تصاعد حوادث اختطاف الأطفال.. دير الزور تحت ضغط الانفلات والأزمات

جريمة قتل طفل في دير الزور تكشف تصاعد المخاوف من اختطاف الأطفال، في ظل تدهور أمني وخدمي ومعيشي واحتقان شعبي متزايد.

0:00
  • تصاعد حوادث اختطاف الأطفال.. دير الزور تحت ضغط الانفلات والأزمات
    تصاعد حوادث اختطاف الأطفال.. دير الزور تحت ضغط الانفلات والأزمات

في حادثة هزّت الرأي العام السوري، عثر أهالي مدينة دير الزور شمال شرق البلاد، على جثة الطفل محمود راشد الدعيجي (11 عاماً) مقتولاً داخل أحد المباني المهجورة قرب مبنى المحكمة وسط المدينة، بعد أيام على فقدانه، ما أدى إلى انتشار حالة من القلق بين المدنيين، وسط تصاعد الحديث عن حوادث اختطاف الأطفال في المدينة.

وأعلنت الأجهزة الأمنية في دير الزور أنها باشرت التحقيق في تفاصيل الجريمة، سعياً لمعرفة مرتكبيها ودوافعهم، لكن ذلك لم يمنع الخوف من التسلل إلى نفوس الأهالي.

لاحقاً، ألقت قوى الأمن الداخلي في المدينة القبض على ثلاثة أحداث، إثر ثبوت تورطهم في جريمة قتل الطفل محمود الدعيجي.

وتصاعدت خلال الأسابيع القليلة الماضية عمليات الإبلاغ عن حوادث اختطاف لأطفال في مناطق مختلفة من دير الزور، لكن الأجهزة الحكومية تقول إن الكثير من هذه الأنباء جرى تضخيمه عبر الشائعات.

في المقابل، تؤكد مصادر محلية من داخل دير الزور للميادين نت أن الأسبوع الأخير من شهر آذار/مارس الماضي شهد 4 حوادث لاختطاف أطفال في دير الزور، وأيضاً شهد 3 حوادث مشابهة في ريف المدينة، بدون وجود أيّ تبريرات حكومية لهذه الجرائم التي دفعت الكثير من الأهالي إلى منع خروج أطفالهم من المنازل.

ونشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات حول وجود سيارات "فان" تقوم بعمليات الاختطاف بشكل منظم داخل المدينة، لكن هذه الأخبار نفتها أيضاً الأجهزة الأمنية الحكومية وقالت إنها غير صحيحة.

وفي هذا السياق، أكد الناشط عدنان الحميد للميادين نت أن دير الزور تعيش منذ أسابيع حالة من التوتر الأمني والغليان الشعبي، في ظل استمرار الإعلان عن حالات لخطف أطفال في المدينة وريفها، بدون أيّ تحرك حكومي جاد لتعزيز السيطرة الأمنية، وهو ما عزز المخاوف الشعبية من تفشي هذه الظاهرة وانتشارها على نطاق واسع.

وكشف الحميد أن بعض الأطفال عادوا سالمين إلى أهاليهم مثل زين الدين الجراد وعدنان الهواس، لكن بقاء العديد من الأطفال الآخرين مجهولي المصير زاد من البلبلة بين الأهالي، خاصّة أن بعض العائلات تلقت اتصالات من الخاطفين تطالبهم بدفع فدية مقابل الإفراج عن أطفالهم.

ويشير الحميد إلى وجود مخاوف كبيرة بين الأهالي من الأحياء المدمرة والمهجورة، والتي تبلغ نسبتها نحو 80% من مساحة دير الزور، ولذلك عمد الأهالي تجنب إرسال أطفالهم إلى المناطق القريبة من تلك الأحياء، وطالب الحميد الجهات الحكومية المعنية بالتدخل السريع لتعزيز الأمن في المدينة، والكشف عن أسباب هذه الظاهرة لطمأنة الأهالي.

وتعاني مدينة الزور من دمار شبه كامل أدى إلى تضرر البنى التحتية، والمنازل، والمنشآت الخدمية، والمدارس، خاصة في الأحياء التي شهدت معارك عنيفة مثل الرشدية والحميدية، وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 250 ألف طن من الأنقاض في المدينة، مع بقاء 3 أحياء فقط صالحة للعيش من أصل 27.

ولا يبدو أن غياب ملف إعادة الإعمار هو المشكلة الأبرز التي تعاني منها دير الزور، فالجريمة المنظمة، وانعدام الخدمات، وتردي الأوضاع المعيشية، تشكّل بمجملها أزمات ملحّة تتطلّب المعالجة الفورية، في حين تبرز قضية السلاح العشوائي كواحدة من أبرز المخاطر التي تهدد حياة المدنيين، نظراً لانتشار عمليات القتل والاشتباكات المسلحة بين الفصائل.

