شهيد الجنوب محسن شبيب.. أرأيت كيف فاق دمك موج البحر؟

الشهيد محسن شبيب كان رمزاً للمقاومة والصمود في الجنوب، جامعاً بين الدفاع عن الأرض وخدمة مجتمعه، ومكرّساً حياته من أجل عائلته، وتجسيد نموذج رجال الله في مواجهة الاحتلال.

  • الشهيد محسن شبيب ارتقى بغارة إسرائيلية على بلدته جبشيت جنوب لبنان مساء أمس
    الشهيد محسن شبيب ارتقى بغارة إسرائيلية على بلدته جبشيت جنوب لبنان مساء أمس

"بيوتنا التي لا نملك قرارها فلتُهدَم في أمان الله؛ فآخر أمر البيوت إلى الخراب، وآخر أمر النفوس إلى الموت. فإذا خُرّبت في سبيل الله فهي العامرة الدائمة، وإذا بُذلت الدماء في سبيل الله فهي الدماء الغزيرة التي يفوق موجُها موجَ البحر".

كان هذا جزءاً من اقتباس طويل للشيخ الشهيد راغب حرب، نشره محسن شبيب (أبو جابر) عبر صفحته في فيسبوك قبل ست ساعات فقط من ورود خبر عاجل على وسائل الإعلام ليل أمس: غارة على بلدة جبشيت جنوب لبنان. لم يكن أحد من محبّي محسن، البعيدين عنه، يعلم طبيعة عمله؛ كانوا يحبّونه فحسب، لما فيه من طيبةٍ تقرّب الناس إلى روحه الواضحة.

لم تمضِ دقائق حتى انتشر نبأ استشهاد محسن شبيب (41 عاماً) على وسائل التواصل كالنار في الهشيم. فاضت روحه من جرّاء الغارة، وفاض معها دمع مئات الذين عرفوه في العالم الافتراضي. كأن كل بيت فقد عزيزاً، لأن محسن لم يكن جنوبياً من جبشيت وحسب؛ كان أخانا جميعاً، يشبهنا جميعاً، وكأنه خرج من كل بيت.

عرفتُ محسن قبل سنوات من بعيد، عبر مواقع التواصل. لكن خفّة روحه ومرحه في مواجهة الدنيا - بجمالها كما بآلامها ومتاعبها الشخصية في حياته التي عرفناها لاحقاً - انعكسا على كل من حوله من أصدقاء ومتابعين. حتى اليوم، لا يكاد أحد يصدّق أن محسن، الذي كان يخفّف عن كواهلهم أثقالها مردّداً: "الله مولانا"، يمكن أن يوجعهم إلى هذا الحدّ برحيله.

وعلى المستوى الشخصي، ارتبطت معرفتي بمحسن بموقفين لا يُنسيان. الأول كان بعد انفجار مرفأ بيروت، حين كنت أعمل على مبادرة إنسانية لجمع التبرعات للمتضرّرين، فتواصل معي، برغم أننا لم نكن نعرف بعضنا عن قرب، وأصرّ على التبرع بمئة دولار. لاحقاً، أدركت أن هذا المبلغ كان جزءاً كبيراً من معيشته في ظل وضعه المادي الصعب.

أما اللقاء الثاني فكان قبل نحو عام، أثناء إعدادي تقريراً عن نساء الجنوب ودورهن في مقاومة الاحتلال، حيث رافقنا في جبشيت، متنقّلاً معنا من بيتٍ إلى آخر، معرّفاً إيّانا على أهلها، وعلى تاريخهم، وعلى أيقونات نسائها. كان سعيداً بهذا الدور، فخوراً بالمساهمة فيه، كما كان دائماً في خدمة الناس، واقفاً إلى جانبهم، يواسيهم في خساراتهم وآلامهم، ويخفّف عنهم بثقله الإنساني وحضوره الدافئ.

محسن، الذي علمنا من نبأ ارتقائه أنه لم يفارق الجبهة حين نادت للسواعد والعهود والرجال، بعدما سبقه إليها شقيقاه ووالده واستشهدوا. ومحسن أبٌ لطفلين: جابر ومرتضى. وما من صورةٍ أبهى في ذاكرة الناس من كونه أباً حنوناً، ورفيقاً قريباً، وعالماً واسعاً وكافياً لابنه جابر المشخّص بفرط الحركة وطيف التوحّد.

