إدارة الكارثة: الإمبريالية والحروب المُتشظية وأزمة الرأسمالية

لا تُشكّل المنظومات الإعلامية والمنصات الرقمية التصوّرات والمدركات فحسب، بل تُشكّل أيضاً الإمكانيات السياسية ذاتها. وتُصبح الحقيقة بنية تحتية متنازع عليها.

  • الإمبريالية الرأسمالية بنية دائمة لا مرحلة تاريخية.
    الإمبريالية الرأسمالية بنية دائمة لا مرحلة تاريخية.

كيف أصبح الصراع المعاصر نظاماً غير مستقرّ بشكل دائم – حروب بلا إعلان، وأزمات بلا حلول، ورأسمالية متغوّلة ومتأزمة بلا مخرج؟! ينتظر كثيرون الحرب العالمية الثالثة كما لو كانت حدثاً يلوح في الأفق. لكنّ الأفق انهار بالفعل تحت وطأة هذا الحاضر. ما يشهده العالم ليس ترقّباً، بل تراكماً. هو تراكم بطيء ومنهجي لأزمات لا تنتهي، بل تتفاقم.

وهم السلام في أزمات دائمة

إنّ خيال الرأسمالية المتأخّرة الأيديولوجي السائد هو فكرة "الحياة الطبيعية". تتعاقب الانتخابات، وتتقلّب الأسواق، وتندلع الصراعات ثم تخبو، وتروي وسائل الإعلام هذا الاضطراب كأحداث متفرّقة. ضمن هذا الإطار، لا تزال الحروب مُتصوّرة كشيء له بداية ونهاية. لكن من منظور أعمق، يبدو هذا التأطير ناقصاً، بل مُضلّلاً جداً.

فبحسب المفكّر الأميركي، وليم ميرفي، العالم لا يشهد غياب الحروب، بل يشهد تحوّلها لحالة بنيوية (هيكلية) دائمة للمشروع الإمبريالي الرأسمالي العالمي. فلم يعد النظام الإمبريالي بحاجة لإعلانات حرب رسمية لإعادة إنتاج الصراع العنيف. بل أصبحت الحرب جزءاً لا يتجزأ من دورة تداول رأس المال نفسه.

والنتيجة نظام إمبريالي عالمي يُعرَّف بما يُمكن وصفه فقط بـ"كارثة مُدارة": نظام يستديم استمراره عبر أزمات متواصلة من دون أن يسمح لأيّ أزمة منفردة بحلّ التناقضات الكامنة.

الإمبريالية الرأسمالية بنية دائمة لا مرحلة تاريخية

يتجاهل مفكّرون غربيون العلاقة الوثيقة والجدلية بين الإمبريالية والرأسمالية. فالرأسمالية منظومة استغلال متغوّلة، لا تخضع لضوابط أو توازنات بل تفرض ضوابطها ومنظومتها. وتُظهر الخبرة التاريخية قبل وبعد قيام الرأسمالية، الأنكلوسكسونية بخاصة، أنّ الرأسمالية محصّلة مراحل وأنماط نهب الثروة من أطراف العالم والمستوطنات في الأميركيتين، ونزحها إلى مراكز إمبراطوريات أوروبا. 

يتمظهر المشروع الإمبريالي الرأسمالي حالة هيكلية تُعرَّف باحتكاراته وأساطيله وأحلافه وحروبه، وهيمنته المالية، وتقسيمه العمل والإنتاج عالمياً. ورغم انحسار الاستعمار ونهاية الحرب الباردة، لم تنتهِ الإمبريالية الرأسمالية بل أعادت تنظيم نفسها فقط. وباتت اليوم تعمل من خلال: شبكات إنتاج معولمة؛ والتجريد المالي والاتجار بالديون؛ والاحتكارات التقنية؛ والإكراه أو الابتزاز العسكري والاقتصادي. 

يكمن التحوّل الجوهري في أنّ الهيمنة لم تعد تتطلّب إدارة استعمارية مباشرة، بل تعمل من خلال الترابط المبني على التسلسل الهرمي. وتنتج عن ذلك مفارقة: يزداد التكامل العالمي، لكن يتفاقم معه العنف الممنهج. وكلما ازداد ترابط النظام، ازدادت كارثية تناقضاته لدى اندلاعها.

