ما أدوات القوة الإيرانية لمواجهة التهديدات الأميركية؟
إنّ قدرة إيران على مواجهة التهديدات الأميركية اليوم، سواء على المستوى العسكري والأمني أو الشعبي والجيوسياسي، تعتبر مؤشّراً على قدرتها في ضبط المعادلة الإقليمية والدولية في المستقبل، أيّاً كانت "مساعدة ترامب"، ومهما توسّعت "الأبواب الأميركيّة".
-
ما أدوات القوة الإيرانية لمواجهة التهديدات الأميركية؟
"استولوا على المؤسّسات.. المساعدة في الطريق". كلمات كانت كافيةً لاختصار خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير، بعد أن حرّض على مواصلة أعمال الشغب في إيران، في وقتٍ لا يرى البيت الأبيض أيّ حَرجٍ في استخدام أدوات متعدّدة للتدخّل في شؤونٍ خارجَ حدود الولايات المتحدة، بدءاً من أوكرانيا، فنزويلا، غرينلاند، وليس انتهاءً عند إيران.
فتح ترامب "أبواب المساعدة" المتمثّلة بتصعيدِ أعمال التخريب في إيران ودعمِ الجواسيس داخل البلاد، على مصاريعها، وأظهر نفسه إعلاميّاً كـ "منقذٍ للمحتجّين"، ضمن إطار بناء الذريعة العالمية لإجراء أيّ تهديدٍ لفظيّ أو عسكريّ على إيران. علماً أنّ رئيس البيت الأبيض لم يخرج يوماً في سياق تهديداته عن وضع شمّاعةِ "النووي الإيراني" في مقدّمة كلّ فِعلٍ أميركيّ.
أمام تصريحات ترامب، وبالتوازي مع التطوّرات الأخيرة في المنطقة.. ما هي أدوات إيران التي تواجه بها التهديدات الأميركية؟
بالمواجهة العسكرية.. من حرب الـ 12 يوماً إلى "النبوءات" الأخيرة
كثُرَت التحليلات العالمية في صحفٍ أجنبية وعربيّة عديدة حول نتائج الحرب الأخيرة بين إيران و"إسرائيل"، ولكنّ جوهرَ النتيجة الأساس، هو أنّ حجر الزاوية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أي الأمن الدائم الذي لا يستطيع أحدٌ أن يقهره، قد كُسر مجدّداً بجملة الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية طيلة 12 يوماً. وعليه، فلقد ظهر مجدّداً أنّ القوّة الإسرائيلية تمتلك حدوداً، وليست قوّةً مطلقة (Absolute Power) كما يروّج قادة الحرب.
من هنا، وتحت مسمّى "القوة العسكرية الإيرانية 2025"، عَنوَنَت Global Firepower تقريرها عن موازين القوى، بعدما صنّفت إيران ضمن أقوى 20 قوة عسكريّة، بحيازةِ الأخيرة على المرتبة الـ 16 عالميّاً.
وكانت قد نقَلَت صحيفة "الغارديان" البريطانية قبل أيّام، عن وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقتشي قولَه: "لن تهزمنا أبداً في إيران يا ترامب"، مردفاً: "كانت حرب حزيران/يونيو حدثاً مفصلياً لعدة أسباب، منها كشفها عن ثمن خلط الغرب بين الأساطير والاستراتيجية. تزعم "إسرائيل" ووكلاؤها تحقيق "نصر حاسم"، تاركين إيران ضعيفة ومرفوضة".
وأردف عراقتشي في السياق عينه: "مع ذلك، فإنّ عمقنا الاستراتيجي هائل -إذ تغطّي البلاد مساحة بحجم أوروبا الغربية، ويبلغ عدد سكانها عشرة أضعاف عدد سكان "إسرائيل"- يعني أنّ معظم محافظاتنا لم تتأثّر بالعدوان الإسرائيلي. في المقابل، اختبر جميع الإسرائيليين قوة جيشنا".
وباعترافٍ من الداخل الإسرائيلي نفسه، حذّرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، بلسان الجنرال الإسرائيلي السابق إسحاق بريك، في مقالٍ له بعنوان: لماذا ستكون جولة أخرى من القتال مع إيران كارثية على "إسرائيل"؟ من أنّ أيّ ضربة جديدة لإيران ستؤدّي لنتائج كارثية على "تل أبيب".
