تدمير الجسور جنوب لبنان وصلابة الإرادة: هكذا يتبدّد العزل الجغرافي

استهداف الجسور والقطاع الصحي يشكّل سياسة ممنهجة لتفكيك البنية الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب اللبناني. ويهدف إلى فرض نزوح السكان عبر جعل كلفة البقاء مرتفعة وتحويل الحياة إلى واقع غير قابل للاستمرار.

  • تدمير الجسور جنوب لبنان وصلابة الإرادة: هكذا يتبدّد العزل الجغرافي
    تدمير الجسور جنوب لبنان وصلابة الإرادة: هكذا يتبدّد العزل الجغرافي

تفعل مشاهد قصف الجسور وتدميرها في سياق العدوان الإسرائيلي على لبنان وبنتيه التحتية في نفوس اللبنانيين مشاعر كثير لا تقتصر على بعدٍ واحد. هي من ناحية مشاعر غضبٍ وتحدي، لكنها في الوقت نفسه، تلقي بمخاوف كثيرة على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، وتطرح أسئلة كبرى حول البعد القانوني الذي تندرج في إطاره كجرائم حربٍ اعتادت إسرائيل النجاة من المساءلة عن مثيلاتها.

ولا يمكن اعتبار استهداف البنية التحتية حدثاً عسكرياً عرضياً أو نتيجة جانبية للحرب، بل إنه يتخذ أكثر شكل النمط الممنهج الذي يندرج ضمن ما يمكن توصيفه اقتصادياً وقانونياً كـحرب على شروط الحياة. لأن القصف الذي طال الجسور والمستشفيات وشبكات الربط الحيوية لا يخدم المواجهة مع المقاومة، بقدر ما يخدم سياسة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للجنوب اللبناني، وفرض معادلات سيطرة عبر تدمير البنية التي تجعل المجتمع قابلاً للاستمرار.

تفكيك البنية الاقتصادية

تشير الوقائع الموثقة خلال العدوان الحالي إلى انتقال واضح من ضرب أهداف عسكرية مباشرة إلى استهداف البنية التحتية العامة. فقد أُعلن رسمياً، وشاهدنا تدمير جسور رئيسية فوق نهر الليطاني، مع توجيهات بتدمير جميع الجسور في المنطقة، بما يقطع التواصل بين جنوب لبنان وباقي أراضيه. كما أدى تدمير جسر القاسمية، وهو أحد أهم الشرايين الساحلية، إلى عزل الجنوب عملياً وتعطيل حركة الإمدادات والإخلاء.

ويمكن تفسير هذا النمط اقتصادياً بأكثر من تهديد بنية النقل كقطاع كامل للاستخدمات الفردية والتجارية والاقتصادية بصورة عامة، فالجسر عقدة في شبكة القيمة الاقتصادية، يربط الأسواق ويتيح تدفّق السلع، ويؤمّن حركة اليد العاملة. وبذلك يراد من تدميره تعطيل سلاسل الإمداد الداخلية ورفع كلفة النقل والتوزيع بشكل حاد، ثم عزل الاقتصاد المحلي وتحويله إلى اقتصاد محاصر.

وبهذا المعنى نفسه، يتحول القصف إلى أداة لإعادة هندسة المجال الاقتصادي، بحيث يصبح الجنوب منطقة ذات كلفة بقاء مرتفعة، غير قادرة على الاستمرار دون دعم خارجي أو سياسي، وبالتالي تخرج من المنطقة الاستثمارات التي تبحث عن بيئة آمنة وبنية تحتية ملائمة للأعمال. والأمر هنا لا يقتصر على هذا البعد، بل إنه يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى لا يمكن تجاوز أهميتها بالنسبة لبقاء السكان وتوفر شروط حياتهم في هذا الحيز، وأهم تلك القطاعات، القطاع الصحي.

استهداف القطاع الصحي

ومن المجالات الكثيرة التي أصابها العدوان الإسرائيلي، يبرز القطاع الصحي كمحور لتلقي الضربات اليومية، إن من خلال الاستهداف الواسع للمنشآت الصحية، حيث تم ضرب أكثر من 128 منشأة طبية وسيارة إسعاف، أو من خلال ترهيب العالمين في القطاع، الذين سقط منهم عشرات الشهداء، بين أطباء وممرضين ومسعفين وسائقين.

