كيف أعادت ذاكرة الاستعمار إشعال المناخ الثوري في أميركا اللاتينية؟

تشهد أميركا اللاتينية عودة مناخ ثوري اجتماعي مدفوع بالذاكرة الاستعمارية، في مواجهة محاولة أميركية لإعادة فرض الوصاية والهيمنة بصيغ جديدة تحت مسمّى مبدأ "دونرو".

  • مناخ أميركا اللاتينية الثوري في الحلبة مع
    مناخ أميركا اللاتينية الثوري في الحلبة مع "دونرو"

كان اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باستخدام القوة من قلب بلده وعاصمته حدثاً "كاوبويّاً" شديد الدلالة على اتجاه العالم اليوم نحو سيادة القوة على كل ما هو تحت الشمس، من مبادئ وتقاليد سياسية وقواعد قانونية، وعلى منجزات البشرية جمعاء من هذه الضوابط التي دُفِع في سبيلها مئات الملايين من الأرواح، حتى خُيِّل للعالم أننا تجاوزنا عصور سيطرة الإمبراطوريات العالمية التي تتشفّى بالمقاتلين الأشدّاء المدافعين عن دولهم، وتزجّ بهم في سيرك ترفيهي يُصرَعون فيه مع الوحوش على البقاء، بينما تصفّق الجماهير بحرارة متلذّذةً بالعرض الدموي بين الإنسان والوحش.

اليوم، نرى بأمّ الأعين، وعلى الهواء مباشرة، عودةً للسيرك الروماني، لكن على نطاق عالمي، يتحوّل فيه المسرح إلى منصّات السوشال ميديا، التي تعرض على المتفرّجين وليمة الوحوش العصريّين المفضّلة: المناضلون الوطنيّون، في عالمٍ تستفزّه أيّما استفزاز كلمة "السيادة"، ومظاهر ممارستها، والممارسون.

يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أوراق الدولة القديمة، فيجد بينها عقيدة مونرو الشهيرة التي قادت أميركا إلى إبعاد الأوروبيين من أميركا الجنوبية، وسيّجتها بنظرية ومسمّى، على أنها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. هكذا، تحولت بلادٌ تسكنها شعوبها الأصلية، إلى حديقةٍ وفناء للمهاجرين البيض القادمين عبر المحيط، والذين قيض لهم أن يسيطروا على السكان الأصليين في الشمال. 

اكتشف ترامب أن بمقدوره استعمار هذا الفناء مجدداً، في عصر العولمة والمعرفة المعممة وحقوق الإنسان الطالع من قرون طويلة من الحروب الدموية. عودةٌ إلى أول الأشياء: استعمار عصري بالقوة الطاغية نفسها، لكن بوسائلها الجديدة الأكثر فتكاً.

وفي التحليل العميق للتحولات الجارية في أميركا اللاتينية اليوم، لا يمكن فصل ما يُسمّى في الأدبيات الأميركية الجديدة بـ"تحديث" مبدأ مونرو عن السياق الأشمل لإعادة تشكيل النظام الدولي، ولا عن عودة المناخات الثورية في دولٍ خبرت الاستعمار المباشر، والانقلابات المدعومة خارجياً، والهيمنة الاقتصادية المقنّعة. فالمسألة لا تتعلق فقط بأدوات ضغط جديدة، بل بإعادة تعريفٍ للعلاقة بين واشنطن ونصف الكرة الغربي، على نحوٍ يعيد إنتاج منطق الوصاية بلغة القرن الحادي والعشرين.

من مونرو إلى دونرو

مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام 1823، كان في جوهره إعلاناً مبكراً عن احتكار النفوذ الأميركي في الأميركيتين، تحت شعار منع التدخل الأوروبي. تاريخياً، تحوّل هذا المبدأ إلى غطاء أيديولوجي لتدخلات عسكرية، وانقلابات سياسية، وإعادة هندسة اقتصادات دولٍ بأكملها. أما ما يُشار إليه اليوم بـمبدأ "دونرو"، فهو ليس قطيعة مع الماضي بقدر ما هو إعادة قولبته، والانتقال من الاحتلال المباشر إلى إدارة الأزمات، ومن الانقلابات الصريحة إلى العقوبات، والحصار المالي، والحرب القانونية والإعلامية.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أميركياً لتراجع القدرة على فرض الهيمنة بالقوة الصلبة وحدها، في ظل صعود قوى دولية منافسة، وتآكل الشرعية الأخلاقية للتدخلات الخارجية بعد تجارب العراق وأفغانستان. لكنه، في الوقت نفسه، يفتح المجال أمام أشكال أكثر تعقيداً من السيطرة، تستهدف النخب، والموارد، والممرات الاستراتيجية، بدلاً من السيطرة الإقليمية المباشرة.