وقال بريك إنّ طهران "تعافت بسرعة من الضربة القوية التي وجّهتها لها "إسرائيل" في حزيران/يونيو الماضي"، مشدّداً على حصول إيران على آلاف الصواريخ الباليستية الجديدة.
ونقلت "رويترز" إعلان قائد القوات الجوية الفضائية لحرس الثورة الإيراني، مجيد موسوي عن أنّ طهران في ذروة جاهزيّتها، ومخزونها من الصواريخ قد ازداد منذ حربها مع "إسرائيل" العام الماضي.
وأفادت "رويترز" في سياقٍ متّصل، أنّ "إيران تتصدّر قائمة التحدّيات العديدة التي تواجه نتنياهو مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية".
وعن "ثقة الرئيس الأميركي وسماحه لنفسه التدخّل في الخارج"، يقول الكاتب ديفيد سنجر في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إنّ ترامب أعطى لنفسه مجالاً واسعاً للتدخّل في كراكاس وطهران، ولكنّ الأحداث قد تجري في "الاتّجاه المعاكس"، وإنّ خطراً "يهدّد ترامب بمحاولته السيطرة على دول أخرى".
سياسة خارجية أميركية تقوم على منطق القوة والابتزاز، حيث يُختصر العالم بشخص واحد، وتتحول السيادة إلى تفصيل، فيما تُشرعن البلطجة الدولية باسم التفوق والقوة..
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) January 13, 2026
اعداد وتقديم: غراسيا بيطار #تحليل_أولي #الميادين@GraciaBitar pic.twitter.com/iWswQHKZFM
لذا، إنّ ما أظهرته حرب الـ 12 يوماً، وما تبعها من تقارير وتحليلات غربية وإسرائيلية، يؤكّد أنّ العنصر العسكريّ الأمنيّ بات أحد أبرز مصادر القوة الإيرانية في الإقليم، إذ إنّ إيران لم تكتفِ بـ "امتصاص الضربة" فقط، بل قامت بإعادة بناء قدراتها، ورفعت جاهزيتها، ووسّعت مخزونها الصاروخي.
بالمقابل، تكشف الاعترافات الإسرائيلية والغربية المتزايدة عن تآكل أسطورة "الأمن الإسرائيلي المطلق"، وعن إدراك قوى الهيمنة أنّ طهران هي بحدّ ذاتها قوة عسكرية وأمنية فعليّة، ذات عمق استراتيجي وتأثير مباشر على ميزان الردع الإقليمي والدولي.
بالمواجهة الشعبية.. الحاضنةُ إذ تكملُ العسكَرة
يظنّ البعض أنّ انقلاب الحديث من السياق العسكريّ إلى الشعبويّ، يبدو محاولةً للهرب من الواقع المادّي الذي يتصدّر الحديث في زمن الحرب أو "نبوءاتها"، ولكنّ ما يغيب عنهم، هو أنّ التأييد الشعبي، أو ما يُعرف بـ "الحاضنة الشعبية"، يمثّل سلاحاً ذا قوّةٍ لا يمكن أن تُهزم بمادّيات العصر، والكلام هنا يميل كلّ الميلِ إلى التفسير العقليّ للمسيرات الأخيرة في طهران.
بعد الحديث عن فشل ترامب في كسر شوكة طهران خلال الحرب الآنفة على مدى 12 يوماً، رغم الخسائر المعترف بها من كلا الطّرفَين، وبعد طرح جاهزيّة إيرانَ لأيّ فعلٍ عسكريّ قد تُقدم عليه الولايات المتحدة، أو حتّى ما تفعله اليوم من ردّ مباشر على التهديدات اللفظية في كلّ تصريحٍ من البيت الأبيض، بعد كلّ هذا، لا يمكننا الإغفال عن الحدث الذي وصفه قائد الثورة والجمهورية الإسلامية في البلاد، السيد علي خامنئي بـ "اليوم التاريخي"، في وقتٍ تصعّد فيه واشنطن تهديداتها للبلاد. فكيف يكون التأييد الشعبي أسلوب مواجهة؟
تُعدّ العلاقة بين القيادة الثورية والحاضنة الشعبية أحد أبرز عوامل النجاح والاستمرارية لأيّ مشروع تحرّري أو ثوري، حتى ولو لم يكن الطرف الأول حركةَ مقاومةٍ أو كياناً عسكريّاً بحتاً، فإيران بحدّ ذاتها بوصفها دولة، تمثّل كياناً ثوريّاً ضدّ أنظمة الهيمنة الأميركية.
