الأسباب الحقيقية لفشل جولة مفاوضات إسلام آباد
إذا استطاعت إيران أن تصمد لعدة شهور، وهو ليس بالأمر المستبعد، فسوف تنتقل المعركة إلى الداخل الأميركي، وحينئذ سيدرك الناخب أنّ ترامب اقتطع من رفاهيته لتمويل آلة الحرب في دولة مجرمة.
-
لو كانت حرب إيران الثانية قد سارت وفقاً للمخطط المرسوم لها لتغيّر وجه المنطقة إلى الأبد.
استضافت باكستان جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، عقدت يوم السبت الماضي، لم تختلف نتائجها كثيراً عما أسفرت عنه جولتان سابقتان استضافتهما سلطنة عمان من قبل.
وإذا كانت هذه الجولات الثلاث قد أكّدت شيئاً فهو أنّ الرئيس ترامب ليس مهتماً بإجراء أيّ مفاوضات جادّة مع إيران، وأنّ كلّ ما يسعى إليه هو مطالب يسعى لتحقيقها وإملاءات يسعى لفرضها والاستسلام لها من دون قيد أو شرط.
الفرق الوحيد بين الجولات الثلاث أنّ ترامب استخدم المفاوضات في جولتي مسقط كوسيلة للتغطية على خطط كان يعدّ لها سرّاً، بالتنسيق مع نتنياهو، لتوجيه ضربات عسكرية لإيران، ما يفسّر تعرّض الأخيرة لحربين متتاليتين خلال عام واحد، الأولى شنّت عليها في حزيران/يونيو من العام الماضي، والثانية في نهاية شهر شباط/فبراير من العام الحالي، في وقت كانت فيه ظواهر الأمور توحي بأنّ العملية التفاوضية تحرز تقدّماً مطّرداً، بشهادة الوسيط العماني نفسه.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الحرب الأولى استهدفت تدمير منشآت إيران النووية، من ناحية، واختبار قدرات إيران العسكرية، من ناحية أخرى، واقتصرت مشاركة الولايات المتحدة فيها على أداء مهام لا يستطيع "جيش" الكيان الصهيوني القيام بها، كالمهام المتعلّقة بتدمير المنشآت الحصينة في باطن الأرض، وعلى منح نتنياهو ضوءاً أخضر لأخذ زمام المبادرة فيها، لكن حين تبيّن أنّ هذه الحرب قد تطول أكثر مما هو مقدّر لها، طلب ترامب وقفها على الفور، ما يفسّر قيام نتنياهو بإصدار أوامره إلى مقاتلات كانت لا تزال في الجو للعودة إلى قواعدها قبل استكمال مهامها. أما الحرب الثانية فتحمّس لها ترامب كثيراً، خصوصاً بعد نجاح نتنياهو في إقناعه أنها ستكون خاطفة، وستنتهي حتماً بإسقاط النظام الإيراني، ما يفسّر قراره بأن لا تكتفي الولايات المتحدة بالمشاركة فيها وأن تتولى القيادة بنفسها هذه المرة، كي يصبح ترامب في وضع يسمح له بأن ينسب الفضل الأكبر لنفسه حين يتحقّق الإنجاز العظيم بالإطاحة بنظام الثورة في إيران!!.
لو كانت حرب إيران الثانية قد سارت وفقاً للمخطط المرسوم لها لتغيّر وجه المنطقة إلى الأبد، ولأصبح في إيران اليوم نظام سياسي يدور في الفلك الأميركي ويحقّق لـ "إسرائيل" طموحها في الهيمنة المنفردة على المنطقة، غير أنّ الرياح سارت بما لا تشتهي السفن الأميركية والإسرائيلية.
فرغم ضخامة الخسائر التي مني بها النظام الإيراني خلال الضربة الافتتاحية التي قضت على معظم قيادات الصف الأول، بمن فيهم المرشد الأعلى نفسه، إلا أنه لم يسقط وسرعان ما تماسك وصمد ثم نجح في تحويل الحرب التي أريد لها أن تكون خاطفة إلى حرب استنزاف طويلة، تمكّن خلالها من إلحاق خسائر جسيمة ليس بـ "إسرائيل" وحدها وإنما أيضاً بجميع القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، بل وبالاقتصاد العالمي ككلّ، خصوصاً بعد أن تمكّن من إحكام سيطرته التامّة على مضيق هرمز، ما أظهر عجز الولايات المتحدة عن حماية حركة التجارة العالمية وأدّى إلى إرباك الحسابات الأميركية والإسرائيلية.
