قلق شعبي وإجراءات حكومية طارئة.. كيف أثّرت الحرب على الأسواق العراقية؟
العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران أدّى إلى ركود غير مسبوق في الأسواق العراقية، مع ارتفاع حاد في الأسعار وتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
-
قلق شعبي وإجراءات حكومية طارئة.. كيف أثّرت الحرب على الأسواق العراقية؟
بين ليلة وضحاها، تبدّل المشهد في سوق "الأعظمية الكبير" شمال العاصمة العراقية بغداد، من ضجيج صاخب لا يهدأ طوال اليوم، إلى هدوء مطبق مثير للريبة.
السوق مرّ خلال أيام الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بمرحلة ركود غير اعتيادية، حيث شهد انخفاضاً قياسياً في أعداد المتسوقين، بمقابل ارتفاع حاد طال أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والخضار والفواكه.
"هذا الوضع بدأ منذ اندلاع الحرب على إيران"، يقول البائع حيان حمادي (42 عاماً) للميادين نت، ويضيف: "إن ما يشهده السوق غير اعتيادي في هذه الفترة من السنة، حيث تراجعت أعداد المتسوقين بشكل مريب، بينما سجلت أسعار المواد ارتفاعاً متفاوتاً، وأمام هذا الواقع يجد الباعة أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه".
ويضيف: "العراق بأكمله يعيش حالة توتر، حتى في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب، حيث باتت الأسواق شبه خالية من المتسوقين، وجاء ارتفاع الأسعار ليزيد الأمر سوءاً، مما دفع الناس إلى شراء حاجياتهم الأساسية فقط، وبالحدود الدنيا".
ويتابع: "إن المسؤولية الأبرز تقع على عاتق التجار الذين ينتظرون أيّ أزمة لزيادة الأسعار ومضاعفة أرباحهم، بالمقابل هناك من يقدم روحه في العراق في مواجهة العدوان الأميركي والصهيوني".
الحرب قالت كلمتها
لا يخفى على أحد حجم تأثّر العراق بالحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، حيث لعبت المواجهة العسكرية دوراً أساسياً في حالة الركود التي شهدتها الأسواق العراقية، خاصّة أن بغداد تعتمد بشكلٍ كبير على عائدات بيع النفط، والتي تشكّل نحو 90% من حجم الاقتصاد الوطني؛ وإن كان الحرس الثوري في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد سمح بمرور الناقلات النفطية العراقية عبر مضيق هرمز، إلا أن المخاوف المتعلقة بالمضيق انعكست بشكل مباشر على الأسواق المحلية.
وارتفع سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي في السوق السوداء، من نحو 145 ألف دينار لكل 100 دولار قبل الحرب، إلى قرابة 155 ألفاً خلال الحرب، أيّ بزيادة تصل إلى 5%، في مؤشر عكس تنامي حالة القلق بين العراقيين.
وانعكس سعر الصرف على أسعار المواد الأساسية التي ارتفعت بمجملها، حيث سجل سعر كيلو الطماطم سعر 1500 دينار، بينما كان قبل الحرب بين 500 إلى 750 دينار، وارتفع سعر كيلو الخيار من 1000 إلى 1500 دينار، وسعر كيلو الموز ارتفع من 1250 إلى 2500 دينار، وسجل سعر طبق البيض 7000 دينار، بينما كان قبل الحرب 600 دينار، أما الزيت النباتي فكان قبل الحرب 2250 دينار أما اليوم فوصل إلى 3000 دينار.
ويعاني العراقيون من صعوبة موازنة أجورهم الشهرية مع حاجياتهم الأساسية، من خدمات وصحة وطعام ومواصلات، وهذا الأمر يزيد من حالة القلق الشعبي.
وفي هذا السياق، يشير حسن هاشم من سكان محافظة النجف للميادين نت إلى أن ما مرّ به العراق أرخى بثقله على مختلف فئات المجتمع، حيث جاءت الحرب لتفاقم معاناة الناس، كما وجدت الأسر العراقية نفسها محاصرة بموجة غلاء جديدة تفوق قدرتها الشرائية.
ويقول هاشم: "أعمل بوظيفة حكومية صباحاً وعلى سيارة أجرة مساءً، ومع ذلك لا أستطيع تحمّل تكاليف الحياة، من مدارس للأطفال، وفواتير كهرباء ومياه، وباقي الأمور الأساسية، ثم جاءت الحرب ورفعت الأسعار لتزيد الأمر سوءاً".
