استهداف القطاع الصحي جنوبي لبنان.. انتهاك إنساني يهدد حياة المدنيين

يكشف استهداف المستشفيات والطواقم الطبية والفرق الإسعافية في جنوب لبنان حجم التداعيات الإنسانية للاعتداءات الإسرائيلية، وسط تحذيرات قانونية من أن هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.

0:00
  • استهداف القطاع الصحي جنوبي لبنان.. انتهاك إنساني يهدد حياة المدنيين
    استهداف القطاع الصحي جنوبي لبنان.. انتهاك إنساني يهدد حياة المدنيين

شكّل استهداف القطاع الصحي في جنوب لبنان أحد أخطر تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، لما ينطوي عليه من آثار إنسانية وصحية مباشرة على المدنيين. فقد تعرّضت المستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف والفرق الإسعافية لسلسلة من الهجمات والأضرار التي أعاقت قدرتها على تقديم الخدمات الطبية الطارئة والرعاية الصحية الأساسية، في وقت كانت الحاجة إليها تتزايد مع تصاعد الاعتداءات والمجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي.

وأدى هذا الاستهداف إلى إضعاف الاستجابة الطبية في المناطق المستهدفة، وتعريض حياة المرضى والجرحى والعاملين في القطاع الصحي لمخاطر جسيمة، فضلاً عن إلحاق أضرار مادية وبشرية كبيرة بالمرافق والتجهيزات الصحية، ولا سيما في منطقة صور، حيث تعمّد الاحتلال، كما في مناطق أخرى، استهداف المستشفيات والفرق الإسعافية بشكل مباشر.

ويُعدّ المساس بالمؤسسات الصحية والطواقم الطبية انتهاكاً للقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي يكفل حماية المرافق الصحية والعاملين فيها خلال النزاعات المسلحة، ويؤكد ضرورة ضمان استمرارية الخدمات الطبية للسكان المدنيين من دون عوائق.

الاحتلال يتعمّد استهداف المستشفيات

لم تكن المستشفيات في الجنوب بمنأى عن الاستهدافات الإسرائيلية، إذ تعرّض العديد منها لغارات مباشرة، ولا سيما في منطقة صور.

ففي الأول من حزيران/يونيو الجاري، شنّ الاحتلال الإسرائيلي غارات عنيفة على محيط مستشفى جبل عامل في صور، أدت، وفق مدير المستشفى الدكتور وائل مروّة، إلى إصابة 39 من أفراد الطاقم الطبي والتمريضي والإداري، بينهم أربعة أطباء و35 ممرضاً وموظفاً، فيما لا يزال ثلاثة منهم يتلقون العلاج في العناية الفائقة. كما تسببت الغارات بأضرار جسيمة في مختلف طوابق وأقسام المستشفى، ولا سيما قسم العناية الفائقة وموقف السيارات.

ويقول الدكتور مروّة للميادين نت: "لملمنا جراحنا وأكملنا عملنا في المستشفى"، مشيراً إلى استحداث غرفة عناية فائقة جديدة مباشرة بعد الاعتداء. وأضاف: "لم يتضرر أي من المرضى الموجودين في العناية الفائقة، وبفضل الجهود الكبيرة التي بذلها الفريق الطبي والتمريضي فوق الركام، إضافة إلى الفرق الإسعافية التي توافدت من مختلف المناطق ومدّت يد العون".

وتابع أن هذا التعاون يأتي "لنستمر جميعاً في الصمود"، مؤكداً أن "هذا الاعتداء لا يزيدنا إلا ثباتاً، والمستشفى سيبقى ملتزماً بواجبه المهني والإنساني تجاه أهلنا مهما بلغت التضحيات، ولن نترك الجنوب"، مع الإشارة إلى المتابعة المستمرة والتنسيق الدائم مع غرفة عمليات وزارة الصحة العامة.

بدوره، تعرّض مستشفى حيرام في مدينة صور، قبل أيام، لغارات إسرائيلية استهدفت محيطه المباشر. وأفاد رئيس مجلس إدارة المستشفى الدكتور سلمان عيديبي للميادين نت بأن الغارات أدت إلى إصابة عدد من العاملين بجروح، وإلحاق أضرار مادية جسيمة بالمبنى والمعدات الطبية وأجهزة المراقبة.

وأوضح أن شركات المستلزمات الطبية والأدوية باتت عاجزة حالياً عن الوصول إلى منطقة صور بسبب المخاطر الأمنية المرتفعة، ما يضطر موظفي المستشفى إلى المخاطرة بأنفسهم والتوجه إلى مدينة صيدا لتأمين المستلزمات الطبية والأدوية والمواد الغذائية. كما أشار إلى وجود متابعة وتنسيق دائمين من قبل وزارة الصحة، مناشداً توفير الحماية للطواقم الطبية والإسعافية التي تتعرض، شأنها شأن المدنيين، للاستهداف المتكرر.

