ظاهرة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" (DSA) وصعودها في المشهد السياسي الأميركي
صعود حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" يعكس تمرداً منظماً داخل الحزب الديمقراطي وتحوّلاً متزايداً نحو مناهضة دعم "إسرائيل"، رغم استمرار التناقضات بين قواعدها وممثليها السياسيين.
-
ظاهرة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" (DSA) وصعودها في المشهد السياسي الأميركي
كما يواجه ترامب تمرداً كبيراً في صفوف حركة "ماغا"، قاعدته الشعبية الوازنة في الحزب الجمهوري، تواجه القيادة التقليدية للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية حالياً تمرداً أوسع وأكثر تنظيماً وعقائدية، عنوانه حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" (DSA).
وتأتي مسائل السياسة الخارجية هنا بوصفها أحد أهم محاور الخلاف، ضمن الحزبين الكبيرين وخارجهما، كقاسم مشترك كبير تحولت فلسطين وغزة معه إلى عنوان رئيس في المشهد السياسي الأميركي.
لكن كثيراً ما يجري تبخيس ذلك العنوان، بما يحمله من أبعاد مبدئية وأخلاقية يعتنقها عشرات ملايين البشر عالمياً، تحت سقف أدنى هو معارضة سياسات حكومة نتنياهو من منطلق الحرص على الكيان الصهيوني، أو استمراراً للانقسام في "المجتمع الإسرائيلي" ذاته، من "تل أبيب" إلى نيويورك.
ولعل آخر مثال على ذلك تصريحات رام إيمانويل، الطامح إلى نيل ترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2028، والذي ألقى خطاباً حاداً ضد سياسات حكومة نتنياهو في جامعة "تل أبيب"، في 7 تموز/يوليو 2026، جاء فيه أن "المسار الحالي للبلاد غير قابل للاستمرار سياسياً"، كما دعا إلى إيقاف الدعم الأميركي غير المشروط لـ"إسرائيل".
تبوّأ رام إيمانويل مواقع مهمة في ظل إدارتي كلينتون وأوباما، وكان قد بدأ حياته السياسية مديراً مالياً لحملة كلينتون الانتخابية، ثم أصبح مستشاراً كبيراً لديه، ليذهب بعدها إلى القطاع المصرفي الكبير ويجني فيه عشرات ملايين الدولارات، ثم يعود من المصارف إلى الكونغرس على مدى ثلاث دورات، حيث أصبح أحد رؤوس اللجنة المالية التي يُعد الإشراف على المصارف إحدى مهماتها.
استقال رام إيمانويل من الكونغرس بعدها ليصبح رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض لدى أوباما، وهو المنصب الذي استقال منه لاحقاً ليصبح عمدة بلدية شيكاغو لدورتين، وكاد يصبح وزيراً للمواصلات في إدارة بايدن لولا معارضة يسار الحزب، فكوفئ بجائزة تعويضية هي منصب سفير الولايات المتحدة لدى اليابان.
وكان من "مآثره" بصفته سفيراً أميركياً إعلان تغيبه عن حفل أقيم في 7 آب/أغسطس 2024 لإحياء ذكرى قصف مدينة ناغازاكي بالقنبلة النووية، لأن "إسرائيل" لم تُدعَ إليه.
وما زال رام إيمانويل اليوم من أعمدة القيادة التقليدية للحزب الديمقراطي، لكن الأهم أنه من أعمدة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وهو يهودي صهيوني خدم في "جيش" الاحتلال إبان حرب الخليج الأولى، واسمه الرسمي في بطاقة هويته رام "إسرائيل" إيمانويل.
ويُحسب رام إيمانويل على تيار الصهيونية الليبرالية، على الرغم من أن والده، بنجامين، كان عضواً رسمياً في عصابة "إرغون" الإرهابية التي تتبع جابوتنسكي فكرياً.
وكان مما قام به إيمانويل قبل خطابه في جامعة "تل أبيب"، كما روى خلاله دامعاً، زيارة قبر عمه، على سفح جبل الزيتون في القدس المحتلة، الذي قُتل محارباً في إحدى حروب "إسرائيل".
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، لنأخذ أيضاً عضو الكونغرس الأميركي رو خانا، الطامح أيضاً إلى نيل ترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، والذي زار الضفة الغربية مؤخراً وذاق شيئاً من إرهاب المستوطنين.