فبعد أن كان ترامب يصرّ على استسلام إيران التامّ للمطالب الأميركية، وهو ما تجلّى بوضوح من خلال ورقة أميركية تضمّنت 15 بنداً، إذا به يعلن بشكل مفاجئ موافقته على مبادرة باكسانية تتضمّن هدنة لمدة أسبوعين، تجرى خلالها مفاوضات مع إيران في إسلام آباد، وعلى أن تستند هذه المفاوضات إلى ورقة إيرانية تتضمّن 10 بنود وتتناقض في مضمونها كلياً مع الورقة الأميركية.
لم تكد تمرّ دقائق قليلة على هذا الإعلان، حتى أعلن نتنياهو بدوره موافقته على مبادرة وقف إطلاق النار مع إيران، لكنه ادّعى أنّ الهدنة تسري على الجبهة الإيرانية وحدها ولا تشمل الجبهة اللبنانية. ورغم تأكيد الوسيط الباكستاني أنّ الهدنة تسري على الجبهات كافة، بما فيها الجبهة اللبنانية، أصرّ نتنياهو على موقفه الذي كاد يفضي إلى انهيار المبادرة الباكستانية قبل دخولها حيّز التنفيذ، ما فسّر في ذلك الوقت على أنه اختلاف في ترتيب الأوليات بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، وهو معرّض للاتساع بمرور الوقت، غير أنّ الأحداث اللاحقة سرعان ما كشفت أنّ ما يجري ليس سوى فصل جديد ومتكرّر من لعبة توزيع أدوار بين ترامب ونتنياهو.
استغرقت جولة إسلام آباد ما يقرب من عشر ساعات كاملة من المفاوضات، قرّر بعدها جي دي فانس، نائب الرئيس ترامب ورئيس الوفد الأميركي المفاوض، أن يعقد في ختامها مؤتمراً صحفياً قصيراً يعلن فيه فشلها، حرص فيه على أن يقول بالحرف الواحد: "لقد أجرينا عدداً من المناقشات الجوهرية مع الإيرانيين، وهذا هو الخبر السارّ، أما الخبر السيّئ فهو أننا لم نتوصّل إلى اتفاق، وأعتقد أنّ هذا خبر سيّئ لإيران أكثر بكثير مما هو للولايات المتحدة"، وهي عبارة حملت في طيّاتها تهديداً مبطّناً لإيران، بدليل أنه ما إن عاد الوفد الأميركي إلى واشنطن حتى رفع رئيسه جي دي فانس تقريراً إلى الرئيس ترامب الذي طلب بدوره تقريراً مماثلاً من كلّ من صهره جاريد كوشنر وصديقه ستيف ويتكوف، عضوَي الوفد، وهو ما أشارت إليه وسائل إعلام أميركية عديدة.
بعد ساعات قليلة، أعلن ترامب اعتزامه فرض حصار بحري شامل على إيران اعتباراً من الساعة العاشرة من صباح يوم الثلاثاء بتوقيت واشنطن، الموافق 14/4/2026، وهو ما تمّ فعلاً، ما يؤكد أنّ ترامب دخل هذه الجولة أيضاً ليس بدافع البحث عن تسوية سلمية تقوم على حلّ وسط، وإنما لفرض الاستسلام على إيران من جديد، ما يعني أنّ موقفه من إيران لم يتغيّر قيد أنمله منذ دخوله البيت الأبيض للمرة الأولى عام 2017، بدليل أنه قرّر العودة من جديد إلى استخدام أساليب القوة الخشنة، ولكن عبر تكتيكات مختلفة تمزج بين الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية القصوى.
أخلص مما تقدّم إلى أنّ السبب الرئيسي في فشل جولة مفاوضات إسلام آباد لا يعود إلى تعنّت الموقف الإيراني، فقد أثبتت الجولتان السابقتان أنّ إيران كانت مستعدّة منذ أمد طويل لتقديم ما يكفي من ضمانات لإثبات سلمية برنامجها النووي، بما في ذلك القبول بمختلف آليات التفتيش والرقابة اللازمة للتحقّق من عدم الإقدام على صنع السلاح النووي مستقبلاً، وإنما يعود أولاً وقبل كلّ شيء إلى أنّ ترامب تبنّى رؤية وسياسات نتنياهو ليس تجاه إيران فحسب وإنما تجاه منطقة الشرق الأوسط ككلّ، بما في ذلك رؤيته حول "إسرائيل كبرى" تمتد من النيل إلى الفرات، وهنا تكمن المفارقة التي تستعصي في أحيان كثيرة على الفهم. فترامب يتبنّى أمام ناخبيه شعار "أميركا أولاً" لكنه يطبّق من الناحية العملية سياسة تعتمد مبدأ "إسرائيل أولاً" حتى ولو تناقضت مصالحها مع المصالح الأميركية، وهي سياسة كان بمقدور المواطن الأميركي العادي أن يقتنع بها في وقت كانت فيه "إسرائيل" تلبس قناع "الواحة الوحيدة للديمقراطية في صحراء الاستبداد العربي".
