جنوب لبنان: لماذا يبقى عصيّاً على الحلم الاستيطاني؟

لم يتحوّل الحلم الاستيطاني في جنوب لبنان حتى الآن إلى سياسة رسمية معلنة، لكن التحركات والخرائط الإسرائيلية تُشير إلى أن مخطط "إسرائيل الكبرى" يبدأ من لبنان.

  • استهداف دبابة إسرائيلية من طراز
    استهداف دبابة إسرائيلية من طراز "ميركافا" في منطقة تل النحاس عند أطراف بلدة كفركلا جنوب لبنان

منذ نشأة الحركة الصهيونية، تباينت التصورات بشأن حدود الدولة العبرية، بين تيار براغماتي يقبل بالحدود المعترف بها دولياً، وآخر أيديولوجي يستند إلى سرديات توراتية وتاريخية تتجاوز هذه الحدود. وما بين الحين والآخر، كان مفهوم "إسرائيل الكبرى" يعاود الظهور ثم يخفت حضوره، من دون أن يختفي تماماً، حتى عام 2019، حين أصبح اليمين حاكماً، والسردية التوراتية رؤيةً مستقبلية.

في ظل هذه الرؤية، وفي عمق الحلم الاستيطاني الإسرائيلي، يقع لبنان، أو جنوبه على أقل تقدير، بين مبررات "الحدود الآمنة" أو "العمق الدفاعي"، وبين اعتباره "أرضاً تاريخيةً وجزءاً من أيديولوجية تنتظر الظروف الإقليمية المؤاتية لاحتلاله" تبعاً لما تنصّ عليه القراءات التوراتية.

فكيف بدأ هذا الحلم؟ وهل كان اتفاق وقف إطلاق النار بين الدولة اللبنانية و"إسرائيل" نهاية عام 2024 كابحاً لجماحه؟ وهل تُعدُّ الحرب الشاملة اليوم، التي تشنّها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران ولبنان ستاراً لتحقيقه؟

من المنطقة العازلة إلى تجربة الشريط الحدودي

وفقاً للباحث أسعد رزوق في كتابه "إسرائيل الكبرى"، الصادر قبيل حرب حزيران عام 1967، لا ترتبط مطامع التوسع الإقليمي الإسرائيلي بالضفة الغربية وغزة والقدس فقط، وإنما تمتد إلى أجزاء من لبنان والأردن وسوريا، وهي أراضٍ خضعت للمناقشة ووضعت برسم الحلم، من خلال اتفاقية "سايكس – بيكو" عام 1916، و"وعد بلفور" عام 1917، لتتشكل بذلك المرحلة الأولى لـ"الوطن القومي لليهود".

تظهِر مطالب الحركة الصهيونية من الدول الاستعمارية، منذ عام ١٩١٩، تحديد الحدود الشمالية لـ"الوطن القومي لليهود" عند نقطة تتقاطع فيها صيدا مع مصادر مياه نهر الليطاني. ويظهَر أيضاً أن هذه الحدود تمتدّ حتى جسر القرعون، لتشمل راشيا وحاصبيا وقمم جبل الشيخ، على نحو يضمن السيطرة الصهيونية على الموارد المائية المتدفقة من منحدرات جبل الشيخ، ومن نهري الليطاني والأردن.

يؤكد ذلك تصريحُ وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه ديان، بُعيد تلك الحرب، حيث قال إن "لبنان هو الفريسة التالية لإسرائيل". تكرّر هذا التصريح بعد عقود بصيغ أخرى، على لسان المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، ديفيد مينسر، مثلاً، الذي قال إن "نهر الليطاني هو حدود إسرائيل الشمالية"، وعبر دعوة كبير حاخامي الحاسيديم، إسحق غنزنبورغ، إلى "استيطان لبنان، باعتباره جزءاً من الأرض الممنوحة إلى إسرائيل".

لذا، كان الجنوب اللبناني حاضراً دائماً بوصفه جزءاً من الأطماع الاستيطانية الإسرائيلية، بحيث احتلت "إسرائيل" 14 قريةً منه في "عملية حيرام" إبان النكبة، ثم وسّعت نطاق احتلالها في "عملية الليطاني" عام 1978، وهي عملية كانت عسكرية المظلة، مائية الهدف. وقد اعتبر أبراهام كاتس عوز، وهو وزير زراعة إسرائيلي سابق، أن "خيار الاستيلاء على الليطاني هو الخيار الأفضل بالنسبة إلى إسرائيل، عبر مواجهة عسكرية مع العرب"، مع ما ينطوي عليه ذلك من تكاليف اقتصادية وعسكرية وسياسية، خصوصاً أنّ "إسرائيل" تستطيع أن تزيد في مواردها المائية بنسبة 50٪، إذا حوّلت مياه الليطاني إلى أراضيها.

