"تعفن الدماغ".. جائحة جديدة تهدد العالم في زمن الإفراط الرقمي!
لا أحد ينكر فوائد العالم الرقمي في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن يحذر المتخصصون من ثمن باهظ يدفعه الدماغ نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى سريع، وسطحي، وقليل الجودة.. ما هي ظاهرة "تعفن الدماغ"؟
-
مصطلح "تعفن الدماغ" من نتائج الإفراط في استهلاك محتوى سريع، وسطحي، وقليل الجودة على وسائل التواصل الاجتماعي
ظاهرة "تعفن الدماغ" مصطلح جديد وغريب، ولو بحثنا به منذ أعوام مضت، لبدا بعيداً من المنطق والواقع، لكن في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح الحديث عن "تعفن الدماغ" يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالواقع، ويشير إلى حال طبيعية في زمن أصبح فيه المحتوى الرقمي يشكل جزءاً جوهرياً في حياة كل فرد لا بل ويسيطر عليها، بحسب ما ذكره موقع صحيفة "إندبندنت" Independent البريطانية
لم ينكر أحد يوماً الأثر الإيجابي لوجود الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، لكن بات واضحاً للمتخصصين أنّ التداعيات السلبية كثيرة، حيث يعتبر مصطلح "تعفن الدماغ" إحدى تلك النتائج بعدما تحولت هذه الآفة التي تتعلق بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جائحة اجتاحت العالم، وهي لا تقل خطورة عن جائحة كورونا، التي "أرعبت العالم قبل أعوام مضت، لا بل قد تتفوق عليها بذلك.
"تعفن الدماغ" مصطلح من الواقع
يُعد "تعفن الدماغ" مصطلحاً حديثاً يعكس الواقع في زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، هي حال ترتبط بالتدهور الفكري نتيجة الاستهلاك المفرط لمحتوى الإنترنت القليل الجودة، مما يؤثر سلباً في التركيز والذاكرة والإبداع، وفق المتخصصين.
يقول المتخصصون، "صحيح إننا لا نشير هنا إلى مرض يمكن تشخيصه بالفحوص العادية أو يمكن معالجته بالأدوية، إنما هي ظاهرة سلوكية ناتجة عن الاستهلاك الزائد لوسائل التواصل الاجتماعي وإدمانها، في مثل هذه الحال يحصل تدهور في الحال العقلية والفكرية بسبب المحتوى الرقمي المنخفض الجودة لدى الإفراط في استهلاك الفيديوهات القصيرة التي تعرف بـ (ريلز)، والتمرير السريع على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد الزائد على التكنولوجيا".
وفي هذا السياق، توضح الطبيبة الاختصاصية في أمراض الجهاز العصبي في "مركز بلفو الطبي" الدكتورة حنين هلال، أنه "في الأعوام الأخيرة، بدأت دراسات حديثة تتناول تأثير الوقت الذي يمضيه الإنسان في وسائل التواصل الاجتماعي وأمام الأجهزة الإلكترونية، وذلك حتى قبل تحول تطبيق (تيك توك) إلى ظاهرة عالمية وانتشار الفيديوهات القصيرة التي تنشر عبر هذا التطبيق بصورة غير مسبوقة".
Instead of watching a 2-hour movie, watch this masterclass on how to fix your brain rot and become unrecognizablepic.twitter.com/m5qs2jUJOV
— Hayes (@hayesdev_) January 21, 2026
اقرأ أيضاً: متى يجب أن تعطي طفلك هاتفاً ذكياً؟
وتناولت الدراسات الأثر السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي بصورة عامة، في الذاكرة والقدرة على التركيز، وقد أُثبت فعلياً الأثر السلبي للاستخدام المفرط في القدرات الذهنية، كذلك تبين في الوقت نفسه أنّ أبرز ما يعتبر إيجابياً في العالم الرقمي وله أثر جيد في الدماغ، ألعاب الفيديو التي تحاكي الواقع والتي يلعبها الأطفال بمعدلات عالية، فقد تبين أنّ هذه الألعاب الإلكترونية التي تستدعي تشغيل الدماغ، وإيجاد حلول، وتتطلب رد فعل سريع، لها تأثير إيجابي بالفعل في أدمغة الأطفال الذين يلعبونها.