خطط حكومية إسعافية
لمواجهة القلق الشعبي المتنامي، أعلنت وزارة التجارة العراقية عن خطة متكاملة للحد من ارتفاع الأسعار، عبر اتخاذ جميع الإجراءات التي من شأنها حماية المستهلك وتعزيز الاستقرار، بما يضمن توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة ويمنع أي محاولات للإضرار بالاقتصاد الوطني أو استغلال حاجة المواطنين.
وأكدت الوزارة على عدم التهاون مع الممارسات الاحتكارية، مع تنفيذ مجموعة من الإجراءات والخطط للحد من أي تلاعب في الأسعار، من بينها تكثيف حملات الرقابة الميدانية بالتعاون مع الجهات الرقابية والأمنية، ومتابعة الأسواق بشكل يومي لرصد أيّ حالات احتكار أو رفع غير مبرر للأسعار، بجانب تعزيز دور أجهزة الرقابة التجارية في مراقبة حركة السلع وضبط المخالفين وفق القوانين النافذة.
وأضافت الوزارة بأنها عملت على دعم السوق المحلية عبر تأمين كميات كافية من المواد الغذائية الأساسية لضمان استقرار العرض ومنع حدوث أيّ شح قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
ورأت مصادر حكومية أن سعر الصرف لم يتعرض لنكسة كبيرة مقارنة بالدول الأخرى المتأثرة بالحرب، وهذا الأمر يعود إلى امتلاك البنك المركزي العراقي احتياطيات نقدية مريحة، إلى جانب تدخله المستمر عبر نافذة بيع العملة، وهو ما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في سعر الصرف.
الأزمة أعمق
ما واجهته الأسر العراقية لا يتعلق فقط بأسعار المواد الغذائية فقط، فمعظم القطاعات الخدمية تأثرت بالحرب، ومن أبرزها الكهرباء، فالعراق يعتمد بشكل شبه كامل على الغاز الإيراني لتأمين حاجة محطات التوليد.
وأدى انخفاض الكميات الواردة من إيران خلال فترة الحرب إلى ازدياد عدد ساعات التقنين، الأمر الذي ضاعف الأعباء المالية على العراقيين.
وشهدت المحافظات ارتفاعاً ملحوظاً في أجور "المولّدات" المغذية للمناطق السكنية، حيث وصل سعر الأمبير الواحد في العاصمة بغداد إلى 14 ألف دينار، بينما سجل سعر الأمبير في الموصل 15 ألف دينار، وفي كربلاء 12 ألف دينار.
وتُضاف أجور "المولّدات" على تكلفة المعيشة الأساسية للأسر العراقية، ما يجعل الكثير منها يفكر في التخلّي عن هذه الخدمة نظراً لارتفاع أجورها.
وحول هذا الموضوع، أكد محمد عبد المولى من أبناء محافظة ميسان للميادين نت أن فواتير المولدات لا تتعلق بالحرب على إيران، لأن أصحاب المولّدات يتقاضون أجوراً عالية منذ سنوات، لكنهم يستغلّون أيّ حدث لرفع الأسعار على المدنيين.
ويضيف عبد المولى: "أصحاب المولّدات دائماً ما يضغطون على مجالس المحافظات بحجة ارتفاع تكلفة التشغيل، من أجل رفع سعر الأمبير، وفي هذه الحالة يكون الضحية هو المواطن العراقي، الذي يضطر للدفع من أجل استمرار الحصول على التغذية الكهربائية".
وطالب عبد المولى الحكومة بالتدخل لإيقاف جشع أصحاب المولّدات، وتخفيض الأعباء المالية على المواطنين، لأن استمرار هذا الوضع يعني تخلّي الكثير من العراقيين عن هذه الخدمة بشكلٍ كامل.
وبعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، يأمل العراقيون أن ينعكس ذلك على بلادهم، بحيث تعود الأسواق المحلية إلى الانتعاش، وتنخفض الأسعار إلى الوضع الذي كانت عليه، وهذا ما يفرض على الحكومة ضرورة التحرك السريع لاتخاذ الخطوات الكفيلة بإعادة الأمور إلى سابق عهدها.