب العسكري سيعود بثوب جديد. وستتوسع الفجوة بين الشارع والسلطة. وسيدفع العراق مرة أخرى ثمناً كبيراً كونه ساحة لا دولة.
وفي لحظات التحول الكبرى لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، بل في إنكارها أو تسويفها. فكل المؤشرات تقول إن المنطقة مقبلة على إعادة تشكل عنيفة، وإن العراق في قلب هذا الزلزال.
لا نسأل هنا: هل ستصل النار إلى بغداد؟ بل متى وكيف وبأي كلفة ستُطفأ؟
من يقرأ المشهد بعين ممحّصة، يدرك أن الصدمة المقبلة لن تميز بين موالٍ ومعارض، بين حليف وخصم. الجميع في مرمى العاصفة التي يحركها المشروع الإبراهيمي الذي يعتمد في فواعله على تمزيق قوة الفكر الإسلامي القويم المقاوم، ولأن الشيعة باتوا متفردين في حمل لواء نُصرة المستضعفين في فلسطين ويواجهون الغطرسة الأميركية- الإسرائيلية في إيران ولبنان والعراق واليمن وغيرها. تبرز خطورة تفعيل الإرهاب السياسي في العراق، لأنه حين ينجح في إزاحة الدولة؛ يفتح الطريق واسعاً أمام الإرهاب العسكري- المقنع رسمياً ودولياً. وحين تسقط السياسة، تسقط الجغرافيا معها.
إنّ العراق أمام اختبار وجودي جديد. إما أن يَعتبر المتصدي من تاريخ ما فات من أخطاء سياسية كارثية وفساد متغول وفشل هرمي في المنظومة المؤسساتية فـ"دود الخلّ منه وفيه"، أو يُعيد تشكيل المرحلة المقبلة وفق المصلحة العليا للبلاد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن فصول المواجهة الكبرى، تتشكل ملامحها حالياً بهدوء قاتل.