2014: عودة التنافس الهيكلي

يلاحظ ميرفي أنه تمّ تأطير فترة ما بعد الحرب الباردة أيديولوجياً كلحظة استقرار أحادية القطب. لكن تحت هذا السطح، تراكمت التناقضات. وبحلول عام 2014، أصبحت التناقضات واضحة. لكن لم يكن التغيير حدثاً واحداً، بل عودة ظهور الصراع الجيوسياسي الصريح بين الكتل الكبرى. شكّل هذا نهاية الوهم القائل بأنّ الرأسمالية العالمية قد دخلت مرحلة انسجام. بل كشف عن أنّ:

- التطويق الاستراتيجي لا يزال يُهيمن على هيكلية العلاقات الدولية؛

- الصراعات الإقليمية متأصّلة في صراعات القوى العالمية؛

- التكامل الاقتصادي لا يُلغي التدافع، بل يُعيد تنظيمه. 

من هذه اللحظة فصاعداً، لم يعد الصراع استثنائياً، بل أصبح الوضع الطبيعي للنظام.

2020: صدمة الجائحة وكشف الهشاشة العالمية

مثّلت جائحة كوفيد العالمية اختبار إجهاد حقيقياً لصمود النظام. لم تخلق الجائحة تناقضات، بل كشفتها. تصدّعت سلاسل التوريد، وتنافست الدول على الموارد الطبية. فشُدّدت الرقابة على الحدود. وأُعيد تصنيف العمالة تزامنياً إلى أساسية وأخرى يستغنى عنها. تحت الضغط، تجلّى منطق الإمبريالية الرأسمالية في صورته الخامّ:

- حلّت إدارة الندرة محلّ التعاون؛

- طغى التراكم القومي على التنسيق العالمي؛

- خضعت النظم الصحية لتراكم رأس المال.

هنا يرى ميرفي أنّ هذه اللحظة أسفرت عن حقيقة جوهرية: العولمة ليست عملية تكامل محايدة، بل هي نظام مُهيكل للتبعيّة والسيطرة. لم تُوقف الأزمة ممارسات الإمبريالية الرأسمالية، بل فاقمت حدّة منطقها.

2022: حروب بالوكالة وتطبيع الحرب الاقتصادية

بحلول عام 2022، تصاعدت توترات النظام العالمي إلى حروب مفتوحة بالوكالة شاركت فيها قوى عالمية كبرى. لكن بخلاف حروب القرن العشرين، لم يتخذ هذا الصراع شكل تعبئة شاملة. بل اتسم بما يلي: 

- العقوبات كأسلحة استراتيجية؛

- توظيف تدفّقات الطاقة كأدوات ضغط؛

- تسخير النظم المالية الدولية كأدوات إقصاء وحصار؛

- الاشتباك العسكري عبر وسطاء.

انفصلت الحرب جزئياً عن الأرض أو الجغرافيا، وأصبحت أكثر اندماجاً في النظم الاقتصادية. ويكمن التحوّل الرئيس في أنّ الحرب لم تعد تدور أولاً حول هزيمة الجيوش، بل أصبحت تدور حول تعطيل منظومات الإنتاج.

تمدّد ساحة المعركة

يُفهم الصراع المعاصر على أفضل وجه باعتباره نظام ضغوط متعدّد المجالات.

1. الحرب الاقتصادية

تُعدّ العقوبات والقيود التجارية والتلاعب بعملات الدول أدوات رئيسة للإكراه. وتتأثّر بها شعوب بأكملها من دون تدخّل عسكري مباشر.

2. الصراع على موارد الطاقة والبنية التحتية

أصبح النفط والغاز وخطوط الأنابيب وخطوط الشحن وممرات الإمداد اللوجستية أصولاً استراتيجية.

3. المعلومات والأيديولوجية

لا تُشكّل المنظومات الإعلامية والمنصات الرقمية التصوّرات والمدركات فحسب، بل تُشكّل أيضاً الإمكانيات السياسية ذاتها. وتُصبح الحقيقة بنية تحتية متنازع عليها.

4. التنافس التكنولوجي

يُشكّل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومنظومات المراقبة العمود الفقري لهرميات وهياكل القوة المستقبلية. في هذا السياق، لا وجود لـ"جبهة داخلية". فالنظام بأكمله هو الجبهة.

