كيف حوّلت الـ FPV الليل من غطاء لجنود الاحتلال إلى ساحة قتل مفتوحة؟

باتت الطائرات المسيّرة الانقضاضية تفرض معادلة جديدة تقوم على الملاحقة المستمرة للجنود والآليات، نهاراً وليلاً، الأمر الذي دفع وسائل الإعلام والدوائر الأمنية الإسرائيلية إلى اعتبارها التهديد الأكثر خطورة على القوات المنتشرة في الميدان.

  • كيف حوّلت الـ  FPV الليل من غطاء لجنود الاحتلال إلى ساحة قتل مفتوحة؟
    ثلاثية الشبحية: عندما يصبح الهدف غير مرئي

لم تعد الطائرات المسيّرة في جنوب لبنان فقط وسيلة إسناد ناري أو أداة استطلاع تكتيكية ضمن أدوات الحرب الحديثة، بل تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز العوامل التي أعادت تشكيل قواعد الاشتباك.

وفي قلب هذا التحوّل برز جيل جديد من المسيّرات الانقضاضية الموجّهة بالألياف الضوئية والمزوّدة بأنظمة الرؤية الليلية والاستشعار الحراري، وهو جيل نجح في تجاوز معظم الوسائل الدفاعية التي بنت عليها "إسرائيل" عقيدتها العسكرية خلال العقود الماضية.

فإذا كانت الجيوش الحديثة تعتمد على التفوّق الإلكتروني والحرب السيبرانية ومنظومات التشويش والرصد المتقدّمة باعتبارها أساس السيطرة على ميدان المعركة، فإنّ مسيّرات الألياف الضوئية  جاءت لتقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، فالسلاح الذي يبدو بسيطاً نسبياً من حيث الفكرة والتكلفة نجح في تحييد أنظمة تكنولوجية تقدّر قيمتها بمليارات الدولارات، وفرض على المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية وأساليب انتشار قواتها وتحرّكاتها اليومية.

ثورة تقنية تتجاوز الحرب الإلكترونية

تكمن خصوصية هذه المسيّرات في طريقة عملها المختلفة عن معظم الطائرات  غير المأهولة المعروفة. فبدلاً من الاعتماد على الاتصال اللاسلكي التقليدي بين المشغّل والطائرة، تستخدم هذه المنظومة كابلاً من الألياف الضوئية  يتمّ سحبه تدريجياً أثناء الطيران، ما يؤمّن قناة اتصال فيزيائية  مباشرة وآمنة بين المشغّل والمسيّرة.

هذا الاتصال السلكي يلغي عملياً الحاجة إلى أيّ بثّ راديوي، وبالتالي يحرم أنظمة الحرب الإلكترونية من الهدف الذي صمّمت للتعامل معه، فلا توجد إشارات يمكن اعتراضها، ولا تردّدات يمكن التشويش عليها، ولا قنوات اتصال يمكن اختراقها أو تضليلها.

ولهذا اعترفت وسائل إعلام إسرائيلية بأنّ جزءاً مهماً من منظومات التشويش المنتشرة على الجبهة الشمالية فقد فعّاليته أمام هذا النوع من الطائرات.

وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على سلوك القوات الإسرائيلية في الميدان، فبعدما كانت تعتمد على المظلة الإلكترونية لحمايتها من الطائرات المسيّرة، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى إجراءات دفاعية بدائية، من بينها إطلاق النار المباشر على الأهداف الجوية منخفضة الارتفاع أو استخدام الشباك فوق الآليات والمواقع العسكرية، في مشهد يعكس حجم المأزق الذي فرضته هذه التكنولوجيا الجديدة.

ويعزّز ذلك اعتماد هذه المسيّرات على بكرة ألياف ضوئية يتمّ فكّها تدريجياً أثناء الطيران، بتقنية "سحب الخيط" التي تمنع التشابك وتسمح بالحفاظ على سرعات عالية من دون التأثير على الأداء.

وبفعل انتقال البيانات على شكل نبضات ضوئية، تحصل هذه المسيّرات على بثّ فيديو عالي الدقة بزمن استجابة شبه فوري، ما يمنح المشغّل قدرة تحكّم لحظية ودقة استهداف استثنائية، حتى في البيئات المعقّدة أو المغلقة.

ثلاثية الشبحية: عندما يصبح الهدف غير مرئي

لا تقتصر خطورة هذه المسيّرات على تجاوز التشويش الإلكتروني فقط، بل تتجسّد في ما يمكن وصفه بـ"ثلاثية الشبحية" التي تجعل اكتشافها واعتراضها مهمة شديدة التعقيد.

-الطبقة الأولى تتمثّل في الشبحية الإلكترونية، فغياب أيّ انبعاث لاسلكي يجعل المسيّرة غير مرئية لأنظمة كشف الترددات والحرب الإلكترونية.

-الطبقة الثانية فهي الشبحية الرادارية  الناتجة عن استخدام مواد خفيفة مثل الألياف الزجاجية وألياف الكربون، وهي مواد تقلل البصمة الرادارية إلى مستويات تجعل رصدها صعباً حتى عبر الرادارات المتطورة.

-أما الطبقة الثالثة فتتمثّل في الشبحية الحرارية، فالمحركات الكهربائية الصغيرة لا تنتج حرارة كبيرة مقارنة بالمحركات التقليدية، كما أنّ المواد المستخدمة في تصنيع الهيكل تحدّ من تسرّب الحرارة إلى الخارج. ونتيجة لذلك تصبح المسيّرة هدفاً بالغ الصعوبة بالنسبة لأنظمة الرصد الحراري التي تعتمد عليها العديد من وسائل الدفاع الجوي الحديثة.

وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في منصة واحدة صغيرة الحجم وقادرة على الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً، فإنها تنتج هدفاً يصعب اكتشافه مسبقاً أو تعقّبه أو اعتراضه قبل وصوله إلى هدفه.

سقوط ميزة الليل

لكنّ التطوّر الأخطر لا يكمن في الألياف الضوئية وحدها، بل في دمجها مع تقنيات الرؤية الليلية والاستشعار الحراري، فهذه الإضافة نقلت المسيّرات من مرحلة تجاوز الدفاعات الإلكترونية إلى مرحلة السيطرة على المجال الليلي نفسه.

لعقود طويلة شكّل الليل أحد أهم عناصر المناورة العسكرية، وكانت الوحدات القتالية تعتمد على الظلام لتنفيذ عمليات الانتقال وإعادة التموضع والإمداد والانسحاب. إلا أنّ دخول الكاميرات الحرارية  إلى المسيّرات الانقضاضية غيّر هذه القاعدة بالكامل.

الكاميرات الحرارية لا تحتاج إلى الضوء كي ترى، بل تعتمد على رصد الحرارة المنبعثة من الأجسام الحية والمحرّكات والآليات. وهذا يعني أنّ الجندي المختبئ في خيمة أو غرفة أو خلف ساتر ترابي لم يعد مختفياً فعلياً، بل يظهر على شاشة المشغّل كبقعة حرارية واضحة يمكن تتبّعها واستهدافها.

اقرأ أيضاً: غير قابل للاكتشاف: "الجيش" الإسرائيلي يستعد لمزيد من طائرات حزب الله من دون طيار FPV

وقد أقرّت وسائل إعلام إسرائيلية بهذا التحوّل، حيث تحدّثت القناة 13 عن أنّ المحلّقات باتت تعمل بوسائل رؤية ليلية تجعل ساعات الظلام غير آمنة للجنود.

كما أشارت تقارير عسكرية إلى أنّ نجاح المسيّرات في تنفيذ إصابات ليلية دقيقة  للمرة الأولى أثار حالة من القلق داخل الوحدات المنتشرة في جنوب لبنان.