توسعت "عملية الليطاني"، وصولاً إلى اجتياح بيروت عام 1982، لتؤمّن للفكر الاستيطاني الأرض التي يحلم بها، وتترك للجماعات الاستيطانية والمنظومة الزراعية والمائية والأثرية مهمة نبش أراضي الجنوب اللبناني وامتصاص خيراتها، عبر "المنطقة العازلة". أتاحت هذه المنطقة سلطةً عسكريةً وإدارية، عبر وجود عسكري دائم، إدارة أمنية محلية موالية، تمثّلت في "جيش لبنان الجنوبي"، وتفريغ تدريجي لبعض القرى.

خلال تلك المدة، كان مواطنو الجنوب اللبناني يخوضون مقاومتهم بأساليبهم الخاصة وصدورهم العارية، بينما استهدفت نيران الاحتلال الإسرائيلي المزارعين في مواسم البذر والحصاد، وحرمتهم حفر الآبار وتجميع المياه وبناء السدود وتعمير المساكن وإنشاء المشاريع، بهدف تفريغ المنطقة تماماً، تهيئةً للسيطرة الكاملة عليها.

بانسحاب "إسرائيل" عام 2000 تحت ضربات المقاومة، انهار نموذج الاحتلال عبر المنطقة العازلة والشريط الحدودي والإدارة الأمنية الموالية، إلا أن الفكرة لم تختفِ من التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حتى أعادت الحرب عام 2023 تصدير احتلال جنوب الليطاني، باعتباره مسألة "أمن للشمال".

حرب 2023 - 2026: الاستيطان عبر إعادة رسم الحدود

خلال حرب إسناد غزة التي خاضتها المقاومة في لبنان، انتعش الحلم الاستيطاني في الجنوب من جديد، عبر إعادة صياغة المعادلة الحدودية، والربط بين منع تهديد المقاومة وخلق عمق أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، يتم الاستيطان فيه لاحقاً. وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية لم تعلن رغبةً صريحةً بنية ضم أراضٍ لبنانية، فإنها حددت خطاً أحمر لحكومة لبنان، يشترط إخلاء الجنوب حتى شمال الليطاني من أي مقاومة تُذكر، ويربط منع عودة التهديد باجتياحٍ بري قادم.

أدت التيارات الدينية اليمينية في "إسرائيل" دوراً في تصدير هذا الخطاب، متحدثةً عن وجود فرصة تاريخية لإعادة الاستيطان تحت غطاء أمني، عبر تثبيت وقائع لصالح الاحتلال، بدءاً من 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حين تراجعت "إسرائيل" عن الانسحاب من جنوب لبنان، وأبقت وجودها العسكري في 5 مواقع استراتيجية فيه، مع سعيها لمنع إعادة إعمار جميع القرى الجنوبية، عبر استهداف يومي ومكثف لسكانها.

هكذا، وعلى مدار العامين الماضيين، تعرضت القرى الحدودية لمراقبة دائمة، شملت عمليات اغتيال واستهدافات مباشرة، توغلات تكتيكية، هدماً لمنازل، تجريفاً لأراضٍ وحرماناً من البذر والحصاد، بذريعة منع إعادة تموضع المقاومين، بما يُبقي الجنوب في وضع أمني ضاغط، يعوّق عودة الحياة الطبيعية بصورة كاملة.

وعلى الرغم من انسحاب الاحتلال من معظم المناطق، إلا أن حركة "أوري تسافون"، حرصت على إطلاق مبادرات "استيطان المنطقة الشمالية". كما أنها نشرت خرائط تتجاوز الخط الأزرق، وتدعو إلى تأمين الجليل عبر السيطرة على التلال، وهو ما طبّقه نشطاؤها خلال عام 2025، من خلال عبور عدد منهم الخط الأزرق، وزرع أشجار في مناطق لبناني، في رسالة ذات طابع استيطاني.