تصعيد تحت السيطرة وحدود الحرب الشاملة

رغم تفاقمه وكثافته، لم ينتقل النظام إلى حروب شاملة. لا يعود ذلك لضبط النفس، بل إلى القيود المفروضة:

- فالردع النووي يمنع المواجهة المباشرة؛

- والترابط الاقتصادي يُولّد هشاشة متبادلة؛ 

- وعدم الاستقرار الاجتماعي يحدّ من قدرة الطبقة الحاكمة على المناورة.

بالنتيجة، تلجأ القوى العالمية إلى التصعيد المُتحكّم به، مُكثّفةً الضغوط من دون تجاوز العتبات التي تُهدّد بانهيار النظام. ينتج عن ذلك شكل تاريخي جديد:

- حرب دائمة بلا ذروة أو نهاية؛

- حرب يجب استمرارها، ولكن لا يسمح لها بالوصول إلى حلّ نهائي؛

- تفتّت الطبقة العاملة وقوى التغيير الاجتماعي عالمياً.

في هذا النظام، يعتقد ميرفي أنّ الطبقة العاملة العالمية تشغل موقعاً متناقضاً، فالمستضعفون في الأرض إجمالاً:

- منغمسون في سلاسل التوريد العابرة للحدود؛

- خاضعون لضغوط التضخّم والتقشّف؛

- مُهجّرون ومُشتّتون بفعل إعادة الهيكلة التكنولوجية؛

- متشرذمون أيديولوجياً عبر السرديات المحلية.

النتيجة ليست مجرّد استغلال، بل تشظّي وعي ومواقف العمال عالمياً. هذا التفتّت ليس عارضاً، بل نتاج بنيوي لمنع المقاومة الموحّدة. 

وهذا من منظور تحرّري مناهض للإمبريالية أمر حاسم: فاستقرار الإمبريالية الرأسمالية عالمياً يعتمد على عجز قوى التغيير وحاضنتها الاجتماعية عن إدراك ذاتها كاتجاه عالمي موحّد.

التعدّدية القطبية: انتقال أم إعادة تشكُّل؟

غالباً، يُفسَّر صعود التعددية القطبية تحوّلاً تدريجياً من الهيمنة الأحادية. ورغم أنه يُمثّل إعادة توزيع للقوة والسيطرة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الإمبريالية. بل قد يُمثّل: إعادة تنظيم التنافس الإمبريالي؛ وتنويع مراكز التراكم؛ وتفتيت الهيمنة العالمية إلى تكتلات إقليمية.

من دون تغيير جوهري في العلاقات البنيوية (الهيكلية) الأساسية، تُخاطر التعدّدية القطبية بأن تُصبح تعدّدية الأشكال الإمبريالية بدلاً من إلغائها. يبقى السؤال الحاسم ليس عن عدد الأقطاب الموجودة، بل عن العلاقات الاجتماعية والهياكل التي تُنظّمها.

الكارثة المُدارة كشكل تاريخي! 

العالم لا يشهد غياب الحرب، بل يشهد تحوّلها لحالة نظامية مستمرة. فهذا ليس سلاماً، ولا حرباً تقليدية. إنه شيء جديد تاريخياً: نظام إمبريالي رأسمالي عالمي يُعيد إنتاج نفسه عبر أزمات دائمة ومُوزّعة. 

من وجهة نظر ميرفي، هذا ليس استقراراً، بل هو تناقض واسع النطاق. ولم يعد السؤال الأساسي: متى ستبدأ الحرب العالمية الثالثة. بل هو ما إذا كان بالإمكان إدراك أنها اتخذت بالفعل شكل نظام شامل لا مجرّد حدث عابر.

وإذا صحّ ذلك، فالمشكلة ليست في التنبّؤ، بل في الفهم، وبنهاية المطاف، المشكلة في التحوّل. ذلك أنّ النظام الذي ينجو من كارثة مُدارة لا يزول من تلقاء نفسه. بل يزول عندما تُحوَّل تناقضاته في نهاية المطاف ضدّه. وهذا ربما ما شهدنا إرهاصاته مؤخّراً في أزمة العلاقة بين ضفتي الأطلسي كأحد تداعيات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز بالنتيجة وأزمة طاقة عالمية تهدّد بركود أو كساد اقتصادي عالمي.