وفي التحليل الاقتصادي، يعكس ذلك تدمير أحد أهم أشكال رأس المال غير المادي، أي رأس المال الاجتماعي والصحي. فالقطاع الصحي في المناطق الحدودية لا يؤدي وظيفة علاجية أساسية فحسب، بل يمثّل أيضاً، بمعنى أوسع، جزءاً من شبكة الأمان الاجتماعي الهشّة أساساً في لبنان، الدولة التي تعاني منذ سنوات طويلة أزمات اقتصادية ومالية متراكمة. كما شكّل نشاط هذا القطاع عاملاً من عوامل الاستقرار الديموغرافي، وشرطاً أساسياً لتمكين السكان من البقاء في أرضهم.

وبناءً على ذلك، يأخذ استهداف المستشفيات الواقع باتجاه تقليص القدرة الطبية، ورفع كلفة البقاء للسكان المدنيين، وتسريع نزوحهم القسري من قراهم ومدنهم، كمقدمة لفرض فراغ ديموغرافي قابل لإعادة التشكيل. 

وهذه المعادلة تعيدنا إلى ما يسمى باقتصاد الإخلاء القسري، الذي يستخدم فيه تدمير الخدمات الأساسي كوسيلة لدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم دون إعلان تهجير مباشر. لكن الأمر يزداد سوءاً بموازاة تصريحاتٍ إسرائيلية رسمية، مثل تصريح بتسلئيل سموتريتش وزير المالية، حول وجوب احتلال جنوب لبنان حتى نهر الزهراني، وجعل النهر خط الحدود بين الكيان الإسرائيلي ولبنان.

العزل الجغرافي.. أداة حربية وسياسية

وبالعودة إلى معاني تدمير الجسور تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن ذلك لا يمكن فصله عن هدف استراتيجي أوسع، له علاقة بإعادة رسم المجال الجغرافي والسياسي، لتقليص قدرة الدولة اللبنانية على الحضور في المنطقة، كما منع السكان المحليين بمؤسساتهم وبلدياتهم وقوى المجتمع من العودة، أي خلق منطقة مفصولة يمكن التعامل معها أمنياً بشكل مستقل، أو تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط تفاوضي على أقل تقدير.

وقد اعتُبر هذا النمط من الاستهداف بمثابة "عقاب جماعي" و"مقدمة لعملية برية" بحسب مواقف رسمية لبنانية.

إن الجسور في هذا السياق تُعدّ امتداداً للسيادة الوطنية، وبنيةً تحتية سيادية ترتفع أهميتها بصورة دراماتيكية؛ بل إن قيمتها، وإن كانت قائمة، تتجلّى أكثر حين تُستهدف، وحين يكون المجتمع والدولة تحت وطأة العدوان. فوجود هذه البنى يعني وحدة الأرض، أما غيابها فيعني الانقطاع المادي الذي يسبق الانقطاع الروحي والمعنوي، كما يسعى إليه الاحتلال. وبذلك، يشكّل أحد المحددات المهمة لشخصية الدولة وحضورها مدى قدرتها على الحفاظ على شبكاتها الحيوية وضمان تدفّق خدماتها إلى شعبها.

من الضرر الموقت إلى جريمة الحرب

وفق القانون الدولي الإنساني، يُعتبر استهداف البنية التحتية المدنية، وخاصة المستشفيات والجسور، خاضعاً لمبدأي التمييز (Distinction)، والتناسب (Proportionality). أي أن أي هجوم يجب أن يميز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وأن يكون الضرر المدني غير مفرط مقارنة بالهدف العسكري. لكن الوقائع الموثقة في جنوب لبنان (وإلى جانب كون العدوان استهداف المقاومة المسلحة غير مشروع نظراً لمسار الصراع وحقائقه الممتدة زمنياً) تشير إلى نمط متكرر من ضرب منشآت طبية محمية قانوناً، واستهداف بنى مدنية حيوية على نطاق واسع، واستخدام تكتيكات مثل الضربات المزدوجة التي تستهدف فرق الإنقاذ، وهذا يفتح الباب أمام توصيف قانوني يتجاوز الأضرار الجانبية إلى "جريمة حرب قائمة على الاستهداف المنهجي للبنية المدنية".

وقد اعتبرت جهات حقوقية أن هذه الضربات قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، خصوصاً عندما تؤدي إلى تعطيل وصول المساعدات وتهديد حياة المدنيين.