الفرق الإسعافية: مستمرون وفاءً للتضحيات

في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة وما تفرضه من تحديات إنسانية وأمنية متزايدة، تواصل الفرق الإسعافية أداء دورها في الاستجابة للطوارئ وإنقاذ الأرواح، متمسكة برسالتها الإنسانية برغم المخاطر الكبيرة التي تواجه عناصرها ومراكزها الميدانية.

ويشير رئيس مركز صور الإقليمي في المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني، موسى نصر الله، للميادين نت، إلى أن الدفاع المدني يواصل أداء مهامه الإنسانية في جنوب لبنان برغم المخاطر المتصاعدة والاستهدافات المتكررة التي تطال الفرق الإسعافية، وذلك تنفيذاً لتوجيهات المدير العام للدفاع المدني العميد عماد خريش بضرورة البقاء إلى جانب المواطنين وتقديم الخدمات ضمن الإمكانات المتاحة.

وقد تكبّدت الفرق الميدانية خسائر كبيرة، حيث سقط عدد من الشهداء والجرحى، معظمهم من المتطوعين، أثناء تنفيذ عمليات الإنقاذ والإسعاف.

وبرغم تلقي بعض المراكز، ومنها مركز صور، إنذارات بالإخلاء، استمر العمل من مواقع بديلة داخل المدينة، فيما واصلت معظم المراكز نشاطها باستثناء مركزي علما الشعب والقليلة.

وتواجه الفرق تحديات كبيرة تتمثل في كثافة القصف، وصعوبة الوصول إلى مواقع الاستهداف، وتغيّر معالم الأحياء والبلدات المتضررة، إضافة إلى تعدد الغارات في مناطق مختلفة في الوقت نفسه، ما يعيق سرعة الاستجابة.

وفي هذا السياق، تواصل فرق الدفاع المدني تدخلاتها على مستويات الإسعاف والإطفاء ورفع الأنقاض، بدعم من مؤسسات المجتمع المدني، انطلاقاً من التزامها الإنساني والمهني، ووفاءً لرسالتها ولتضحيات شهدائها الذين دفعوا ثمن بقائهم إلى جانب الناس في أحلك الظروف.

استهداف المرافق الطبية يرقى إلى جرائم حرب

من الثابت أن القانون الدولي الإنساني أولى حماية استثنائية للمستشفيات والطواقم الطبية وفرق الإسعاف، واعتبر استهدافها من أخطر الانتهاكات خلال الحروب.

ويوضح عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين، جهاد إسماعيل، أن أحكام القانون الدولي الإنساني تمنح المستشفيات والمرافق الطبية الأخرى، سواء كانت مدنية أم عسكرية، حماية خاصة تتجاوز الحماية العامة الممنوحة للأعيان المدنية الأخرى، بما يضمن استمرار قدرتها على أداء وظائفها وتقديم الرعاية الطبية المنقذة للأرواح.

ويلتزم أطراف النزاعات المسلحة، بموجب المواد 9 و10 و11 من اتفاقيات جنيف، باحترام المستشفيات والمرافق الطبية وحمايتها في جميع الأحوال. كما وسّعت هذه الأحكام دائرة الحماية لتشمل وسائل النقل الطبي المختلفة.

وبناءً على ذلك، حدّدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نطاقاً واسعاً للحماية يشمل وسائل النقل الطبية المدنية والعسكرية على حد سواء، شرط أن تكون مخصصة حصراً للأغراض الطبية. وبالتالي، فإن ارتباط جهة إغاثية بأحد أطراف النزاع لا يحرمها من الحماية القانونية طالما بقي نشاطها محصوراً بالأغراض الطبية والإنسانية.

ويؤكد إسماعيل أن المدنيين لا يفقدون صفتهم المدنية بمجرد انتمائهم إلى مؤسسات أو هيئات مدنية قريبة من جهة سياسية أو عسكرية، بل يبقون مشمولين بالحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني.

ويضيف أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنّف الهجمات المتعمدة على المستشفيات والطواقم الطبية ضمن جرائم الحرب، ما يتيح للدولة المتضررة، حتى وإن لم تكن طرفاً في النظام الأساسي، تقديم إعلان بقبول اختصاص المحكمة للنظر في الجرائم المرتكبة على أراضيها، متى كانت الأفعال المشكو منها تدخل ضمن اختصاص المحكمة.

اخترنا لك