لكن، بعد ذلك برز إشكال جديد مع تمضية ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية بسبب التمرير السريع ومتابعة الفيديوهات القصيرة.. وتقول هلال إنه "تبين بعد المقارنة بين مجموعة تمضي ساعتين أو أكثر على وسائل التواصل الاجتماعي وأخرى تمضي أقل من ساعتين أنه في المجموعة الأولى، عانى المشاركون مشكلات في التركيز على الانتباه، خصوصاً الأطفال منهم، عندما يتعرضون لها قبل النوم، إذ تبين أنّ التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو قبل النوم، يؤثر مباشرة في النوم العميق مع ما لذلك من تأثير سلبي في الذاكرة والقدرة على التركيز، خصوصاً في حال تخطي خمس ساعات خلال النهار، هذا ما يفسر مشكلات الذاكرة التي يعانيها الناس بمعدلات كبرى في أيامنا هذه".
ضبابية الدماغ
ما أصبح واضحاً أيضاً، وفق المتخصصين، أنه من آفات العصر ما يعرف بـScroll Fog أي "تشويش الدماغ" نتيجة التمرير السريع للمحتوى ومتابعة الفيديوهات القصيرة بكميات كبيرة. يسبب ذلك حالاً تعرف أيضاً بـ"ضبابية الدماغ"، ويمكن أن تتطور وتشكل عائقاً أمام إنجاز الأعمال والمهام الروتينية اليومية، إن كان على مقاعد الدراسة أو في العمل.
"كما بات واضحاً كل ذلك ينعكس مباشرةً على الأطفال إلى حد كبير، فيمكن ملاحظة أنهم لا يتابعون المهام التي لديهم ولا يركزون عليها بشكل تام، حتى قد ينجزون بعضها أثناء متابعة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتمرير السريع على الأجهزة الالكترونية، وهذا ينطبق على الكبار، فهم أيضاً لم يعودوا قادرين على متابعة المهام التي لديهم وإنجازها، ومن المتوقع أن تزيد الأمور سوءاً مع الوقت"، وفق ما توضح هلال.
"لا تنتج هذه المشكلات عن الاستخدام المحدود لوسائل التواصل الاجتماعي، بل إنّ الإدمان والتعلق الزائد بها أساس المشكلة، ويشبه هذا النوع من الإدمان أي نوع آخر من الإدمان على مواد معينة، فيولّد حالاً من القلق والخوف والعجز في حال الابتعاد عن الهاتف لدى المدمنين، أطفالاً كانوا أم بالغين، فيشعرون بالفقد وبنقص في حال عدم الحصول على الجهاز الإلكتروني أو على وسائل التواصل الاجتماعي عندما يغرقون في حال الإدمان" بحسب المتخصصين.
كذلك تصف هلال هذه المشكلة بأنها "آفة خطرة في هذا العصر وتطاول الجيل الجديد بشكل واضح، كون الأطفال يمضون ساعات طويلة على الهاتف في تمرير المحتوى سريعاً، وفي كثير من الأحيان يكون هذا المحتوى قليل الجودة، وهذا ما يترك أثره السلبي في الدماغ"، وتردف: "في الوقت نفسه أدى هذا الواقع إلى تراجع مستويات النشاط الجسدي للأطفال، فهم يمضون ساعات أمام الأجهزة الإلكترونية من دون القيام بأي حركة، مما يخفف قدرة الجسد على ممارسة النشاط البدني ويشعر الطفل بالكآبة والتعب والخمول".
كما تكشف هلال أنه "في المقابل، بقدر ما يتم العمل على تشغيل الدماغ بأنشطة ومهارات فكرية، يمكن تنمية قدراته لتبلغ مستويات أعلى، ففي الدماغ مناطق عدة، ولكل منها وظيفة، وبقدر ما تعمل بمعدلات كبرى عبر أنشطة معينة، يزيد التواصل بين خلايا الدماغ لتعزيز قدرات المنطقة المعنية، فقد لا يكون الإنسان قادراً على زيادة عدد خلايا الدماغ، لكن في الأقل من الممكن تعزيز التواصل بين المناطق".
اقرأ أيضاً: دراسة حديثة تنبّه إلى خطر استخدام الأجهزة الذكية لتهدئة الأطفال
وتؤكّد أنّ "التأثير السلبي الأكبر لوسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها بشكل مفرط وصولاً إلى الإدمان، يكون في أدمغة الأطفال بشكل خاص لأنها تكون في طور النمو والخلايا الدماغية كذلك، مع كل ما لذلك من تأثير في وظائف الدماغ والمناطق التي فيه".