يُعد رو خانا مؤيداً كبيراً للفلسطينيين، لكننا سنجد له سجلاً موثقاً يؤكد فيه دعمه للصهيونية بوصفها "حق الشعب اليهودي في تقرير المصير، وحق إسرائيل في الوجود"، وأن "إنكار فكرة الدولة اليهودية يمثل نوعاً من معاداة السامية".
الخبر الجيد هو أن موجة الاستياء حقيقية، وأنها تبلورت بصورة غير مسبوقة منذ حرب الإبادة في غزة، إضافة إلى مجموعة الحروب المرافقة لها، من لبنان إلى إيران واليمن وسوريا، وأن النفس الشعبي المعبّر عن تلك الموجة صدح بفطرته السليمة بهتاف "فلسطين من النهر إلى البحر"، وهو ما تجري محاولة الالتفاف عليه الآن.
والخبر الجيد الآخر هو أن الانقسام العمودي بين الصهاينة حقيقي أيضاً، من الكيان الصهيوني إلى الولايات المتحدة، وأنه ظهر منذ أزمة "التعديل القضائي"، ثم تفاقم نتيجة فشل سياسات "الحلول القصوى" التي تبنتها حكومة نتنياهو، الأمر الذي أدخل الكيان الصهيوني في مأزق، ومعه مجمل الاستراتيجية الأميركية في منطقتنا، ليصبح الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني موضوعاً ساخناً في الحوار السياسي الأميركي.
فإذا أردتم موقفاً أكثر تماسكاً ومنهجية وأقل تلوناً في مناهضة الدعم الأميركي لـ"إسرائيل"، ستجدونه لدى عضو الكونغرس توماس ماسي، من الحزب الجمهوري، الذي خاض صدامات متكررة مع ترامب، والذي اقترح تعديلاً قبل أيام يزيل الدعم الأميركي الدوري لـ"إسرائيل" من الموازنة العسكرية، بقيمة 3.3 مليارات دولار كاملة.
لم يمر مشروع التعديل الذي اقترحه ماسي، وكان الجمهوري الوحيد الذي صوّت معه، لكنه نال تأييد 104 أعضاء في الكونغرس، في مقابل 314 عضواً صوتوا ضده.
وهي سابقة تاريخية تعكس الانقسام العمودي في الحزب الديمقراطي بشأن دعم "إسرائيل"، إذ صوّت 103 نواب ديمقراطيين مع تعديل ماسي لوقف الدعم تماماً، وصوّت 98 نائباً ديمقراطياً ضده، فيما صوّت 10 نواب ديمقراطيين بـ"حاضر".
بموازاة ذلك وقبله، كانت قد تبلورت انقسامات عمودية في المجتمع الأميركي على خطوط ثقافية، مثل الهوية العرقية والمهاجرين، والريف الأبيض المتدين في مقابل المدن المعولمة على الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة.
وجاء ذلك نتاجاً مباشراً لانخراط النخب الحاكمة الأميركية في مشروع العولمة. وسبق التطرق إلى مسائل الانقسام في المجتمع الأميركي في مواد أخرى.
أدت تلك الانقسامات إلى انزياح الرأي العام الأميركي تدريجياً بعيداً من "الوسط المعتدل"، المتمثل في القيادات التقليدية للحزبين الديمقراطي والجمهوري، باتجاهين:
1- اليمين الشعبوي: الذي ركب ترامب موجته من أجل العودة إلى البيت الأبيض، الأمر الذي تضمن انقلاباً داخل الحزب الجمهوري فعلياً، ليصبح حزباً يسيطر عليه تيار "ماغا" الترامبي.
2- اليسار الشعبوي: وهو يسار إصلاحي برنامجياً، يتبنى برامج أقرب إلى "الأممية الثانية" في زمانها، ويشرف هذا اليسار على انقلاب حقيقي داخل الحزب الديمقراطي حالياً، ويتخذ صورة حراك شعبي منظم داخل الحزب الديمقراطي وخارجه.
صعود حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين"
تتصدر حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" هذا اليسار الجديد في الولايات المتحدة، بموجة كاسحة من الانتصارات الانتخابية مؤخراً، لم يكن وصول زهران ممداني إلى رئاسة بلدية نيويورك إلا أبرزها.