الذاكرة كعامل تعبئة سياسية

ما يهمنا هنا، هو الزاوية التي يعالجها علم الاجتماع السياسي، أكثر من تلك المتعلقة بالشؤون السياسية الدولية والمصالح الاستراتيجية. حيث أن ما يمنح المناخ الثوري في أميركا الجنوبية قوةً خاصة اليوم، هو تراكم الذاكرة التاريخية. في فنزويلا، بنما، كولومبيا، بوليفيا، كوبا وتشيلي وغيرها، وهي ليست دولاً حديثة عهد بالهيمنة، بل كيانات سياسية تشكّلت هوياتها الحديثة في مواجهة استعمار إسباني أولاً، ثم هيمنة أميركية لاحقاً. هذه الذاكرة تشكل اليوم مورداً سياسياً يُعاد تفعيله كلما بدا أن واشنطن تعود إلى منطق "الفناء الخلفي".

وفي هذا السياق، يُفهم الخطاب الثوري المعاصر بما يتجاوز الحنين الأيديولوجي إلى القرن العشرين، إلى حدود الاستجابة البنيوية لضغوط ملموسة تمثلها عقوبات مالية، تدخل في الأسواق النقدية، تحكم في سلاسل الإمداد، ومحاولات إعادة تشكيل الأنظمة السياسية من الخارج. 

وهنا تكمن المفارقة الأساسية التي تقول إنه كلما ازدادت أدوات الضغط الناعمة تعقيداً، ازداد وعي المجتمعات بطابعها الاستعماري، وتحوّل الرفض إلى حالة اجتماعية عابرة للتيارات الحزبية.

نموذج مكثّف للصراع

تشكّل فنزويلا اليوم المثال الأوضح على هذا الاشتباك. فمنذ مطلع الألفية، تحوّلت البلاد إلى مختبر لصراع الإرادات بين مشروع سيادي يسعى للسيطرة على موارده النفطية، واستراتيجية أميركية تعتبر هذه الموارد جزءاً من أمنها الطاقوي. ما أُثير أخيراً بعد حادثة خطف مادورو يكشف عن مناخ عام من انعدام الثقة، وشعور دائم لدى النخب الحاكمة في كاراكاس بأن الصراع لم يعد سياسياً فقط، بل وجودياً.

ومما تبدو عليه الأمور، يعزز هذا الشعور التماسك الداخلي في لحظات معينة. فعندما يُعاد تأطير الأزمة بوصفها مواجهة مع قوة خارجية، تُعلّق التناقضات الاجتماعية مؤقتاً، ويتحوّل الصراع إلى معركة سيادة. هنا، تخدم المناخات الثورية عملية المواجهة، من دون أن تلغي الأزمات الاقتصادية، لتعيد ترتيب الأولويات الرمزية حول ضرورات الاستقلال، كحاجة ملحة أكثر من أي وقتٍ مضى.

في الجيوبوليتيك، يقال إن الجغرافيا لا ترحم. بنما واحدة من الدول التي جربت ذلك، فمنها يمر أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وفي حين تبدو المواجهة أقل صخباً لكنها لا تقل عمقاً. 

إن السيطرة على الممرات المائية أبعد من مسألة عسكرية، هي في الحقيقة اليوم مسألة استعمارية عصرية جديدة، ترتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا، وتتعلق بإدارة الموانئ، والبنى التحتية الرقمية، وشركات الشحن العابرة للقارات. أي أنها محاولة أميركية لإعادة ترسيخ نفوذها في هذا الفضاء تُقرأ محلياً ضمن سردية استعمارية قديمة، ما يفسّر الحساسية الشعبية تجاه أي ترتيبات تمسّ الحياد السيادي للقناة.

