الطائر الذي يطارد الإمبراطورية
المسيّرات الانقضاضية لم تعد مجرد أداة قتالية، بل تحوّلت إلى سلاح نفسي ورمزي يعيد تشكيل معادلة الردع، ويهزّ صورة التفوق والأمان عبر نقل المواجهة من الميدان إلى الوعي والاستنزاف العصبي.
-
الطائر الذي يطارد الإمبراطورية
كان الناس في حروب التاريح يعرفون جهة الموت، ويُقدّرون من أين يصل. كان يأتي من جهة الجبهة، من صوت المدفع أو من هدير الطائرات الثقيلة، من ارتجاج الأرض تحت جنازير الدبابات أو من سهمٍ طائرٍ يحمله معه.
أما في حروب العصر المتغيّرة لحظةً بلحظة، فقد يأتي الموت من شيء صغير يكاد لا يُرى؛ يطنّ في السماء كحشرةٍ معدنية، ثم يهبط فجأة على هدفه كقدرٍ خاطف. هكذا دخلت المسيّرات الانقضاضية التابعة للمقاومة اللبنانية، التي يطلقها حزب الله، إلى مشهد الحرب في الجنوب، لا بوصفها مجرد سلاح عسكري، بل كأداة متكاملة لتحوّل نفسي ورمزي يكسر صورة الهيمنة نفسها.
فهذا السلاح لم يقتصر تأثيره على الميدان، بل أصاب أيضاً البنية المعنوية للاحتلال؛ إذ أضعف قدرته على حشد جنود الاحتياط، وقلّص من فعالية خطابه الموجّه إلى الجبهة الداخلية، وعطّل إمكانية تسويق أي إنجاز عسكري أو أمني باعتباره انتصاراً حاسماً. وأكثر من ذلك، ابتلعت هذه المسيّرات الأثر الدعائي والسمعة التي بناها الاحتلال لعملياته الأمنية خلال السنوات الثلاث الماضية.
لقد تغيّرت طبيعة المواجهات الحديثة؛ فلم تعد تُحسم بالقوة النارية وحدها، بل أصبحت أيضاً معركة صورة وأعصاب ووعي. والتفوّق فيها لا يرتبط فقط بحجم القصف أو الاغتيالات والعمليات الأمنية، بل بقدرة الطرف على زرع الخوف والارتباك في ذهن خصمه، وتقويض إحساسه بالأمان والثقة. لذلك، لم تعد الإنجازات الميدانية وحدها كافية حين تبدأ صورة الردع بالتآكل، ويفقد التفوق النفسي تأثيره أمام خصم قادر على إرباك المعادلة بأدوات أقل كلفة وأكثر تأثيراً.
السماء جبهة نفسية
ثمة مفارقة كثيفة الدلالة في هذه الحرب: دولةٌ تملك واحدةً من أكثر المنظومات العسكرية والتكنولوجية تعقيداً في العالم، بكل راداراتها وأقمارها الصناعية وطائراتها وأنظمة اعتراضها، ترزح تحت مواجهة طائرة صغيرة، بدائية نسبياً، منخفضة الكلفة، لكنها قادرة على التسلل، والظهور، وإثارة الذعر، والوصول إلى هدفها.
ولا يقوم تقدير الأثر هنا على حجم التدمير فقط، بل على معنى أن تصل هذه الأداة الصغيرة إلى قلب ربيبة الإمبراطورية الأميركية، "إسرائيل". أن تصل هذه المسيرات أهدافها، هذه وحدها قصة كاملة، لأن "إسرائيل" بنت جزءاً كبيراً من صورتها الاستراتيجية على فكرة السيطرة المطلقة على السماء.
والسماء بالنسبة لها ليست مجرد مجال جوي، بل رمز للتفوّق، وللقدرة على الرؤية المطلقة وللاختراق الدائم، ولأن تكون فوق الجميع دائماً. ثم تأتي مسيّرة صغيرة من جنوب لبنان، لتقول شيئاً معاكساً تماماً هو إن السماء لم تعد مغلقة، وهذا يفتح الباب على تشكيل وعيٍ أمنيٍ جديد ومختلف.
إن فكرة المسيّرة الانقضاضية سياسية ونفسية كاملة، فهي تقول إن الزمن تغيّر، وإن احتكار القوة الجوية لم يعد كما كان، وإن جماعةً صغيرة نسبياً تستطيع أن تفرض على دولة متفوقة أن تنظر إلى السماء بقلق.
في السابق، كانت القوة الجوية امتياز الإمبراطوريات والجيوش الكبرى، وفي حالة "إسرائيل"، عانت شعوب المنطقة من التفوق الجوي الإسرائيلي الكامل، أما اليوم، فإن الحرب نفسها أصبحت أكثر ديمقراطية ووحشية في آنٍ واحد. السماء التي كانت حكراً على الطائرات المقاتلة الباهظة، باتت مزدحمةً بأشياء صغيرة، رخيصة، سريعة، يصعب رصدها، ويصعب التنبؤ بمسارها. وهذا التحول وحده يكفي ليشرح لماذا تبدو المسيّرات أحياناً أخطر من حجمها الحقيقي.