أما اليوم، وبعد أن ظهرت "إسرائيل" على حقيقتها كـ "دولة" استعمارية توسّعية يحكمها نظام فصل عنصري مقيت، وهو ما تجلّى بوضوح عبر حرب تجويع وإبادة جماعية وتهجير قسري تشنّها "إسرائيل" على معظم شعوب المنطقة منذ أكثر من عامين، يبدو واضحاً الآن أنّ هذا القناع خُلع تماماً وبات كلّ من يدافع عن "إسرائيل" شريكاً لها في كلّ ما ترتكبه من جرائم ضدّ الإنسانية، وهذا هو المأزق الذي تواجهه في الوقت الحالي "أميركا الترامبية".
يتداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة هذه الأيام، مقطع فيديو يتحدّث فيه جون كيري، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، مؤكّداً أنّ نتنياهو ظلّ يحاول، ومنذ وصوله إلى السلطة للمرة الأولى في "إسرائيل" عام 1996، إقناع جميع الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا على البيت الأبيض بأنّ إيران تشكّل تهديداً وجودياً ليس لـ "إسرائيل" فحسب وإنما لكلّ الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، ومن ثمّ فسوف يتعذّر التعامل مع هذا التهديد وإزالته إلا بشنّ حرب أميركية إسرائيلية مشتركة على إيران، وهو منطق لم يقتنع به سوى ترامب الذي وافق على شنّ الحرب على إيران مرتين خلال أقلّ من عام.
ولأنّ شرائح متزايدة من النخب الأميركية بدأت تدرك الآن بوضوح أنّ إيران لا تشكّل أي تهديد للولايات المتحدة، فقد بدأت شعبية ترامب تتدهور باطّراد، ولأسباب كثيرة ربما كان أهمها تأييده الأعمى لـ "إسرائيل" إلى حدّ خوض الحرب نيابة عنها ومن أجلها، ولذا فليس من المستبعد أبداً أن يفشل الحزب الجمهوري في الحصول على أغلبية المقاعد في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي ستجرى بعد نحو ستة أشهر. وربما يكون من المفيد في هذا السياق أن نشير إلى أنّ جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، قدّم خلال الشهر الماضي استقالته وقال فيها إنّ السبب أنه "لا يستطيع بضمير مرتاح أن يدعم قرار الحرب على إيران، لأنه جاء نتيجة ضغوط سياسية قامت بها لوبيات تعمل لحساب إسرائيل".
ومن المعروف أنّ كينت، وهو ضابط سابق شغل مناصب مرموقة في أجهزة الاستخبارات الأميركية، ينتمي للتيار القومي الموالي للرئيس ترامب، في مؤشّر على أنّ الأخير لم يعد يجسّد في نظر الكثيرين الحركة المطالبة بجعل أميركا عظيمة مرة أخرى (ماجا).
وأياً كان الأمر، يبدو واضحاً أنّ إقدام ترامب على فرض حصار بحري على إيران، يعكس ارتباكاً في عملية صنع القرار الأميركي بأكثر مما يعكس تعدّد البدائل المتاحة أمام صانع القرار. إذ يؤكّد العديد من المراقبين أنّ الإقدام على خطوة من هذا النوع ليس سوى عملية هروب إلى الأمام، وبالتالي لن تؤدّي إلى تحقيق النتائج المرجوّة. فإيران لا تزال قادرة على الصمود في وجه حصار لن يؤدّي إلّا إلى تفاقم الأحوال المعيشة في أنحاء كثيرة من العالم، بما فيها الولابات المتحدة نفسها.
فإذا استطاعت إيران أن تصمد لعدة شهور، وهو ليس بالأمر المستبعد، فسوف تنتقل المعركة إلى الداخل الأميركي، وحينئذ سيدرك الناخب أنّ ترامب اقتطع من رفاهيته لتمويل آلة الحرب في "دولة" مجرمة، ما سيدفعه للتصويت ضدّ المرشّح الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي. ولأنّ هذا السيناريو هو أكثر ما يرعب ترامب في اللحظة الراهنة، فليس من المستبعد أن يبدأ منذ الآن في البحث عن صفقة تفاوضيّة يتخلّى فيها عن إملاءاته.