اليوم، وعلى وقع التصعيد الإقليمي والمواجهات المباشرة بين "إسرائيل" وإيران، عادت الدعوات الإسرائيلية إلى إفراغ منطقة الجنوب اللبناني من سُكانها، بهدف "إبعاد التهديد" مسافةً أكبر عن الحدود، وتجاوز نمط الهجمات المحدودة لفرض منطقة عازلة أوسع، سواء عبر اتفاق أمني مفروض أو عبر خلق واقع ميداني يدفع السكان إلى النزوح التدريجي.

بعد ما شهدته "إسرائيل" في إثر المواجهة مع المقاومة الإسلامية في لبنان منذ عام 2023، وما نتج عنه من تأخر عودة بعض المستوطنين بسبب الدمار أو المخاوف الأمنية، وأثر ديموغرافي ملموس يتيح تحويل المناطق الخالية نسبياً إلى مساحات عسكرية مغلقة، أعادت إصدار التهديدات ضدّ قرى جنوب لبنان.

جاءت هذه التهديدات لتُضاف إلى الاعتداءات التي نفّذها الاحتلال على مدى الأشهر الـ15 الماضية، والتي استدعت ردّ المقاومة، بُعيد اندلاع المواجهة الكبرى "إسرائيل" والولايات المتحدة، وبين إيران. أطلق جيش الاحتلال تهديدات متسارعة، بدأت بـ30 قريةً في الجنوب، ثم امتدت إلى نحو 50، فأكثر من 80 بلدةً وقرية. دفعت التهديدات، التي شملت "تحذيراً" من العودة، بنحو 50 ألف شخص إلى النزوح من أماكن سكنهم إلى مناطق أخرى. 

ويوفّر هذا الأمر للآلة العسكرية والاستيطانية الإسرائيلية إفراغاً سكانياً، وتدميراً للبنية التحتية، وصعوبة عودة سريعة للسكان، ويخلق واقعاً أمنياً مؤاتياً للاحتلال العسكري وتعزير السيطرة والاستيطان، ويعيد تعريف الجنوب اللبناني باعتباره منطقةً "عسكريةً مغلقة".

مخطط "إسرائيل الكبرى" يبدأ من لبنان

ميدانياً، توضع أسس الحلم الصهيوني المرتبط بجنوب لبنان حالياً في إطارين: أولهما هو السيطرة العسكرية على الأرض، والثاني هو السيطرة على الموارد المائية. 

في الإطار الأول، تعمل المنظومة الإسرائيلية بسرعة مستفيدة من الواقعٍ السياسي في لبنان، الذي يهاجم المقاومة ويدعو إلى تحييدها، بل والابتعاد بالجيش اللبناني عن المناطق الأمامية، ما يُتيح إمكانية توغلٍ بري مريح للآلة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما تُظهر المعطيات التي تفيد باستدعاء أكثر من 10 آلاف مجند احتياطي إلى الشمال رغبةً متعطشة لتحقيقه.

أما السيطرة على الموارد المائية فقد ازدادت احتماليتها بعد الاحتلال الإسرائيلي لجبل الشيخ، "الأب الحقيقي للمياه في بلاد الشام"، وبالنظر إلى ما يمنحه من إمكانية قطع الطريق على أي مشاريع لبنانية للاستفادة والتطوير المائي في المنطقة الجنوبية.

في المحصلة، لم يتحوّل الحلم الاستيطاني في جنوب لبنان حتى الآن إلى سياسة رسمية معلنة، لكن التحركات والخرائط الإسرائيلية تُشير إلى أن مخطط "إسرائيل الكبرى" يبدأ من لبنان، مدعوماً باستمرار التصعيد العسكري وخلق مناطق شبه خالية من السكان، ودفع الجيش اللبناني بعيداً من المناطق الجنوبية، بما يتيح لـ"إسرائيل" توغلاً من دون اعتراضات دولية.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى جنوب لبنان ساحة اختبار لتوازن دقيق بين الردع والدفاع اللذين تمارسهما المقاومة، وبين الأطماع الإسرائيلية، وبين الأمن المعلن وبين الاعتبارات الأيديولوجية الكامنة. وما بين هذين البعدين، يتحدد مستقبل الحدود الشمالية لـ"إسرائيل"، لا بقرارات رسمية فقط، بل بتراكم الوقائع في الميدان أيضاً.

اخترنا لك