لكن حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين" الأميركية، على الرغم من نقاط التشابه البرنامجية بينها وبين أحزاب "الأممية الثانية"، التي أصبح اسمها "الاشتراكية الدولية" بعد الحرب العالمية الأولى، وخصوصاً فكرة العمل السلمي من داخل المنظومة الرأسمالية من أجل تحسين شروطها، تختلف عن "الاشتراكية الدولية" في أنها تُعد مناهضة لـ"إسرائيل" وسياساتها.
في حين كانت "الاشتراكية الدولية" أكثر دعماً للكيان الصهيوني، وكان شمعون بيريز أحد أهم وجوهها، إذ أصبح نائب رئيس "الاشتراكية الدولية" عام 1978، كما كان حزب العمل "الإسرائيلي" مكوناً رئيساً فيها.
في المقابل، يُذكر أن زهران ممداني ظهر في أكثر من فيديو أكد فيه اعترافه بحق الكيان الصهيوني في الوجود بوصفه دولة، لكن مصدر خلاف الصهاينة الليبراليين معه ينبع من رفضه الاعتراف بـ"إسرائيل" بوصفها دولة يهودية، ودعمه مقاطعة الكيان الصهيوني، ودعوته إلى إيقاف دعمها أميركياً بالكامل، كما أوضحت في مادة سابقة.
لكن ذلك لم يمنع تحالف الصهاينة الليبراليين انتخابياً مع ممداني في نيويورك، ضد حكومة نتنياهو وتياره في نيويورك، الأمر الذي يبرز بدوره شدة الانقسام صهيونياً.
أضف إلى ذلك أن الشخصية الأبرز التي نفخت روحاً في حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا"، وأسهمت في اجتذاب آلاف الشباب إليها خلال حملتيه الانتخابيتين الرئاسيتين عامي 2016 و2020، وهي السيناتور بيرني ساندرز، وقف بوضوح وجلاء ضد عملية "طوفان الأقصى" المجيدة، مؤكداً مراراً وتكراراً "حق إسرائيل المطلق في الدفاع عن نفسها"، وإنما من دون قتل جماعي للمدنيين ومنع المساعدات عنهم.
تطل عدة أصوات في حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" بشأن القضية الفلسطينية في الواقع، إذ ثمة موشور من المواقف من الكيان الصهيوني، لا موقف واحد متماسك.
ونجد في منابرها الإلكترونية خطاب "من النهر إلى البحر" مرة، ودعوة إلى تقويض "دولة الاستيطان الاستعماري"، ثم نجد خطاب "الضفة وغزة" المحتلتين مرة أخرى.
كما نجد هذا الاختلاف، بل قل الخلاف، بين مواقف بعض ممثلي الحركة الرسميين، من نوابها في الكونغرس إلى فروعها في المناطق والجامعات. وسنعود إلى ذلك وأسبابه وسياقه بعد هنيهة.
الفارق بين تمرد "ماغا" والتمرد الديمقراطي
لا بد من التذكير، أولاً، بأن مسائل الخلاف في صفوف حركة "ماغا" في الحزب الجمهوري تتصدرها بصورة أكبر قضية دعم "إسرائيل"، والمغامرات العسكرية العدوانية في الخارج بصورة عامة، والتي يعدها كثير من أنصار ترامب مناقضة للسياسة الانعزالية التي دعا إليها من أجل التركيز على "أميركا أولاً"، في مقابل الصقور الداعين إلى تثبيت أفضلية الولايات المتحدة جيوسياسياً في العالم.
لكن يختلف التمرد في صفوف "ماغا" عن التمرد في الحزب الديمقراطي من ناحية جوهرية، هي أن تمردات "ماغا" تتخذ طابع انشقاقات فردية تقوم بها شخصيات بارزة تباعاً، يتمتع كل منها بعدد هائل من الأنصار والمتابعين، في حين يتخذ التمرد في الحزب الديمقراطي طابعاً تنظيمياً وشعبياً غير فردي.
وكان أبرز انشقاق عن "ماغا" مؤخراً انشقاق الإعلامي المؤثر جداً تاكر كارلسون، وكان عنوان ذلك الانشقاق فلسطين وغزة والحرب على إيران، وموقف كارلسون من تيار المسيحية المتصهينة، القوة الرئيسة في الحزب الجمهوري التي تشكل كتلة صماء داعمة لـ"إسرائيل"، وهي كتلة لا يستطيع ترامب تجاهلها.
وللمزيد بهذا الصدد، الرجاء العودة إلى مادة "قراءة في التمرد الكبير ضد "إسرائيل" والصهيونية في قاعدة ترامب الشعبوية".
