بين نرجسيّة البقاء وعقدة تشرشل: قراءة في البروفيل النفسي لبنيامين نتنياهو بعد 7 أكتوبر

استناداً إلى قراءة موسعة في المصادر والأبحاث العبريّة الإسرائيليّة التي رصدت سلوك نتنياهو عن بُعد، يمكن تفكيك الشيفرة النفسيّة والسياسيّة للرجل الذي يقود أطول حرب في تاريخ الكيان بعد طوفان الأقصى.

  • قراءة في البروفيل النفسي لبنيامين نتنياهو بعد 7 أكتوبر (أرشيف).
    قراءة في البروفيل النفسي لبنيامين نتنياهو بعد 7 أكتوبر (أرشيف).

في لحظات الحروب والمواجهات المصيريّة، لا تصبح القرارات العسكريّة نتاج حسابات الميدان الباردة وحسب، بل تتحوّل في كثير من الأحيان إلى مرآة تعكس النزاعات الداخليّة، العقد النفسيّة، وهواجس البقاء الشخصي للقادة.

وفي "إسرائيل"، يمثّل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو النموذج الأكثر تعقيدًا للقائد الذي تتماهى لديه الدولة مع الذات، وتختلط في ذهنه حسابات الأمن القومي بأولويّات الإرث التاريخي والهروب من المحاكمة الجنائيّة.

بنيامين نتنياهو، في هذه المرحلة، ليس مجرّد رئيس حكومة يدير حربًا طويلة ومفتوحة على أكثر من جبهة. الصورة التي ترسمها مصادر إسرائيليّة، بحثيّة وصحافيّة وتحليليّة، تكشف عن قائد يعيش تحت ضغط مركّب: جسديًا يظهر عليه التعب، سياسيًّا يقاتل من أجل البقاء، قضائيًا يلاحقه مسار المحاكمة، واستراتيجيًّا يواجه مأزق تحويل القوة العسكريّة إلى نهاية سياسيّة واضحة.

الأهم من ذلك أنّه يخوض، في العمق، معركة على صورته التاريخية: هل سيُذكر بوصفه رجل الأمن الذي أنقذ "إسرائيل" من أخطارها، أم بوصفه رئيس حكومة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول؟ 

استناداً إلى قراءة موسعة في المصادر والأبحاث العبريّة الإسرائيليّة التي رصدت سلوك نتنياهو عن بُعد، يمكن تفكيك الشيفرة النفسيّة والسياسيّة للرجل الذي يقود أطول حرب في تاريخ الكيان بعد طوفان الأقصى.

1. البقاء السياسي كمنظّم أعلى للسلوك

يلتقي العديد من الدراسات والمصادر الإسرائيليّة (ومنها دراسة الناجي 2017) على أنّ المحرّك والمنظّم الأعلى لسلوك نتنياهو هو البقاء السياسي في القمّة بأيّ ثمن. في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، دخلت هذه السمة تحت ضغط مضاعف: حرب مستنزفة، أزمة أسرى معقدة، ومحاكمة جنائيّة تلاحقه.

وفقًا للقراءة السلوكيّة لنتنياهو، فإنّ أيّ قرار استراتيجي يهدّد ائتلافه الحاكم أو موقعه الشخصي يخضع فورًا للمناورة، التأجيل، أو إعادة الصياغة. ويذهب رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك ومعه رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، إلى تقدير أشدّ خطورة، محذرين من أنّ نتنياهو، بدافع اليأس السياسي، قد يكون مستعدًا لافتعال أزمات أمنيّة أو استخدام حالة الطوارئ لتأجيل أيّ استحقاق انتخابي قد يطيحه من السلطة.

2. عقدة يوني والبحث عن مأثرة تشرشليّة

يعيش نتنياهو، وفقاً لتقديرات اختصاصيّين نفسيّين إسرائيليّين، تحت وطأة إهانة أبيه وظلّ شقيقه الراحل يوني نتنياهو (بطل عملية عنتيبي). هو يريد أن يكون بطلًا تاريخيًّا لكنّه يفشل في تمثّل نموذج شقيقه. من هنا، ينبع استدعاؤه المستمرّ ونموذج مؤيّديه لشخصيّة ونستون تشرشل كإلهام قيادي وقت الأزمات.

هذا التضخّم في الصورة الذاتيّة يجعله شديد الحساسيّة لأيّ مسار ينهي الحرب بصورة عجز أو فشل، فقبول تسوية تُظهره مهزومًا ليس مجرّد كلفة سياسيّة، بل هو تهديد وجودي لصورة الذات والإرث، وخوف مرعب من أن يُخلّد في التاريخ كـقائد الفشل في 7 أكتوبر بدلًا من قائد النصر.

3. سرديّة الضحيّة وعقدة الاضطهاد

يمتاز نتنياهو بـ"ارتياب بنيوي" وحسّ ضحيّة متطوّر يجعله شديد الشك، حيث يفعّل ميكانيزم الإسقاط النفسي لتفسير النقد والمساءلة السياسيّة سواء من عائلات الأسرى والجمهور أو المؤسّسة الأمنية بوصفها مؤامرة ممنهجة واعتداءً شخصيًّا مستهدفًا.

