ملايين الزائرين وآلاف المواكب.. كربلاء تُحيي موسم عاشوراء
مع حلول شهر محرم، تتحول كربلاء إلى مشهد إنساني وروحي استثنائي، حيث تتكاتف آلاف المواكب والأهالي لخدمة ملايين الزائرين وإحياء ذكرى الإمام الحسين بقيم العطاء والتضحية.
-
ملايين الزائرين ومئات الآلاف من المواكب.. كربلاء تُحيي موسم عاشوراء
تفيض مدينة كربلاء المقدسة منذ اليوم الأول من شهر محرم الحرام بأجواء روحانية وإيمانية وإنسانية استثنائية، تتجسد فيها أسمى معاني الكرم والتضحية، حيث تتوحد قلوب ملايين الزائرين القادمين من مختلف بقاع الأرض لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، واستذكار القيم التي حملتها ثورته قبل أكثر من 1400 عام على أرض كربلاء.
وبدأت استعدادات المدينة لاستقبال شهر محرم مبكراً هذا العام، إذ شرع الأهالي بنصب المواكب وخيام العزاء منذ بداية شهر ذي الحجة، وسط توقعات بتوافد أعداد كبيرة من الزائرين خلال مراسم عاشوراء وزيارة الأربعين.
وعلى مدى أكثر من خمسين يوماً، يواصل أهالي كربلاء تقديم خدماتهم للزائرين بدون كلل، إذ يعملون لساعات طويلة في إعداد الطعام والشراب وتوزيعه، محوّلين التعب إلى ابتسامة واعتبار خدمة الزائرين شرفاً وواجباً دينياً وإنسانياً.
كما شهدت المدينة خلال السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في منظومة الخدمات، من خلال إنشاء مدن الزائرين وتوفير تطبيقات الخرائط وخدمات الإنترنت المجاني، بما يساعد على تنظيم حركة الملايين القادمين إلى المدينة.
للعام العاشر على التوالي، يحافظ حسن الطائي على إقامة موكبه في سوق سدرة وسط كربلاء، حيث يقدّم الطعام والشراب للزائرين.
ويقول الطائي للميادين نت: "أرواحنا فداء للحسين، فكيف نبخل بأموالنا؟ خلال العمل لا نفكر بالتعب، بل نسعى لتقديم أفضل خدمة للزائرين، وهذه الخدمة شرف نعتز به ونحرص على استمراره كل عام".
ويضيف: "لا يمكن إحصاء كميات الطعام والشراب التي تُقدَّم خلال زيارتي عاشوراء والأربعين، فكل عام تزداد مساهمات أهالي كربلاء، إضافة إلى الحسينيات والمؤسسات وأهالي المحافظات العراقية الأخرى الذين يملكون مواكب عديدة داخل المدينة وعلى الطرق المؤدية إليها".
المواكب.. منظومة خدمة وعزاء
مع حلول شهر محرم، تتحول كربلاء إلى مقصد لملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه، وتتحول شوارعها إلى خلايا عمل متواصلة، حيث يشارك الرجال والنساء والكبار والصغار في خدمة الزائرين ضمن المواكب المنتشرة في أنحاء المدينة.
وتتوزع الأدوار بين إعداد الطعام وتقديمه وتنظيف الأماكن وتأمين الخدمات المختلفة، إلى جانب إقامة مجالس العزاء والشعائر الحسينية.
وتعد المواكب تجمعات شعبية تطوعية تهدف إلى إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين في واقعة الطف، وتؤدي دورين أساسيين: الأول خدمي عبر توفير الطعام والمأوى والإسعافات الأولية والاتصالات وغيرها من الخدمات مجاناً، والثاني شعائري من خلال إقامة مجالس العزاء والقصائد الحسينية ومراسم اللطم.
وعبر التاريخ، لم تكن المواكب الحسينية مجرد مظاهر دينية، بل أدت أدواراً اجتماعية وإنسانية متعددة، مثل حملات التبرع بالدم وإقامة الأنشطة الثقافية والفنية، لتصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية والهوية الاجتماعية في كربلاء.