الاقتصاد السياسي للعدوان

وعند تحليل هذه العمليات العدوانية من منظور الاقتصاد السياسي، يظهر أن الهدف لا يقتصر على إضعاف الخصم العسكري، بل يتعداه إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية من خلال تدمير البنية التحتية، يتم تحويل الجنوب إلى منطقة منخفضة الإنتاجية، عالية المخاطر وغير جاذبة للاستثمار. ثم فرض كلفة سيادية على الدولة اللبنانية لإعادة إعمار الجسور والمستشفيات التي تتطلب موارد ضخمة، ما يعني زيادة الدين العام واستنزاف الموارد المالية، ومخاطر عالية لإعادة ربط الاقتصاد بالمساعدات الخارجية. الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خلق تبعية اقتصادية، بعد أن تصبح عملية إعادة الإعمار مشروطة سياسياً، كأداة ضغط جيوسياسي.

لكن هل الأمر نجح في السابق؟

الذاكرة الاجتماعية ونموذج العودة في 2006 

في مقابل هذا التدمير الممنهج، تعود الذاكرة الجماعية لسكان الجنوب إلى تجربة عدوان تموز 2006، حين عاد آلاف النازحين سيراً على الأقدام، عابرين الجسور المدمرة، في مشهد شكّل آنذاك إعلاناً رمزياً بأن البنية الاجتماعية والنفسية للسكان أكثر صلابة من البنية التحتية المادية، ومن إرادة العدو.

يومها، لم يكن هذا السلوك عاطفياً فقط، بل حمل في هوائه دلالات اقتصادية واجتماعية عميقة أفضت إلى إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي بسرعة، ومنعت تحقق حالة الفراغ الديموغرافي، وحافظ من خلالها أهل الأرض على حقهم وملكيتهم وارتباطهم بها، وكان النداء السياسي يومها من السيد الشهيد حسن نصرالله والرئيس نبيه بري للسكان، بأن يعودوا ولو سكنوا في خيمة، أو عند بعضهم البعض تحت منزل مدمر. كان ذلك موقف صمود ومشهد صلابة، لكنه كان أيضاً تعبيراً عن وعي استراتيجي بما يرسم للمنطقة وما يحضّر لمستقبل أهلها. 

اليوم، ومع تكرار استهداف الجسور، يعود هذا النموذج كاحتمال واقعي، حيث يصبح الفعل الاجتماعي الذي تمثله العودة، والتمسك بالأرض، شكلاً من أشكال المقاومة الاقتصادية.

ثم إن ما نشهده في الجنوب اللبناني يتجاوز مفهوم الحرب التقليدية، إلى نمطٍ يمكن توصيفه بحرب فرض شروط الحياة المستحيلة، التي تستهدف البنية التحتية والخدمات الأساسية وشبكات الاقتصاد المحلي؛ وهو النمط الذي مارسه الاحتلال أمام أعين العالم في فلسطين المحتلة.

وإذا استمر هذا النمط من الاستهداف لمدة طويلة، فإن الجنوب اللبناني في خطر التحول الاقتصادي القسري، إلى اقتصاد يعتمد على المساعدات والتحويلات الخارجية، وهي أيضاً تحت ضغوط شديدة لمنعها، إلى جانب الضغط الديموغرافي نتيجة النزوح الكثيف، ما يؤدي إلى احتمال تفكير العدو بتغييرات سكانية تنفيذاً لنوايا استيطانية بات يعبر عنها بوضوح، الأمر الذي يعزز مشروعية المقاومة ويضع حضور الدولة في موقف صعب بسبب عدم قدرتها على ممارسة دورها في هذا الحيز.

لكن التجربة التاريخية في لبنان، تؤكد أن المخاوف كلها كانت تسقط تحت قدرة عجيبة من صمود الإرادة التي يعبر عنها بالفعل المقاوم العسكري الميداني من جهة، وقدرة لا تقل صلابة للمجتمع على مواجهة التحديات، والتمسك بالحق والوجود. وبرغم آثارها المدمرة الآنية التي يفرضها المعتدي، فإن تطلعاته البعيدة تصطدم بعنصر يصعب تفكيكه، هو تماسك المجتمع مع أرضه، وهو الذي حسم تاريخياً الآثار الاستراتيجية لكل حرب خاضها.

اخترنا لك