امتداد الحركة وتنظيمها
نعود الآن إلى حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا"، وإلى صعودها سياسياً وانتخابياً في الآونة الأخيرة.
ثمة اجتياح، في الواقع، لأعضاء الحركة الذين خاضوا الانتخابات التمهيدية وكسبوا بالتصويت ترشيحات الحزب الديمقراطي لعدد من مقاعد الكونغرس، 3 منهم في نيويورك، ومرشحة في كولورادو، وعبير قواس لمجلس الشيوخ الخاص بولاية نيويورك.
وهناك عشرات المرشحين المقترحين للحركة، يُتوقع أن يخوضوا غمار الانتخابات في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
أضف إلى ذلك ممثلي الحركة الحاليين: عضوتا كونغرس أميركي، و9 نواب أو شيوخ في مجلسي ولاية نيويورك، ينتمون رسمياً إلى حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا".
يُذكر أن عضوية الحركة، منذ تأسيسها عام 1982، ازدادت من بضع مئات من الأعضاء إلى 8500 عضو بعيد انتخاب ترامب، وعلى خلفية حملة بيرني ساندرز الانتخابية عام 2016.
ثم ارتفعت عضوية المنظمة منذ ذلك الوقت إلى 120 ألف منتسب، حامل لبطاقة العضوية ومسدد للاشتراك، في تموز/يوليو 2026. وهذا غير الأنصار والموالين، أو الأعضاء القدامى الذين لم يجددوا اشتراكاتهم.
ويتوزع هؤلاء على فروع للحركة في الولايات الأميركية الخمسين، وتدير هذه الفروع عشرات اللجان التنظيمية.
هكذا أصبحت حركة DSA أكبر منظمة سياسية يسارية في الولايات المتحدة، وما زالت تنمو.
ولم يكن المدهش فيها فقط تلك الروح المتوثبة التي دبت فيها بعد 44 عاماً من تأسيسها، بل التحولات الجذرية التي طرأت على خطها، في مخاض صعب لم يكتمل؛ لأن الجديد لم يبرز بصورة واضحة بما يكفي، ولأن القديم لم يُسدل عليه ستار التاريخ بعد.
نتحدث هنا، قبل كل شيء، عن الموقف من قضية فلسطين، التي باتت عنواناً أممياً لمناهضة الإمبريالية والصهيونية عند كل المناضلين الأحرار في زماننا.
من الجذور الصهيونية إلى مناهضة "إسرائيل"
كان مايكل هارينغتون، قائد حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" ومنظّرها عند تأسيسها عام 1982، وكان نموذجاً لليساري "الملغوص"، بصفته "ماركسياً" مناهضاً للاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية والصين، يروّج أن الصهيونية "حركة التحرر الوطني التي تؤكد حق تقرير المصير للشعب اليهودي".
وكان هارينغتون صديق شمعون بيريز، وكانت منظمة DSA في عهده موئلاً لليساريين المتصهينين، وكانت المنظمة، طبعاً، عضواً رسمياً في "الاشتراكية الدولية" منذ تأسيسها.
طرأ تحول كبير جداً على مواقف حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين" منذ ذلك الوقت، وكان من علاماته انسحابها من "الاشتراكية الدولية" عام 2017، لأن الأخيرة أضحت بوقاً لتبرير السياسات النيوليبرالية.
تندب الحركة الصهيونية الآن حظها لأن حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين" الأميركية باتت اليوم قلعة لمناهضة "إسرائيل" وسياساتها.
وبتعبير موقع "اللجنة اليهودية الأميركية" (AJC)، في 24 حزيران/يونيو 2026: "لقد تحولت حركة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا DSA، منذ تأسيسها في مطلع الثمانينيات كمنظمة صهيونية في ظل مايكل هارينغتون، إلى جماعة يسارية متطرفة معادية لإسرائيل بصورة علنية".
لكن جذور المنظمة الصهيونية ما زالت تشدها إلى الخلف بقوة، في صورة مواقف ملتبسة، إن لم نقل مشبوهة، لدى عدد من أعضائها القدامى، وعند ممثليها في الكونغرس، ولدى زهران ممداني ذاته.
أزمات الحركة مع ممثليها
على سبيل المثال، زار جمال بومان، عضو حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين" وعضو الكونغرس الأميركي عن نيويورك، الكيان الصهيوني عام 2021، وصوّت في الكونغرس مع تمويل القبة الحديدية للكيان الصهيوني في 23 أيلول/سبتمبر 2021.