المناخ الاحتجاجي في بنما، وإن لم يتخذ دائماً شكلاً ثورياً كلاسيكياً، يعكس هذا الوعي الجغرافي–السياسي الناجم عن إدراك بأن الموقع الجغرافي نعمة مشروطة، وأن فقدان السيطرة عليه يعني العودة إلى دور الوسيط الخاضع.

أما كولومبيا، التي شكّلت تاريخياً أقرب حليف لواشنطن في أميركا الجنوبية، فتشهد تحولات اجتماعية لافتة. عقود من "خطة كولومبيا" والحرب على المخدرات خلّفت إرهاقاً اجتماعياً، وتفاوتاً طبقياً، وشكوكاً عميقة في جدوى الارتهان الأمني للخارج. والاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الأخيرة تعبّر عن انتقال تدريجي من قبول الدور الوظيفي إلى مساءلته.

في هذا السياق، يخدم المناخ الاحتجاجي حتى حين لا يكون معادياً صراحةً للولايات المتحدة، عملية تقويض الاستراتيجية الأميركية الجديدة، لأنه يحدّ من قدرة النخب الموالية لواشنطن على تمرير سياسات تتماهى مع منطق مبدأ دونرو من دون كلفة داخلية مرتفعة.

نافذة الفرص الثورية

المناخ الثوري في أميركا اللاتينية كان على الدوام أصلاً أساسياً من أصول الأمن القومي لهذه الدول، حيث بقيت شعوب المنطقة شعلةً ثورية مشتعلة في مواجهة مراحل الاستعمار المتكررة.

اليوم يبدو العالم رافضاً بصورةٍ صارخة للاستعمار الجديد، لكنه غير متمكن في مساحات كبيرة منه من وسائل الدفاع تحت سياط القوة العسكرية الطاغية، ولا يمكن فهم هذه الديناميات بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. فصعود الصين كشريك تجاري أول لكثير من دول أميركا اللاتينية، وعودة روسيا كلاعب ديبلوماسي وعسكري في بعض الملفات، وتراجع القدرة الأميركية على فرض إجماع دولي حول العقوبات، كلها عوامل تمنح الحركات الثورية هامش مناورة أوسع. بانتظار تظهير عملي للبعد المتعدد الأقطاب للمواجهة العالمية، ما يسمح للدول الصغيرة بتوظيف التناقضات الكبرى لصالحها.

ولا يعني هذا التعدد تحرراً كاملاً من الضغوط، بقدر ما يغيّر قواعد اللعبة فيساعد على الانتقال من التبعية الأحادية إلى التوازن الانتقائي. وهنا، يصبح المناخ الثوري أداة تفاوض غير مباشرة، يرفع كلفة الإملاءات الخارجية، حتى لو لم يُترجم دائماً إلى سياسات اقتصادية ناجحة.

ولا تخدم المناخات الثورية في أميركا الجنوبية مواجهة الاستراتيجية الأميركية الجديدة لأنها تنتصر عليها بالضرورة، بل لأنها تعيد تعريف شروط الصراع. فهي ترفض الاعتراف بالهيمنة كواقع طبيعي، وتسعى إلى خوض المعركة على السيادة والذاكرة والكرامة. 

إنّ العالم، ومن دون شك، يتّجه نحو التعدّدية القطبية أو الفوضى العارمة التي تختزن كلَّ مخاطر الدمار الشامل. والحال كذلك، ربّما تتأخّر الثورات عن صياغة نماذجها البديلة بالسرعة اللازمة، لكنها في الوقت نفسه، وعلى المدى المستدام، صاحبة الحقّ الطبيعي الذي يمتلك أسباب التحقّق المستمر، وهي في أثرها المباشر، المتولّد من المناخ الثوري، ووفق ما يفسّره علم الاجتماع السياسي، قادرة على التعطيل، وعلى نزع البداهة عن السيطرة، وعلى تذكير واشنطن بأنّ مبدأ مونرو، مهما تغيّرت تسمياته، لم يعد يعمل في فراغٍ تاريخي أو دولي. وهو إن كان مرفوضاً في السابق نتيجةَ نضالات شعوب أميركا اللاتينية، فهو الآن أكثرُ قابليةً للسقوط، بوتيرةٍ سريعة، وبوقعٍ مدوٍّ.

اخترنا لك