لم يكن أباً عادياً في حياة ابنه، بل كان عالمه الكامل. منذ اللحظة الأولى، جعل من ابنه محور حياته، فصار كل همه وانشغاله وتفكيره منصبّاً عليه، كأنما خُلق لأجله. لم يتعامل مع التوحد كحاجز أو عبء، بل كحالة فهمها وصادقها، ليتمكن من مرافقة ابنه في رحلته، وتطويع هذا الطيف ليصبح جزءاً من طريقه لا عائقاً أمامه.

كنا نشهد دائماً عبر الفيديوهات والصور التي كان ينشرها "أبو جابر" على صفحته في فيسبوك، كيف كان يعيش مع أولاده كأنه واحدٌ منهم، لا مجرد أب. كان يلاعبهم، يحاورهم، يضحك معهم، ويمنحهم مساحة ليكونوا أنفسهم. مع جابر تحديداً، كان يحرص على اكتشاف مواهبه وتشجيعها، فيُخرج منه ما يستطيع، ويمنحه الثقة خطوةً خطوة، بروح الرفيق قبل أن يكون بروح الأب.

لاحقاً، روى معارفه وأقاربه أن ما وصل إليه جابر من تطور وقدرة على الاندماج في المجتمع لم يكن ليحدث لولا هذا الحضور الاستثنائي لأبيه. ذلك الجهد الكبير، والدعم النفسي والمعنوي، والمحبة غير المشروطة التي أغدقها عليه، صنعت فارقاً حقيقياً في حياته. كان محسن أباً حنوناً، محباً، يعطي بلا حدود، ويقدّم كل لحظة من حياته بصدق وعاطفة، من دون شكوى، تاركاً أثراً لا يُمحى في روح ابنه وكل من عرفه.

وبرغم معاناته الصحية القاسية، إذ كان يقضي أيامه بين البيت والمستشفى من جراء إصابته بجرثومة نادرة في سلسلة ظهره تتسبب بارتفاع الحرارة ونقص المناعة الحاد، لم يتراجع عن دوره الإنساني والعائلي، بل كان يخرج أحياناً من المستشفى على مسؤوليته ليكون إلى جانب ابنه جابر.

حتى في أصعب لحظاته، حين بلغه خبر استشهاد والده وشقيقه وهو في المستشفى، واجه الفاجعة بصمتٍ يختزن الرضا، لا تمثيلاً بل إيماناً حقيقياً. كان وجعه عميقاً، كجمرٍ في القلب، لكنه لم يكن ليُثقل به أحداً. لذلك، حين كان يمرض، كانت القرية بأكملها تنشغل به، تتابع أخباره وتلهج بالدعاء له، في مشهد يعكس مقدار المحبة التي زرعها في قلوب الناس.

لم يكن "أبو جابر" مجرد فرد في عائلته، بل كان حالةً تمتدّ إلى كل بيت في القرية، كأنّ من كل دار يولد فيه شيءٌ منه. شخصية فريدة، يصعب تكرارها، حتى ليشعر من عرفه أنّ الخسارة به كبيرة، بينما هو الرابح الأكبر بما قدّم في دنياه وما ادّخر لآخرته. ما فعله لم يكن إلا ثمرة إخلاصٍ صادق، إذ كان يؤمن بأن لكل إنسان جبهته وميدانه، وأن العبرة في أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.

ارتبط محسن بوالدته ووالده ارتباطاً استثنائياً، فكان لهما الابن والسند في آنٍ معاً. لم يكتفِ بالمحبّة، بل ترجمها أفعالاً يومية؛ يعتني بوالدته، يساعدها في أعمال المنزل، ويخفّف عنها تعبها، حتى في أبسط التفاصيل، كأن يجلس إلى جانبها ويُدلّك قدميها إذا أرهقها التعب. لم يدع شيئاً ينقصها، وكان حريصاً على راحتها، حاضراً معها بقلبه وجهده، خصوصاً في أصعب المراحل.

وبعد استشهاد والده وأخويه، ازداد قربه من والدته، فصار لها الأنس والصديق والسند الذي لا يغيب. احتواها بمحبةٍ مضاعفة، وحمل عنها ما استطاع من أعباء الحزن والفقد. لذلك، حين استشهد محسن، لم يكن غيابه عادياً على بقية إخوته، بل شعروا كأنهم يُفجعون باليُتم مرةً أخرى، وكأن السند الذي كان يجمعهم قد انكسر، تاركاً فراغاً لا يُعوَّض.