لذا، في الحالة الإيرانية، نجحت الثورة الإسلامية عام 1979 في تقديم رؤية أيديولوجية وسياسية متجذّرة في الهوية الدينية والثقافية للمجتمع الإيراني، إذ جمعت بين البعد الإسلاميّ الثوريّ، والخصوصية الوطنية الشعبوية، الأمر الذي مكّن القيادة من بناء قاعدة شعبية واسعة وفاعلة، ظهرت في التحرّكات الأخيرة.
كما إنّ أبرز مثالٍ على هذا، هو أنّ تقاريرَ أمنية داخلية وخارجية أثبَتت تورّط المخرّبين بدعمٍ خارجيّ مباشر لبثّ الفتنة، وضبط شحناتٍ من الأسلحة، بينما لم تُظهر أيّ تقارير أخرى "تهديداتٍ إيرانية" من أجل القيام بالمسيرات الداعمة للدولة.
إنّ إيران استطاعت أن تمدّ شعبها بإرادةٍ رافضة للهيمنة الخارجية، فتجلّت هذه الرؤية في تحويل الحاضنة الشعبية من مجرّد كتلة داعمة نظريّاً، إلى شريك فعليّ في المشروع الثوري، وهو ما وصفه السيد علي خامنئي بـ "إحباط مخططات الأعداء".
📌الشعب الإيراني يرفض العمالة والعملاء
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) January 9, 2026
📌هذا الرجل الذي يدعي أنه أب للشعب الإيراني سوف يسقط سقوطاً مريعاً
📌الشعب الموحد سوف يسقط الأعداء
كلمة قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي بمناسبة الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي مدينة قم في حسينية الإمام الخميني في #طهران pic.twitter.com/TSklU133zH
هذا الاندماج بين الأيديولوجيا والواقع الاجتماعي ساهم بحدّ ذاته في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية، ومنح إيران قدرة استثنائية على الاستمرار في وجه الضغوطات الخارجية.
وعلى عكس نماذج أخرى شهدت فجوة بين الطرح النظري والممارسة العملية، فسّر الخبير العسكري والأمني عبد الله أمين في دراسته "الحاضنة الشعبية: جدلية المتطلّبات والدور"، الآليّات التي تستحضر بها القوّةُ الدعم -إن كانت سلطةً أو مقاومةً أو ثورة- والانعكاسات الموجودة على التهديدات الخارجية، قائلاً إنّ أساس نجاح أيّ ثورة هو: القضية العادلة، القيادة الراشدة، الحليف الصادق، والحاضنة الشعبية.
بُعَيد ذلك، إنّ المسيرات المليونية المؤيّدة لنظام الجمهورية الإسلامية أثبتت أنّه يتمتّع بدعم شعبي في وجه أعمال العنف التي تهدف إلى إجراء تغيير جذري في شكل الحكومة وتركيبتها، أو حتى إطاحتها بشكل كلّي، وهذا بحدّ ذاته عاملٌ من عوامل المواجهة، وأداة قوّةٍ أساسيّةٍ في تصدّي إيران لقوى الهيمنة الأميركيّة.
بالمواجهة الجيوسياسية.. لماذا يخيف هذا دعاةَ الحرب؟
علاوةً على ذلك، وبغضّ النظر عن حجم القوة العسكرية الإيرانية أو طبيعة النظام أو مستوى الحاضنة الشعبية، يبقى العامل الأكثر إرباكاً لخصوم إيران هو موقعها الجيوسياسي الفريد، إذ إنّ وجود الجمهورية الإسلامية في إيران في قلب عقدة جغرافية بالغة الحساسية، يجعل أيّ صدامٍ مع طهران غير قابلٍ لحصرِ التكلفةِ أو ضبط النتائج.