لا خدمات في دير الزور

بعد سيطرة القوات الحكومية على مناطق شرق الفرات مطلع العام الحالي، عاد آلاف المهجّرين والنازحين إلى دير الزور، إلا أن هذه العودة واجهت عقبات عديدة. فالمدينة تعاني تدهوراً حاداً في الخدمات الأساسية، وارتفاعاً غير مسبوق في تكاليف المعيشة، فضلاً عن غياب الأمان الوظيفي.

كما تعاني دير الزور من انعدام الكهرباء بمقابل الفواتير الباهظة لأسعار الطاقة، ما يضاعف الأعباء المعيشية على كاهل الأهالي، الذين لا يملكون أصلاً القدرة على تأمين مستلزماتهم الأساسية.

ونتيجة الدمار الهائل في أحياء المدينة، سجلت أسعار المنازل والإيجارات أرقاماً فلكية خلال الأشهر الماضية، خصوصاً مع تراجع العرض وازدياد الطلب، في وقت يبحث الآلاف من المهجرين العائدين عن مأوى لعائلاتهم.

ولعل المشكلة الأبرز التي واجهت أهالي دير الزور بشكل خاص، وأهالي الجزيرة السورية بشكل عام، هو لجوء الحكومة الانتقالية إلى إلغاء العمل بحرّاقات النفط البدائية، والتي كانت تشكّل مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر في المنطقة الشرقية منذ سنوات.

وإن كان تنظيم العمل بحقول النفط والغاز التي عادت لسيطرة الحكومة الانتقالية، بعد الاتفاق مع قوات سوريا الديموقراطية – "قسد"، يتطلب إلغاء الحرّاقات البدائية لما تمثله من خطر على الصحة العامة، فإن تأمين مصدر دخل بديل للأهالي كان من المفروض أن يكون أولوية حكومية، خصوصاً أن الأهالي كانوا رأس الحربة في الهجوم الذي شنته القوات الحكومية على مناطق "قسد" نهاية العام الماضي، لكن القوات الأمنية عمدت إلى تدمير الحرّاقات بشكل عشوائي بمجرد دخولها إلى المنطقة.

وحول الأوضاع المعيشية في دير الزور، يقول "أبو فارس" –اسم مستعار- للميادين نت إن المدينة تعاني من ارتفاع قياسي في تكاليف المعيشة، وخاصّة فواتير الكهرباء والإيجارات وأسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، في ظل غياب كامل لأجهزة الرقابة الحكومية، ما أدى إلى حدوث فوضى في الأسواق.

ويشير أبو فارس إلى أن الحكومة انشغلت بحقول النفط والغاز وتجاهلت معاناة المدنيين، حيث تغيب الخدمات الأساسية وتنعدم البنى التحتية، وسط حالة من الغليان الشعبي ضد الأوضاع الحالية.

ويؤكد أبو فارس أن دير الزور شهدت خلال الأيام الماضية خروج تظاهرات عديدة تُطالب الحكومة الانتقالية بمعالجة الأزمات الخدمية والمعيشية وإيجاد الحلول السريعة للمشاكل التي يعاني منها الأهالي.

الريف ينتفض

قبل أيام شهدت منطقة "البوكمال" بريف دير الزور اعتصاماً شعبياً هو الأكبر من نوعه منذ أشهر، حيث وجّه الأهالي انتقادات لاذعة للحكومة الانتقالية التي تعجز عن إيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية المتراكمة في منطقتهم.

وطالب المحتجون بوضع حد لما وصفوه بسياسات الإقصاء والتهميش، والعمل على تحسين الواقع الخدمي وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.

واعتبر الأهالي أن المناطق الريفية تعاني من مشاكل مضاعفة، أولاً من حيث الواقع الخدمي والمعيشي المتردي، وثانياً من ناحية الإهمال الذي يمارسه المسؤولون الحكوميون في دير الزور بحق الريف، وسط اتهامات للمسؤولين بالفساد ودعم المحسوبيات.

وأمام هذا الواقع، أصدر المجلس المحلي لمدينة "البوكمال"، بياناً أعلن فيه تعليق العمل بشكل كامل رفضاً للانتهاكات والممارسات التي تهدد وحدة المدينة واستقرارها، والبدء باعتصامات سلمية مفتوحة حتى الاستجابة لكامل المطالب.

وأدان البيان تهميش المسؤولين في دير الزور لمطالب مجلس "البوكمال"، وعدم الرد على الكتب الرسمية الواردة منذ أكثر من 8 أشهر.

وفي هذا السياق، نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مصادر محلية في "البوكمال" تأكيدها وجود شبكة علاقات عائلية تتحكم بملف التوظيف في مؤسسات المدينة، وبحسب المعطيات المتداولة، تضم هذه الشبكة أفراداً يشغلون مواقع مختلفة في الأجهزة الأمنية والإدارية.

وتطرح المعطيات السابقة، تساؤلات جوهرية حول آليات التوظيف والرقابة التي تتبعها الحكومة الانتقالية في مناطق الجزيرة السورية، ومدى الالتزام بمبدأ تكافؤ الفرص داخل المؤسسات العامة.

اخترنا لك