وأحدث ذلك أزمة في صفوف الحركة التي يمثلها، انتهت بإدانة قيادة الحركة لما قام به، مع رفض فصله كما طالبت القواعد الحزبية.
وعندما شنت مجموعة مقاطعة "إسرائيل" في الحركة حملة على بومان، حلتها القيادة بذريعة تجاوزها قواعد المسلكية التنظيمية.
وفي عام 2022، ترك جمال بومان عضويته في الحركة تنتهي من دون تجديد. لكن، في عام 2024، عاد إلى صفوف الحركة التي دعمت ترشيحه للكونغرس مجدداً عن نيويورك.
وخسر بومان الانتخابات التمهيدية عن الحزب الديمقراطي في نيويورك، بعدما أنفقت "إيباك" عشرات ملايين الدولارات ضده، لأنه ناهض سياسات نتنياهو، ووصف غزة بأنها إبادة جماعية، ودعا إلى وقف دائم لإطلاق النار فيها.
ولم يشفع له سجله، لأن العدو الصهيوني يطالب بإذعان مطلق، وهذا مصير المتقلبين.
زهران ممداني منظّم فعال، ومحرّض مؤثر، وداعية جماهيري، لكنه ليس منظّراً، ولا بوصلة أيديولوجية، ولا قائداً سياسياً على مستوى قومي أو أممي، لذلك يمارس "السياسة كالمعتاد" باعتبارها "فن الممكن" لتحسين شروط الأمر الواقع.
لذلك، تجده يدعم مرشحين مناهضين للصهيونية، من جهة، ومرشحاً آخر مثل براد لاندر في نيويورك، سبق أن خرج من حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" بعيد 7 تشرين الأول/أكتوبر احتجاجاً، ويقول إنه "صهيوني ليبرالي" يؤمن بـ"إسرائيل" بوصفها "دولة يهودية"، لكنه يناهض سياسات حكومة نتنياهو ويدعو إلى إيقاف المساعدات الأميركية لها حتى تراعي "مقاييس حقوق الإنسان".
في المقابل، وللأمانة، نجد زهران ممداني يدعم مرشحة مثل دارياليزا شفالييه، وهي "متهمة" لدى اللوبي الصهيوني بحضور مهرجان تأييد في نيويورك بعد عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر، وبأنها نشرت: "إسرائيل غير موجودة"، وبأنها رفضت تماماً إدانة العمل المسلح المقاوم، رغم الضغوط التي تعرضت لها خلال حملتها الانتخابية.
وفي عام 2024، اتخذت قيادة حركة DSA قراراً بسحب دعمها الوطني لعضوة الكونغرس وعضوة الحركة ألكساندرا أوكاسيو كورتيز، لأنها صوّتت مع قرار يعد "رفض حق إسرائيل في الوجود شكلاً من معاداة السامية"، لكن فرع المنظمة في نيويورك، الذي تمثله، أكد دعمه لها.
وفي فروع الحركة، في المناطق والجامعات، تجد روحاً متأججة ضد الحركة الصهيونية، وفي بعض الفروع ثمة مقاييس صارمة تحاسب المرشحين الذين يطلبون دعم الحركة على مواقفهم من فلسطين والصهيونية، لكن ذلك لا ينعكس بالضرورة في سياسات الحركة ومواقفها رسمياً.
فهل تصبح حركة DSA فخاً لتمييع تلك الروح النضالية الوثابة وامتصاصها، كما جرى في كثير من الحالات فلسطينياً وعربياً، أم أن القواعد الحزبية ستنجح في فرض خطها الأكثر جذرية؟
لا شك في أن الحركة، التي لا تقتصر على الحملات الانتخابية، والتي تشتغل أيضاً في تنظيم العمال والطلاب والمهاجرين المجنسين، وحملات التضامن مع القضايا الأممية، راحت تحقق إنجازات كبيرة في استعادة القواعد الشعبية من أيدي اليمين الشعبوي.
كما أعادت وضع مسألة الرأسمالية والإمبريالية على بساط النقد في الخطاب السياسي مجدداً في الولايات المتحدة، لكنها ما زالت بعيدة جداً عما يمكن اعتباره "تنظيماً ثورياً"، حتى إن جورج غالاوي لا يعد زهران ممداني اشتراكياً.