إيران تشرف مباشرة على مضيق هرمز، باعتباره الشريان البحري الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، وأيّ توتر في هذه النقطة، حتى لو لم يكن التوتر بمثابة حرب شاملة، كفيلٌ بإرباك أسواق الطاقة، ورفع الأسعار، وإحداث تغيّراتٍ اقتصادية عالمية تطال قبل غيرها الاقتصادات الغربية نفسها، وهذا ما يحدث اليوم.
لهذا، تقاس الحرب على إيران، والتي "يدرسها" حتى خصوم طهران، بميزان الأسواق وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي العالمي والتجاري الاقتصادي، لا بالعَسكَرة فقط. لذلك، يبقى العامل الجيوسياسي لإيران، أكثر من أيّ قوة عسكرية أو شعبيّة، هو ما يجعل أيّ مواجهة محتملة معها محفوفة بالمخاطر، باعتبار أنّ موقعها الاستراتيجي عند مفترق طرق الطاقة والأسواق الإقليمية، وإشرافها على المضيق، يجعل أيّ صدام معها غير قابل للحصر في حدود جغرافيا البلاد، ويهدّد بتحويل "صراع محدود" إلى فوضى إقليمية متعدّدة الجبهات.
يشار إلى أنّ إيران تتصل جغرافيّاً وسياسيّاً ببيئة إقليمية توصف بالـ "ملتهبة"، أيّ إنّ التطورات فيها هي الأخرى على صفيحٍ ساخن، وهي غرب آسيا ودول الخليج والقوقاز وآسيا الوسطى والأناضول. هذا الامتداد يجعلها قادرةً -وهنا نحكي بحُكم الموقع الجغرافيّ، بغضّ النظر عن القوة العسكرية- على تحويل أيّ مواجهةٍ تجاهها، إلى صراع متعدّد الجبهات، مباشر أو غير مباشر، وهو ما تخشاه القوى الكبرى باعتباره أسوأ سيناريو استراتيجي.
على المقلب الأميركيّ، ترامب، بوصفه رجل أعمال قبل أن يكون سياسيّاً، يدرك أنّ الحرب مع إيران ليست "صفقة رابحة" بالمطلَق، أيّ إنّ تكلفتها عالية، ونتائجها غير مضمونة، وقد تنقلب داخليّاً وخارجيّاً على "من يشعلها"، ومع ذلك، فقد قدّم "أبوابه المفتوحة" متمثّلةً بأعمال الشّغب، وترك "المساعدة في الطريق"، في حين يخاف حتّى أعداء إيران، من قدرتها الجيوسياسية على جعل الحرب "فوضى إقليمية".
القدرة على المواجهة: أمنيّاً وعسكريّاً، شعبيّاً، جيوسياسيّاً
يمكن القول إنّ طهران تواجه التهديدات الأميركية بنقاط قواها الأساس: أمنيّاً وعسكريّاً، شعبيّاً، وجيوسياسيّاً. إذ أثبتت القوة العسكرية فاعليّتها في مواجهة العدوان الإسرائيلي خلال حرب الـ 12 يوماً، وأكّدت قدرة إيران على الردع والحفاظ على أمنها الإقليمي، واستطاعت الحاضنة الشعبية أن تحوّل الدعم المجتمعي إلى شريك فعلي في مواجهة الضغوط والتهديدات، ما منح إيران قدرة استثنائية على الصمود والاستمرار.
ويضاف إلى ذلك القوة الجيوسياسية الناتجة عن موقعها الاستراتيجي واتصالها بمحيط إقليمي شديد التعقيد، ما يجعل أيّ مواجهة معها كفيلة بتحويل النزاع الثنائيّ إلى صراع متعدّد الجبهات، بعواقب اقتصادية وسياسية واسعة النطاق.
كلّ هذه العناصر معاً تشكّل ما يمكن وصفه بـأدوات القوى الإيرانية، التي تعتمد على اندماج استراتيجي بين القوة العسكرية، العمق الجيوسياسي، والدعم الشعبي، ما يجعل أيّ تهديد خارجيّ لها محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج، سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي.