إيران كمفصلٍ دولي: الانهيار في مكانٍ آخر

متى تقع المواجهة المفصلية؟ ثم كيف، وبأي كلفة؟ ومن سيدفع الثمن الأكبر في عالم يتداعى توازنه بسرعة غير مسبوقة، ومن يعتقد أن فرصته في الربح أكبر، قد يجد نفسه أمام انهيار أكثر دويّاً من انهيار الاتحاد السوفياتي.

  • الأحداث المتسارعة جعلت من إيران محور الملف الدولي الأكثر حساسية في هذه المرحلة.
    الأحداث المتسارعة جعلت من إيران محور الملف الدولي الأكثر حساسية في هذه المرحلة.

لم يعد مجال شكٍ أن ما نشهده اليوم هو اللحظات الفاصلة من تاريخ النظام الدولي، حيث تتكسب الأحداث أبعاداً أكثر سعة وشمولاً من كونها مجرد وقائع متتابعة، لتتحول إلى إشارات كاشفة لمسارات أبعد وتأثيرات أعمق، خصوصاً أن شبه إجماعٍ بات حاضراً في مجتمغ علماء السياسة حول فكرة أن النظام العالمي مات، وأن ولادة نظام جديد تؤخرها صراعات غير مكتملة، ومعطيات غير يقينية، مع دخول التطور التكنولوجي كسيل جارف عريض على محددات فرص كل قوةٍ من القوى الكبرى المتصارعة على تشكيل ذلك النظام الجديد.

وهكذا، تكون الأحداث التي تشهدها إيران مفصلاً ومفترق طرق في تتبع منحى النظام الدولي المتشكل، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنصيب نفسه حاكماً لفنزويلا، الدولة التي خطف رئيسها المنتخب، وتجاهل نظامها السياسي القائم بكل مقوماته ومؤسساته وقواه.

وما نشهده اليوم حول إيران لا يمكن اختزاله في أزمة حول برنامج نووي أو آخر صاروخي، ولا في صراع إقليمي تقليدي، بل هو تعبير مكثّف عن لحظة اختناق بنيوي يعيشها النظام العالمي، حيث تتقاطع الطاقة مع الجغرافيا، والاقتصاد مع الأمن، والسياسة مع منطق القوة العارية.

الأحداث المتسارعة جعلت من إيران محور الملف الدولي الأكثر حساسية في هذه المرحلة. هي بالتأكيد دولة متمردة على الهيمنة الأميركية غير المشروعة على النظام الدولي، لكنها ليست الوحيدة أيضاً، وهي ترى الدول تتلقى تباعاً سياط إمبراطور العالم المهووس بالقوة، لكنها تقف اليوم عند تقاطع خطوط الصراع الكبرى، التي يمثلها صراع تجديد الهيمنة الأميركية، وصعود الصين، ومحاولة روسيا تثبيت موقعها كقوة كبرى، وانهيار منظومة الضبط التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، يصبح كل تحرك تجاه طهران فعلاً ذا دلالات تتجاوز حدودها الجغرافية.

خيال الترامبية الهتلرية

منذ عودة ترامب إلى واجهة القرار، بدا واضحاً أن واشنطن تخلّت نهائياً عن منطق الإدارة البطيئة للأزمات، أو تلك الناعمة المتحايلة على الدول والقوانين الدولية، والتي كان نظام تغليف المشروعات الاقتصادية-السياسية لديها أكثر أقسام إدارة الاستيلاء على الموارد نشاطاً. اليوم أقفلت واشنطن هذا القسم، وهي لا تريد تغليف مشروعاتها للدول بأي ورقة هدايا براقة، بل إنها انتقلت إلى سياسة الصدمات المتتالية التي تطرح على الدول مشروعاتها كصك استسلام لا كهدية، كما درجت نظرية القوة الناعمة لسنوات طويلة. 

الآن، إدراج غرينلاند وإيران، بعد فنزويلا، في سلّة الضغوط القصوى، يعكس ذهنية رئيس يميل إلى الحسم الخشن والمباشر، مستفيداً من الميزة التفاضلية العليا للأسلحة الأميركية، وهو يكشف عن تصور استراتيجي يرى العالم كساحة واحدة مترابطة. ثم يرى أقاليمه كقطع استثمار عقاري، مفصولةً عن إرادات الشعوب وتاريخها وحقوقها القانونية أو الإنسانية، حيث يمكن نقل الضغط من مسرح إلى آخر لتحقيق هدف واحد هو إعادة فرض الهيمنة الأميركية بأقل وقت ممكن، وبسرعة.

ترفع هذه المقاربة منسوب عدم الاستقرار الدولي إلى مستويات غير مسبوقة. فالتصعيد المتزامن في أكثر من نقطة جيوسياسية، من أميركا اللاتينية إلى القطب الشمالي، مروراً بغرب آسيا، يضاعف احتمالات الانزلاق نحو صدامات متداخلة، ويجعل أي خلل موضعي قابلاً للتحول إلى أزمة عالمية شاملة. الأخطر من ذلك أن هذا المسار يتزامن مع هشاشة اقتصادية عالمية عميقة، تجعل النظام أقل قدرة على امتصاص الصدمات.

الاحتمالات المرجحة

في قلب هذا المشهد، تبقى إيران حالة مفتوحة على كل الاحتمالات. حتى اللحظة، تتأرجح السيناريوهات بين اندفاعة إسرائيلية نحو عدوان مباشر، مدفوعة بعقيدة أمنية ترى في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية، وبين ضغط أميركي أقصى يسعى إلى انتزاع اتفاق جديد بشروط إذعانية، تُعيد إيران إلى موقع الدولة المنضبطة بالكامل بالإرادة الأميركية. لكن المؤكد أن تكرار "الضربات المحسوبة" انتهى، وانتهت محلها المحاولات الفاشلة كتلك التي حاولت فيها الدولتان إسقاط النظام في إيران خلال شهر حزيران-يونيو الماضي. فلا إيران، ولا الساحات الشريكة لها، ولا حتى الولايات المتحدة نفسها، قادرة على إدارة مواجهة محدودة بلا ارتدادات كبرى.

في هذا الإطار، تبرز فرضية محاولة توجيه ضربة قاضية كخيار مفضّل لدى واشنطن وتل أبيب. ضربة ليست تقليدية في أسلوبها ولا في أهدافها، بل تقوم على عنصر المفاجأة، والسرعة، والرهان على شلّ القدرة على الرد قبل أن تتضح معالم المواجهة. ومع ذلك، فإن هذا الخيار ليس تعبيراً عن ثقة مطلقة، بل عن إدراك لمحدودية البدائل. وقد أظهرت التجربة الفاشلة في حزيران الماضي أن تكرار السيناريو نفسه سيقود إلى فشل أكبر، مع كلفة سياسية وعسكرية مضاعفة. كما أن حرباً طويلة الأمد لا تخدم مصالح الأميركي ولا الإسرائيلي، في ظل امتلاك إيران أدوات رد قادرة على إلحاق أذى بالغ بالعمق الإسرائيلي وبالقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة.

غير أن قراءة المشهد من زاوية عسكرية فقط تبقى ناقصة. فالأبعاد الأعمق للأزمة الإيرانية تتصل بما هو أبعد من الصواريخ والمنشآت النووية. وهنا يقدم ما جرى في فنزويلا مفتاحاً أساسياً لفهم السياق العام. 

بعد اعتقال الرئيس مادورو، وإعلان واشنطن نيتها بيع النفط الفنزويلي في الأسواق العالمية وتوظيف عائداته وفق رؤيتها، بدا واضحاً أن الخطوة تتجاوز فنزويلا، لتطال مصالح بكين وموسكو أيضاً. فالدولة النفطية التي تختزن أكبر احتياطي في العالم شريك استراتيجي للصين وروسيا في نصف الكرة الغربي، ومصدر مهم للطاقة خارج السيطرة الأميركية المباشرة.

بهذا المعنى، فإن تفعيل نسخة معدّلة من "مبدأ مونرو" تحت مسمى "دونرو" يستهدف إعادة ترتيب "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة ( وهي تسمية استعمارية بشعة تكرهها كل شعوب أميركا اللاتينية)، ويسعى إلى إبعاد القوى الصاعدة عن الشراكات البعيدة، ودفعها إلى مواقع دفاعية. هذه المقاربة تجعل من غرب آسيا ساحة مركزية في الصراع العالمي. فالقيمة الجيوسياسية للمنطقة تفوق موضوع احتياطياتها الهائلة من الطاقة، ولا تنتهي بقيمة موقعها على مفترق طرق التجارة العالمية.

إيقاف الصين، أو على الأقل كبح اندفاعها، لا يمكن أن يتم عبر المواجهة العسكرية المباشرة الآن، بل عبر خنق مصادر الطاقة والتحكم في خطوط العبور. من هنا، تتكامل خطوات ترامب بعضها مع بعض، وهي السيطرة على قناة بنما وإجبارها على فكّ عقود الشركات الصينية، وإحكام القبضة على النفط الفنزويلي، والضغط على غرينلاند بوصفها بوابة طريق الشمال، ثم الانتقال إلى إيران التي تمثل في آنٍ واحد مصدراً للطاقة، وعقدة استراتيجية تتحكم في مضيق هرمز، وبشكلٍ غير مباشر في مضيق باب المندب عبر شركائها اليمنيين الذين تجرأوا على ضرب حاملة الطائرات الأميركية قبل أشهر قليلة.

حتى غزة، في هذا السياق، لا تبدو خارج الصورة. فمحاولات تهجير سكانها نحو مصر تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لتطال أمن قناة السويس، الشريان الحيوي للتجارة العالمية. هذا البعد تدركه القاهرة جيداً، وهو ما يجعل المعركة حول غزة جزءاً من صراع أوسع على الممرات البحرية.

الصورة الكبرى

عند جمع هذه العناصر، تتضح الصورة الكاملة التي تقول إن  بنما، وغرينلاند، وهرمز، وباب المندب والسويس… هي النقاط الخمس التي تتحكم في معظم حركة التجارة العالمية. وبموازاتها، فنزويلا، وإيران، والسعودية تشكل أعمدة أساسية في منظومة إنتاج النفط واحتياطياته.  والسيطرة أو التأثير الحاسم على هذه العقد يعني امتلاك قدرة غير مسبوقة على الضغط على الاقتصاد العالمي، وعلى إعادة رسم خريطة التحالفات.

وفي حال نجاح هذا المشروع، ستجد دول العالم نفسها أمام خيار قاسٍ بالاصطفاف إلى جانب طرف واحد: إما واشنطن أو بكين. وفي مثل هذا المناخ، تتعاظم فرص الإذعان أو الفوضى، تحت وطأة الخوف من العقوبات أو التهديد العسكري. التجارب السابقة، من فنزويلا إلى غيرها، تُستخدم كنماذج ردعية لإقناع الآخرين بكلفة التمرّد. لكن هذا المنطق يفترض أن تكون الدول المستهدفة عاجزة عن الرد المؤلم، وهو ما لا ينطبق على إيران بأي حال.

إيران اليوم، وفق المعطيات المتاحة، تمتلك قدرة حقيقية على الرد، ما لم تتعرض لصعقة مفاجئة قاتلة. قدراتها العسكرية، وشبكة حلفائها، وموقعها الجغرافي، وطبيعة شعبها وإرثه الحضاري، كلها عوامل تجعل من أي مواجهة معها مغامرة غير محسوبة النتائج. الأهم من ذلك أن أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للصين وروسيا تضاعفت الآن بعد إعلان ترامب نفسه والياً على كراكاس. فطهران باتت إحدى آخر العقد القادرة على تعطيل مشروع التطويق الأميركي، أو على الأقل رفع كلفته إلى مستويات غير محتملة.

من هنا، تبدو بكين وموسكو أمام لحظة اختبار حقيقية. التلكؤ في دعم إيران الآن، يعني خسارة حليف إقليميٍ، لكن ليس هذا هو الأهم في المسألة، بل إن قبول النموذج الحالي أو النسخة الحالية من تعاطي ترامب مع العالم، يعني القبول بسابقة ستُستخدم لاحقاً ضدهما. الدفاع عن إيران، في هذا المعنى، لا يرتبط بالعواطف أو الأيديولوجيا، بل بحسابات السيادة والمصلحة بعيدة المدى.

في موازاة ذلك، يراقب الجميع الاستحقاقات السياسية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما الانتخابات النصفية، بوصفها فرصة محتملة لكبح اندفاعة ترامب أو إعادة تقييدها. كثير من الحلفاء والخصوم يعلّقون آمالاً على أن تؤدي هذه الانتخابات إلى إضعاف المشروع التصعيدي، أو على الأقل إلى إدخال عناصر توازن جديدة في القرار الأميركي. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، لأن الزمن السياسي قد لا يتطابق مع إيقاع الأزمات المتسارعة.

وفوق ذلك كله، يخيّم شبح الانهيار الاقتصادي العالمي. الديون المتراكمة، والتضخم، وهشاشة سلاسل الإمداد، وتسييس الاقتصاد العالمي، كلها عوامل تجعل النظام أقل قدرة على امتصاص الصدمات. في حال وقوع انهيار واسع، لن تبقى الفوضى محصورة في دولة أو إقليم، بل ستعمّ الجميع، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام الدولي بطريقة فوضوية، حيث تصبح القوة العارية أداة التنظيم الوحيدة.

في هذا الإطار، تعكس ديناميات المسألة الإيرانية الآن مأزق العالم كله. والطريقة التي ستُدار بها هذه الأزمة ستحدد ملامح النظام الدولي في السنوات وربما العقود المقبلة. فمتى تقع المواجهة المفصلية؟ ثم كيف، وبأي كلفة؟ ومن سيدفع الثمن الأكبر في عالم يتداعى توازنه بسرعة غير مسبوقة، ومن يعتقد أن فرصته في الربح أكبر، قد يجد نفسه أمام انهيار أكثر دويّاً من انهيار الاتحاد السوفياتي.

في النهاية، وصلت الإمبراطوريات المتعاقبة على لوحة التاريخ إلى ذروة توحشها، تماماً في اللحظة التي وصلت فيها إلى ذروة ضعفها. التوحش والضعف هما الوجهان المتلاصقان لعملةٍ، عادةً ما يحرص الإمبراطور الأخير على نقش صورته عليها.