حمل محسن همّاً شخصياً عميقاً، تمثّل في حرصه على تخليد ذكرى والده وشقيقيه، ولا سيما سيرة والده. كان يدرك أن والده، برغم دوره في المقاومة خلال الحروب السابقة، بقي رجلاً بسيطاً بعيداً من الأضواء والمناصب، ما قد يجعل سيرته عرضة للنسيان. لذلك، شعر بمسؤولية داخلية بأن يحفظ هذه الذاكرة من الاندثار، فعبّر عن ذلك في كلماتٍ كتبها عبر صفحته على "فيسبوك" في تلك الفترة، كأنها محاولة وفاءٍ تحفظ ما لا يجب أن يُمحى.

تميّز محسن بترابيّته وبساطته، وهي خصلة ورثها عن والده. وبرغم كونه مقاوماً شرساً، لم يكن يُظهر ذلك، بل عاش كتوماً أميناً، لا يسعى إلى لفت الانتباه. كان اجتماعياً بطبعه، يفتح قلبه وبيته للجميع، سواء عرفهم أم لم يعرفهم، لكن دائماً ضمن حدودٍ من اللياقة والاحترام. وفي بيته، الذي يشبه "ديوانية" القرية، كانت تُفرش المائدة بسرعة لكل قادم، ويُعدّ الشاي وتُطلق الدعوات، فيجتمع الناس من داخل القرية وخارجها، حتى يغدو المكان عامراً بالمحبّة والألفة. هناك، كان كل من يدخله يشعر أنه من أهل الدار، لا ضيفاً عليها.

كان محسن قريباً من كل الناس، مألوفاً لديهم، يتركون عنه أجمل الانطباعات كلّما ذُكر اسمه. من يتابعه على مواقع التواصل الاجتماعي يلمس فيه إنساناً بسيطاً، مرحاً، خلوقاً، ترابياً في تعامله، كريماً ومعطاءً إلى أبعد الحدود. لم يكن عطاؤه استثناءً في حياته، بل كان جزءاً أصيلًا من تكوينه، يظهر في كلماته، في ملامح وجهه الصادقة، وفي يده المفتوحة دائماً. لذلك، كان استشهاده، على ما فيه من وجع، يحمل في طيّاته معنى الفرح المستحق، كخاتمةٍ تشبهه؛ إذ لم يكن ليبخل على أرضه بدمه، وهو الذي اعتاد أن يعطي بلا تردّد، في مسارٍ متجذّر في تاريخ عائلته ونهجها.

كان القتال بالنسبة له أمراً بديهياً، امتداداً طبيعياً لإيمانه العميق واتكاله الصادق على الله. كل ما كان ينشره ويعبّر عنه يعكس هذه الروح؛ روح الإنسان الذي لا يتردّد في البذل، والذي يرى في العطاء نهجاً يومياً، تُتوَّج نهايته بأسمى أشكاله. لم يكن هذا الخيار مفاجئاً لمن عرفه، بل كان ترجمةً صادقة لمسيرته، التي اتّسمت بالثبات، وبالإيمان الذي لا يتزعزع، وبالاستعداد الدائم لتقديم كل ما يملك.

في أيامه الأخيرة، اشتدّ عليه المرض وارتفعت حرارته إلى الأربعين، ومع ذلك لم ينسحب أو يتراجع، بل أصرّ على البقاء في بلدته جبشيت وأداء واجبه، متجاوزاً ألمه بصمت. كان من أولئك الذين لا يضعون أنفسهم في المقام الأول، فكل ما في ذمّته كان يراه أمانةً لا بد من إتمامها.

وفي سيرة محسن ما يتجاوز الفرد إلى النموذج؛ فهو صورة عن رجالٍ يشبهونه في الجنوب، أولئك الذين يختصرون في حياتهم معنى الثبات والعطاء. رجالٌ لا يزالون يكتبون ملاحم الصمود في وجه العدو، ويجسّدون يقيناً راسخاً بأن هذه الأرض لا تُترك، ولا تُسلَّم، وأن تحريرها ليس إلا مسألة وقت، وأن الانتصار، بإيمانهم وثباتهم، وعدٌ آتٍ لا محالة.

اخترنا لك