كما تتزايد المخاوف داخل "جيش" الاحتلال من إدخال كاميرات حرارية وأنظمة رصد متطوّرة إلى هذه الطائرات، بما يسمح لها بتعقّب البصمات الحرارية للأفراد والمركبات بدقة عالية حتى في ظروف الرؤية الصعبة، وهو ما يوسّع هامش المناورة الهجومية ويمنح المشغّلين قدرة أكبر على اختيار الأهداف وتوقيت الضربات.

المسيّرات في مجلس الأمن الدولي!

هذا التحوّل لم يعد فقط تقديراً عسكرياً داخلياً، بل أصبح مادة نقاش دولي بعدما خصص المندوب الإسرائيلي جزءاً من مداخلته في مجلس الأمن للحديث عن مسيّرات حزب الله، عارضاً نموذجاً منها داخل القاعة ومشدّداً على قدرتها على الظهور المفاجئ فوق القوات الإسرائيلية واستهدافها بفعّالية.

وفي السياق نفسه، اعتبرت تقارير إعلامية غربية وإسرائيلية  أنّ هذه الطائرات نجحت في تقويض أجزاء من الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان، فيما تحدّثت مصادر عسكرية عن "منحنى تعلّم متصاعد" لدى حزب الله انعكس تحسّناً ملحوظاً في دقة التوجيه والاقتراب من الأهداف مقارنة بالمراحل الأولى من المواجهات.

كما أقرّت وسائل إعلام "إسرائيلية"  بأنّ القوات تواجه اليوم واقعاً جديداً يتمثّل بسقوط قتلى وإصابات بشكل شبه يومي نتيجة هذا النوع من الهجمات.

وفي مواجهة هذا التحدّي، اضطر "جيش" الاحتلال إلى تعديل سلوكه العملياتي. إلا أنّ هذه الإجراءات لم تبدّد القلق المتزايد داخل الأوساط العسكرية وبين عائلات الجنود، خاصة مع تكرار حوادث الاستهداف وسقوط المزيد من القتلى والجرحى، وآخرها إعلان "جيش" الاحتلال إصابة 8 جنود في حادثين منفصلين نتيجة هجمات بمسيّرات انقضاضية مفخخة.

من تعقّب الأهداف إلى تحليل البصمات الحرارية

لا تقتصر قدرات الاستشعار الحراري الحديثة على اكتشاف الأهداف فحسب، بل تتجاوز ذلك نحو تحليل أنماط الحركة والبصمات الجسدية.

فالتطوّر التقني الحالي يسمح بتتبّع التغيّرات الحرارية الناتجة عن حركة الأفراد والمركبات، وتمييز الأهداف العسكرية عن البيئة المحيطة بها. كما يمكن لأنظمة المعالجة الرقمية الحديثة دمج الصور الحرارية مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتصنيفها وملاحقتها بشكل أكثر دقة.

وهذا يعني أنّ المعركة الليلية لم تعد معركة رؤية وإخفاء كما كانت في السابق، بل أصبحت معركة بصمات حرارية، فالهدف لا يُكتشف لأنه مرئي، بل لأنه دافئ. وهذه الحقيقة أسقطت جانباً مهماً من فلسفة التمويه العسكري التقليدية التي اعتمدت على الاختباء في الظلام أو خلف الدخان أو ضمن الغطاء النباتي.

كما أقرّ "جيش" الاحتلال بأنه يحقّق في نجاح هذه المسيّرات في تنفيذ هجمات ليلية دقيقة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قواته بشكل شبه يومي، وسط حالة من الذهول داخل الوحدات المقاتلة من قدرتها على العمل بفعّالية بعد غروب الشمس.

استهداف "العصب العصبي لـلجيش"

الأهمية العملياتية لهذه المسيّرات لا تتوقّف عند استهداف الجنود والآليات، فالتقارير العسكرية تشير إلى أنها أصبحت تُستخدم لضرب الأهداف الأكثر حساسية في المنظومة العسكرية، بما في ذلك وسائل الرصد والإنذار المبكر وأجهزة الاتصالات وشبكات القيادة والسيطرة.