الخوف مما هو مخفي
في علم النفس العسكري، لا يعيش الإنسان أقصى درجات الرعب عندما يرى الخطر بوضوح، بل عندما يشعر أن الخطر قد يكون موجوداً في أي لحظة. وهنا تكمن عبقرية المسيّرات المرعبة التي دخلت وسائل الحرب قبل سنواتٍ قليلة فقط. هي لا تحتاج دائماً إلى الانفجار كي تنتصر نفسياً، بل يكفي أن تكون هناك، وأن يعرف الجندي أن شيئاً صغيراً قد ينقض عليه من السماء. أن يسمع طنيناً بعيداً، فلا يعرف إن كان مجرد صوت عابر أم بداية موت. أن يعيش في حالة ترقب دائمة.
وهذا النوع من الحروب الطويلة تُنهك الأعصاب والنفوس، والمسيّرات تنتمي إلى هذا النوع من الأسلحة التي تستنزف الجهاز العصبي للخصم ببطء، فتجعل السماء نفسها غير مستقرة، وتحوّل الهواء إلى مساحة شك.
لكن التأثير الأكبر للمسيّرات يحدث في الميدان، كما على الشاشات. ففي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد المعركة تُخاض فقط في الخنادق، بل أيضاً داخل الهواتف المحمولة. كل مقطع مصوّر لمسيّرة تخترق المجال الإسرائيلي، أو تقترب من موقع حساس، أو تنقض على هدفها، يتحول خلال دقائق إلى حدث نفسي وإعلامي واسع، وهنا يصبح للصورة وزنٌ يكاد يوازي وزن الصاروخ نفسه.
وعلى الجانب الآخر، تقول الصورة لجمهور المقاومة شيئاً بالغ الأهمية، هو أن الحديث عن عجز المقاومة غير واقعي، وأن الحصار عليها لن يوقفها عن أداء واجباتها، وأنها قادرة الآن، على الوصول أينما أرادت، بكفاءة وفاعلية وجودة وتأثير.
وفي الحروب القاسية كالحرب الدائرة الآن، تحتاج المجتمعات دائماً إلى هذا النوع من المعنى كي تتحمل الألم. فالناس لا يعيشون على الوقائع العسكرية وحدها، بل على الإحساس بالكرامة والقدرة والاستمرار. ولهذا، فإن مشهد مسيّرة صغيرة تعبر الحدود قد يمنح جمهوراً كاملاً شعوراً معنوياً يتجاوز بكثير حجم الأضرار المادية التي أحدثتها.
معضلة السماء المفتوحة
أما في الداخل الإسرائيلي، فالمسيّرات تضرب منطقة شديدة الحساسية، هي نقطة الإحساس بالأمان. لقد بني المجتمع الإسرائيلي نفسياً لعقود على فكرة أن التكنولوجيا قادرة على الحماية، وأن الجيش يرى كل شيء، ويمنع كل شيء، ويصل إلى كل شيء. لكن المسيّرات تخلق شروخاً في هذه الصورة تحديداً.
والخطير في الشقوق النفسية أنها لا تحتاج إلى انهيار كامل كي تؤثر. ويكفي أن يظهر احتمال الاختراق، وأن يشعر الناس أن هناك شيئاً ما تغيّر. لهذا تبدو المسيّرات مزعجة إلى هذا الحد، لأنها لا تضرب الأهداف فقط، بل تضرب الثقة أيضاً.
وثمة أثر آخر شديد في هذا المشهد. إذ إن المسيّرة الصغيرة قد تكلّف بضعة آلاف من الدولارات، بينما قد تحتاج "إسرائيل" إلى استخدام وسائل اعتراض ورصد تكلّف مئات آلاف الدولارات لمواجهتها. وهنا تظهر مفارقة الحرب الحديثة التي تقول إن الفقير عسكرياً لا يحاول دائماً أن يهزم الغني، بل أن يستنزفه، وأن يجبره على الإنفاق، وعلى الاستنفار، وعلى القلق الدائم. وفي هذا المعنى، تكون المسيّرات سلاح استنزاف نفسي واقتصادي معاً.
وهذا يفسر أن ما يجري في جنوب لبنان أصبح جزءاً من تحوّل عالمي أوسع. لقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية أيضاً أن المسيّرات أصبحت من أهم أدوات الحرب الحديثة، وأن الجيوش التقليدية نفسها لم تعد محصنة كما كانت. لكن خصوصية الحالة اللبنانية تكمن في بعدها الرمزي. فهنا، تُستخدم المسيّرات لإعادة صياغة العلاقة النفسية بين الجيش الإسرائيلي وجبهته الداخلية، وبين فكرة التفوق المطلق والأمن الذي يتحقق بالقتل والقوة والمزيد منهما.
كانت الطائرات الإسرائيلية تعني للبنانيين شعوراً دائماً بالعجز والمراقبة والتهديد. أما اليوم، فإن وجود مسيّرات المقاومة يخلق شعوراً معاكساً لدى جزء من البيئة الحاضنة يقول إن السماء ليست لطرف واحد فقط. وهذه النقطة بالذات تفسر كل هذا الحضور العاطفي والرمزي للمسيّرات في الخطاب الحربي والإعلامي.
ومع أن المسيّرات الانقضاضية قد لا تكون السلاح الأكثر تدميراً، فإنها تُعدّ من أكثر الأدوات قدرةً على تغيير الإحساس بالمواجهة نفسها؛ إذ تنقل الصراع من الميدان إلى الأعصاب، وتزرع القلق وتُربك اليقين. وفي المقابل، تعيد لأصحاب الأرض ثقتهم بجدوى فعلهم وبأثر تضحياتهم، تلك التضحيات التي تهدف، في جوهرها، إلى الدفاع عن حقهم في أرضهم وبلادهم، في مواجهة محاولات الإخضاع والاقتلاع التي تتجدد بأشكال مختلفة.