هذا النمط يعكس عجزًا عن دمج النقد الهدّام في بنية الأنا، فيتم تحويل المساءلة الموضوعيّة إلى مهدّد وجودي لصورة الذات.

وعندما يتعرّض لضغوط حادّة، يلجأ إلى استراتيجيّة الدفاع الهجومي كآليّة لإدارة القلق المتزايد، فيقوم بنقل الإحباط الداخلي وتحويله إلى عدوان موجّه ضد خصوم الداخل (الإعلام، القضاء، ومحتجي كابلان)، معيدًا تصنيف النقد عبر ميكانيزم التقسيم النفسي إلى ثنائيّة معي أو مع العدو. هذا الأسلوب لا يحميه من مواجهة الفشل الفردي وحسب، بل يمنحه طاقة نفسيّة لتعبئة قاعدته الجماهيريّة المتعصّبة (البايبيستيم)، إذ تحقّق هذه القاعدة تماهيًا نرجسيًا مع شخصه بوصفه مثال الأنا لديها، ما يجعل أيّ هجوم على (بيبي) يُدرك سيكولوجيًّا كتهديد مباشر لهويّتها وتماسكها الجماعي. 

4. الجسد المنهك وإدارة ملف المرض كأداة سياسيّة

أعادت المقابلات والظهور العلني الأخير لنتنياهو (مثل مقابلته في برنامج 60 دقيقة) فتح الأسئلة حول وضعه الصحي والمعرفي، حيث بدا متعبًا، منحني الجسد، وبدوائر سوداء تحت عينيه. ورغم أنّ التقارير الطبيّة الرسميّة المقتضبة لا تثبت تدهورًا معرفيًّا، إلا أنّ تقارير ساعات نومه القليلة جدًّا (ساعتين إلى ثلاث ساعات ليلة المحاكمة أو الحرب) تشير سياقيًّا إلى احتمالات التصلب المعرفي وتضييق الانتباه تحت الضغط المستمر وعلى أقل التقديرات كقائد يعمل تحت الضغط المتواصل.

الأخطر نفسيًّا وسلوكيًّا هو نمط التعتيم وإخفاء المعلومة،  فقد كشفت المصادر عن خضوعه لعلاج إشعاعي سري لسرطان البروستات تحت الرادار، مبرراً هذا الإخفاء بعدم رغبته في أن تستغل إيران الأمر دعائيًّا. بالنسبة لنتنياهو، الضعف الجسدي هو ملف إعلامي يجب ضبطه، نظراً لصعوبة إظهار الهشاشة وحاجته للحفاظ على صورة القائد المسيطر.

الانعكاسات المحتملة على جبهة لبنان ومحور المقاومة: ما الذي يجب الحذر منه؟

بناءً على هذا البروفيل السلوكي، يمكن استشراف طريقة تعامل نتنياهو مع جبهات المواجهة، وتحديدًا لبنان ومحور المقاومة، عبر النقاط الآتية:

ترميم الردع الشخصي والرمزي: بعد تهشّم ردع الكيان في 7 أكتوبر، لم يعد الردع عند نتنياهو مسألة عسكريّة عامّة بل مسألة شخصيّة. قد يلجأ إلى عمليّات تصعيديّة واغتيالات نوعيّة بهدف صناعة صورة قوّة يعوّض بها ضعفه الداخلي، حتّى لو لم تكن مرتبطة بهدف استراتيجي واضح.

 الحرب المفتوحة بديلًا عن الاعتراف بالفشل: يخشى نتنياهو سابقة الاعتراف بالخطأ. لذلك، قد يفضّل استمرار حالة حرب مفتوحة منخفضة أو متوسطة السقف وقابلة للإدارة، على الدخول في تسوية سياسيّة مغلقة تُقرأ محليًّا وإقليميًّا كهزيمة للكيان وتراجع أمام حزب الله.

صناعة الحسم الرمزي عبر الخطاب الاستعلائي: تعكس مصطلحاته مثل النصر المطلق وإعادة حزب الله عقودًا إلى الوراء تعويضًا خطابيًّا عن العجز الاستراتيجي (عدم الحسم في أي ساحة خلال 3 سنوات). عندما يعجز الميدان عن منح نتنياهو حسمًا فعليًّا، يلجأ إلى إنتاج لغة حسم رمزي (قصص بطولة، آيات توراتيّة) لحماية صورته وتأجيل لحظة الحقيقة والمحاسبة.

 لا رهان على الانهيار السريع: تشير القراءة إلى ضرورة عدم المراهنة على انهيار صحّي أو سياسي مفاجئ وسريع لنتنياهو، فالرجل يمتلك قاعدة صلبة داعمة ومرونة تكتيكيّة عالية في المناورة السياسيّة واستثمار الأزمات.

كما أنّ الأنظمة لا تسقط بمجرّد تعب القائد أو مرضه، كما أشار المحلل الكبير في شؤون الشرق الاوسط تسفي برئيل وأن الأمل لا يجب أن يُبنى على تشخيصه الطبّي بل على الفعل السياسي. وبالتالي فإنّ الرهان الحقيقي للمحور يجب أن يظل مستندًا إلى الفعل السياسي والميداني.