وهذا التأثير يكون كبيراً أيضاً في المسنين، فكل منطقة في الدماغ تنمو بحسب مستوى تحفيزها، والعكس صحيح، فتعرض مناطق الدماغ لأمور سخيفة ومحتوى قليل الجودة ومعلومات لا أهمية لها، ينعكس سلباً على الدماغ.
الوقت والنوعية والمضمون
يكشف المختصون في عالم التقنية أنّ الخوارزميات في وسائل التواصل الاجتماعي تتغير وفق المدة التي يمضيها الفرد على محتوى معين متابعاً مواضيع معينة ومركزاً عليها، ومن ثم يكون من يمضي فترات طويلة على محتوى سخيف أكثر عرضة لظهور هذا النوع من المحتوى بشكل أساس له، مما ينعكس سلباً على نمو الدماغ وصحته وقدراته، إضافة إلى أثر الركود وعدم ممارسة أي نشاط جسدي.
وبالنسبة إلى المسنين تحديداً، مع التقدم بالسن يخسر الدماغ من خلاياه ومن ثم تكون هناك حاجة إلى ما يسهم في تعزيز الصلة بين مناطق الدماغ، أمّا التعرض المفرط لمحتوى قليل الجودة فيسهم في تعزيز هذا التدهور في قدرات الدماغ.
في المقابل، توضح هلال أنّ المطلوب هو "تعزيز قدرات الدماغ من خلال الأنشطة التي تحفزه، فهي من الأمور الأساسية التي يُنصح الإنسان بالقيام بها في مختلف الفئات العمرية، وخصوصاً مع التقدم بالعمر لأنه يعزز الصلة بين مناطق الدماغ مما يساعد على الحفاظ على خلاياه في الأقل، وتجنّب خسارة مزيد منها، وهذا ما يفسر ما يحصل مع مريض ألزهايمر الذي يخسر مزيداً من الوظائف والقدرات بسبب عدم قيامه بأنشطة تساعد على تحفيز الدماغ".
السر في المحتوى الأكثر جودة
وبما أنّ المشكلة الأساسية وراء ظاهرة "تعفن الدماغ" هي في التمرير السريع للمحتوى القليل الجودة، وهي ظاهرة يعتاد عليها الدماغ وتؤثر سلباً فيه، ما قد يساعد على مكافحتها هو التركيز أكثر على المعلومات المفيدة والمحتوى الأكثر جودة، مما يعني حكماً الحد من الأثر السلبي في الدماغ.
وبالنسبة إلى الأطفال بشكل خاص قد لا يكون من الممكن حرمانهم بشكل تام من الأجهزة الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي حفاظاً على قدراتهم الذهنية، لكن يمكن في الأقل التركيز على طبيعة المحتوى الذي يتابعونه، بحيث يكون أكثر جودة، وحمايتهم من المحتوى السخيف الذي يؤثر سلباً في أدمغتهم.
وفي الوقت نفسه، "من المهم تجنّب قدر الإمكان تعرضهم لوسائل التواصل الاجتماعي قبل موعد النوم في الليل، بعدما أظهرت الدراسات أنّ لذلك أثراً كبيراً في القدرة على النوم العميق، ومن ثم في قدراتهم الذهنية كالتركيز والذاكرة"، بحسب المتخصصين.
كذلك تؤكد هلال أنّ "إهمال هذه الأمور يمكن أن يؤدي إلى الاتجاه نحو الأسوأ، فلا يعود من الممكن العودة إلى الوراء، وتصحيح ما خسره دماغ الإنسان، وقد يكون الحوار مع الأهل في شأن المحتوى الذي يتابعه الأطفال من الوسائل الفاعلة التي يمكن اللجوء إليها، فيدخل هذا الحوار في روتين قبل النوم بدلاً من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتمرير السريع للمحتوى خصوصاً".
وتختم قائلة: "بقدر ما يجري العمل على تحديد المدة التي يمضيها الأطفال أو الراشدون على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن الحد من الأثر السلبي لها في الدماغ ومن الآفات التي تصيبه في أيامنا هذه".