واليوم، تمثل المواكب الحسينية منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة، تسهم في تعزيز قيم التكافل والتضامن، وتنظيم حركة الزائرين خلال المواسم المليونية، سواء في عاشوراء أو زيارة الأربعين.
ولا يمكن حصر أعداد المواكب المنتشرة في المدينة، حيث تمتلئ شوارع كربلاء بخيام العزاء التي تقدم مختلف أنواع الأطعمة والفواكه والعصائر والمياه للزائرين منذ الأول من محرم وحتى العشرين من شهر صفر.
ويتصدر الشاي واللومي البصراوي قائمة المشروبات الساخنة التي تقدمها المواكب، فيما تعد أطباق القيمة والفاصولياء والتمّن العراقي والكص من أشهر الوجبات التي تُقدَّم للزائرين.
عطاء لا ينضب
في سوق سدرة، بالقرب من مرقد الإمام الحسين، تتحول المنطقة إلى موكب كبير، حيث يبدأ الأهالي منذ اليوم الأول من محرم بتقديم "الزاد الحسيني" للزائرين من مختلف الجنسيات.
وتتردد في أرجاء السوق عبارات الترحيب مثل: "هلا بزوار الحسين" و"هلا بيك يا زاير"، فيما يتسابق أصحاب المواكب إلى تقديم الطعام والشراب، في مشهد يجسد روح الضيافة العراقية.
ويجلس رجل مسن حاملاً صندوق مياه على رأسه وهو ينادي: "الماء على حب الحسين، تفضل يا زاير"، بينما يحمل آخر طبقاً من الحلوى داعياً المارة إلى مشاركته الطعام.
الصحافية اللبنانية هدى علي، التي تزور كربلاء للمرة الأولى، تقول للميادين نت: "لم أكن أتصور أن هذا المكان يلامس القلب بهذا العمق، فالمدينة تنبض بالحزن المقدس، وتفيض بمشاهد عاشوراء التي تهز الروح قبل العين".
وتضيف: "أمشي بين المواكب والجموع فأرى دموعاً صادقة وعطاءً لا ينضب ومشاعر تخرج من أعماق القلوب، في مشهد إنساني مهيب يجعل الزمن يتباطأ احتراماً لما يجري على هذه الأرض".
وتتابع: "أكثر ما لفتني هم أهل العراق؛ وجوه بشوشة رغم الحزن، وقلوب مفتوحة لكل زائر، فالكرم هنا ليس سلوكاً عابراً، بل روحاً تتجلى في الماء والطعام والكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة".
وتؤكد أنها شعرت بأنها ليست زائرة غريبة، بل جزء من هذا النسيج الإنساني، مضيفة: "كربلاء لا تُزار فقط، بل تُعاش وتبقى محفورة في الوجدان".
كربلاء تلبس السواد
في آخر أيام شهر ذي الحجة، شهدت كربلاء مراسم تبديل راية مقام الإمام الحسين، حيث ارتفعت راية الحزن السوداء مكان الراية الحمراء، إيذاناً ببدء أيام العزاء في الأول من محرم واستذكاراً لفاجعة الطف.
وشهدت المراسم توافد مئات الآلاف من الزائرين من داخل العراق وخارجه، الذين جددوا العهد مع مبادئ التضحية والإباء التي جسدها الإمام الحسين في كربلاء.
ويقول الزائر السعودي محمد الخرازي للميادين نت: "زرت كربلاء مرات عدة، لكنها المرة الأولى التي أحضر فيها مراسم تبديل الراية، وقد أدهشني حجم الحضور والتنظيم الكبير، سواء من العتبتين الحسينية والعباسية أو من المواكب المنتشرة في كل مكان".
ويضيف: "في كل زيارة أكتشف مستوى جديداً من الكرم وحسن الضيافة، فالعراقيون لا يدخرون جهداً في خدمة الزائرين، كما تبقى الأجواء العاشورائية حاضرة في وجوه الناس وطرقات المدينة، لتربط الحاضر بالإرث التاريخي لكربلاء".
وفي كل عام، يجسد أهالي كربلاء ملحمة إنسانية تتداخل فيها مشاعر الحزن والعزاء مع قيم البذل والعطاء، لتبقى رسالة الإمام الحسين حاضرة في وجدان الملايين.