شاب مصري يجري إعادة رقمية لآثار عالمية
عبّر هشام رمزي، طالب دراسات عليا في تخصص القانون الدولي بجامعة شانشي، والذي جاء إلى الصين قبل 3 سنوات قائلاً: "في لحظة أكون في العصر الحديث، وفي اللحظة التالية أدخل عمق التاريخ الصيني".
-
شاب مصري يجري إعادة رقمية للوحات عالمية (الصورة: egyptke)
في قاعة مظلمة بمدينة تاييوان الصينية، يمسك شاب مصري بمصباحه، لا ليبحث عن طريقه، بل ليفجّر ثورة من الألوان، بمجرّد أن يلامس الضوء جدارية "تشاو يوان تو"، تبدو اللوحة المرسومة منذ 700 عام وكأنها تستيقظ من غفوتها، تبتسم وتتحرّك في فضاء رقمي مبهر.
لم تكن هذه اللوحة في قصر "يونغله" العتيق، بل كانت نسخة رقمية فائقة الدقة من صنع يد الشاب المصري، جسّدت كيف تطوّع الصين التكنولوجيا لخدمة التاريخ.
حين وجّه الشاب المصري هشام رمزي مصباحه نحو لوحة جدارية أمامه، بدت الآلهة المرسومة وكأنها دبت فيها الحياة. غير أنّ هذا المشهد الحيّ لم يكن لوحة أصلية، بل إعادة رقمية دقيقة للوحة "تشاو يوان تو" التي تعود إلى ما يقرب من 700 عام، والمحفوظة في قصر يونغله بمقاطعة شانشي بشمالي الصين.
ويعدّ هذا المشهد جزءاً من معرض فني رقمي للمباني الأثرية أقيم مؤخراً في مدينة تاييوان حاضرة المقاطعة، والذي حظي بإقبال واسع من هواة الألعاب الالكترونية والمباني الأثرية من داخل الصين وخارجها.
التقنيات الرقمية لإحياء الآثار في #الصين.. شاب مصري يعبر الزمن بين الماضي والحاضرhttps://t.co/4sHDHDbr3I pic.twitter.com/ZhfNnbfOzC
— الصين بعيون عربية (@Chinainarabic) February 5, 2026
"الأسطورة السوداء: وو كونغ"
وفي قاعة تحمل عنوان "الأسطورة السوداء: وو كونغ"، أعيد تقديم معالم أثرية شهيرة في شانشي، مثل معبد شيوانكونغ وكهوف يونقانغ، عبر التقنيات الرقمية للضوء والظل والطباعة ثلاثية الأبعاد.
وقال هشام رمزي، طالب دراسات عليا في تخصص القانون الدولي بجامعة شانشي، والذي جاء إلى الصين قبل 3 سنوات: "في لحظة أكون في العصر الحديث، وفي اللحظة التالية أدخل عمق التاريخ الصيني". وبدافع شغفه بالآثار، جاب رمزي معظم أنحاء شانشي، التي تعرف بأنها "متحف الآثار فوق الأرض" في الصين.
شانشي من أغنى المقاطعات
وتعدّ شانشي من أغنى المقاطعات الصينية بالتراث الثقافي، إذ تضمّ 531 موقعاً مدرجاً ضمن قائمة الحماية على المستوى الوطني، لتحتلّ المرتبة الأولى في البلاد، بينها ثلاثة مبانٍ خشبية كاملة يعود تاريخها إلى عهد أسرة تانغ الإمبراطورية (618-907). وفي عام 2015، كانت من أولى المقاطعات التي بدأت المسح الرقمي الشامل للآثار غير المنقولة.
وأطول محطة توقّف عند رمزي كانت في جناح برج يينغشيان الخشبي، أعلى برج خشبي قائم في العالم، والمصنّف مع برج بيزا المائل في إيطاليا وبرج إيفل في باريس ضمن "الأبراج الثلاثة العجيبة في العالم". وقال رمزي: "ذكّرني هذا البرج بالأهرامات المصرية، إذ شيّد كلاهما بالكامل اعتماداً على حكمة القدماء".
ولم يكن تصغير برج يبلغ ارتفاعه نحو 70 متراً إلى نموذج دقيق داخل قاعة عرض ممكناً لولا تقنيات المسح بالليزر والقياس عن طريق التصوير القريب. وأشار جيا تشي، فني مسح رقمي التحق بالمهنة بعد تخرّجه من الجامعة، إلى أنه شهد التحوّل الجذري في طرق حماية الآثار في الصين، وقبل 12 عاماً، استغرق رسم معبد تبلغ مساحته نحو 5 آلاف متر مربّع نحو أسبوعين بجهد شخصين، أما حالياً فالمهمة نفسها تنجز في غضون ثلاثة أيام فقط.
التقنيات تتيح جمع بيانات ثلاثية الأبعاد
وقال جيا إنّ هذه التقنيات تتيح جمع بيانات ثلاثية الأبعاد عن بعد ومن دون تماس مباشر، بدقة وتكامل يفوقان الطرق التقليدية، ما يوفّر أساساً علمياً لترميم المباني الأثرية وينشئ أرشيفاً رقمياً دائماً لها، مضيفاً أنه حتى الآن، جمع فريقه بيانات لأكثر من 350 موقعاً أثرياً غير منقول، شملت نحو 1500 مبنى أثري، وأكثر من 1200 تمثال ملوّن، وقرابة 15 ألف متر مربّع من الجداريات، بحجم بيانات إجمالي بلغ 2.5 بيتابايت.
LZU and Dunhuang Academy have developed a method to tackle microorganisms, the "invisible killers" of ancient murals. By developing a non-invasive cleaning technique, they are preserving the centuries-old art for future generations. This research highlights the critical role of… pic.twitter.com/ryzPFmyLDt
— Lanzhou University (@iLZU1909) February 6, 2026
كما أسهمت حماية الآثار رقمياً في ازدهار صناعات إبداعية، أبرزها صناعة الألعاب الإلكترونية. فقد حقّقت لعبة "الأسطورة السوداء: وو كونغ"، أول لعبة صينية من فئة "تريبل-أيه"، انتشاراً عالمياً عام 2024، بفضل اعتمادها المكثّف على مسح الآثار الحقيقية وإعادة توظيف المباني والمنحوتات التاريخية داخل عالمها الافتراضي، ما عزّز الإحساس بالواقعية وجذب اهتمام الشباب بالتراث.
اقرأ أيضاً: الرقمنة في الصين.. تحويل التهديد إلى فرصة
واختتم رمزي زيارته قائلاً: "اكتشفت أنّ شانشي ليست فقط موطناً للمباني الأثرية، بل أيضاً لأشخاص يستخدمون أكثر التقنيات حداثة ليقودوا الماضي نحو المستقبل"، مضيفاً أنّ حماية التراث بالتكنولوجيا تمثّل اتجاهاً واعداً، معرباً عن أمله في تعزيز التعاون الصيني-المصري لحماية كنوز الحضارة الإنسانية المشتركة.