هذا التحوّل يعني أنّ المسيّرات لم تعد تهاجم القوة العسكرية فقط، بل تهاجم قدرة هذه القوة على الرؤية والتنسيق واتخاذ القرار. وبهذا المعنى تصبح المعركة معركة ضدّ "العصب العصبي للجيش نفسه".

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv)

وقد انعكس ذلك في القلق الإسرائيلي المتزايد من استهداف أجهزة الرصد والتشويش وحتى وسائل الإخلاء الطبي، الأمر الذي يضاعف التأثير العملياتي والنفسي لهذه الهجمات.

منحنى تعلّم متصاعد

تعترف مصادر عسكرية إسرائيلية بأنّ حزب الله أظهر خلال الفترة الأخيرة منحنى تعلّم متسارعاً في تشغيل هذا النوع من المسيّرات. فالمقارنة بين الأداء الحالي والأداء في المراحل الأولى من المواجهة تكشف تطوّراً واضحاً في دقة التوجيه واختيار الأهداف وتوقيت الهجمات.

ولم يعد الأمر يقتصر على تنفيذ ضربات متفرّقة، بل بات جزءاً من نمط عملياتي متكامل يهدف إلى استنزاف القوات الإسرائيلية وإجبارها على تعديل سلوكها الميداني بصورة مستمرة.

ولهذا السبب عمد "جيش" الاحتلال إلى تقليص استخدام الآليات الثقيلة في بعض المناطق، وسحب 3 فرق من أصل 5 في جنوب لبنان، وتغيير مسارات الحركة والإمداد بشكل متكرر، وتوسيع الاعتماد على وسائل الاعتراض والدفاع الجوي قصيرة المدى.

أزمة عقيدة لا أزمة سلاح

تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة لـ"إسرائيل" في أنّ التحدّي الذي تفرضه هذه المسيّرات يتجاوز الجانب التقني. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإيجاد وسيلة جديدة للاعتراض فقط، بل تتعلّق بإعادة تقييم فلسفة عسكرية كاملة قامت على افتراض أنّ التفوّق التكنولوجي يضمن السيطرة على ميدان المعركة.

اليوم تواجه "المؤسسة العسكرية الإسرائيلية" واقعاً مختلفاً، حيث تنجح وسائل منخفضة الكلفة في فرض خسائر على قوات تمتلك أكثر المنظومات تطوّراً في المنطقة. كما أنّ الجمع بين الألياف الضوئية والرؤية الليلية والاستشعار الحراري أوجد سلاحاً قادراً على تجاوز معظم نقاط القوة التي اعتمدت عليها "إسرائيل" خلال العقود الماضية.

 

سلاح يغيّر طبيعة الحرب

في المحصّلة، لا يمكن النظر إلى مسيّرات الألياف الضوئية الليلية باعتبارها فقط تطويراً تقنياً في عالم الطائرات غير المأهولة. فهذه المنظومة تمثّل تحوّلاً أعمق في طبيعة الحرب نفسها. إنها تجمع بين بساطة الوسيلة وفعّالية الأداء، وتمزج بين تكتيكات حرب العصابات التقليدية وأحدث تقنيات الرصد والتوجيه، لتنتج نموذجاً جديداً من حروب الاستنزاف الذكية.

ومع دخول الاستشعار الحراري والرؤية الليلية إلى هذا النوع من الطائرات، فقدت القوات الإسرائيلية إحدى أهم مزاياها التاريخية: الاستفادة من الظلام كغطاء للحركة والمناورة. وباتت السماء والليل معاً جزءاً من بيئة تهديد دائمة، فيما تتحوّل المسيّرات الانقضاضية تدريجياً إلى أحد أهم الأسلحة التي تعيد رسم ملامح المواجهة وتفرض قواعد اشتباك جديدة على الأرض.

اقرأ أيضاً: FPV السلكية تقلب قواعد التكنولوجيا العسكرية

 

اخترنا لك