عمليات الهدم في بلدة المزرعة بريف حمص.. تنظيم عمراني أم تهجير للسكان؟

تشهد بلدة "المزرعة" في ريف حمص عمليات هدم للمنازل أثارت احتجاجات واسعة، فيما يتهم الأهالي السلطات بالتهجير القسري والتغيير الديموغرافي، بينما تؤكد المحافظة أن الإجراءات تأتي ضمن مخطط تنظيمي وإزالة للمخالفات.

0:00
  • عمليات الهدم في بلدة المزرعة بريف حمص.. تنظيم عمراني أم تهجير للسكان؟
    عمليات الهدم في بلدة المزرعة بريف حمص.. تنظيم عمراني أم تهجير للسكان؟

بينما كانت الجرافات وآليات الحفر الثقيلة تهدم المنازل وتجرف الأراضي في بلدة المزرعة بريف حمص، كان آلاف السكان يشاهدون منازلهم تُزال أمام أعينهم، في مشهد أثار غضباً واسعاً داخل البلدة، وسط اتهامات بأن الاعتراض على قرار الهدم بات يقود أصحابه إلى الاعتقال على يد القوات الأمنية.

وتعود بداية الأحداث إلى يوم الاثنين 29 حزيران/يونيو، عندما وصلت تعزيزات أمنية وعسكرية، ترافقها جرافات وآليات حفر ثقيلة، إلى البلدة الواقعة على المدخل الغربي لمدينة حمص على طريق حمص – طرطوس الدولي، تمهيداً لتنفيذ قرار يقضي بهدم المنازل، استناداً إلى مخطط تنظيمي، بحسب السلطات، ومن دون توفير مساكن بديلة أو تعويضات مالية للأهالي.

وباشرت الجرافات، بإسناد من القوى الأمنية، عمليات الهدم بعد قطع المياه والكهرباء عن البلدة، التي يقطنها غالبية من أبناء الطائفة الشيعية.

وأثارت العملية حالة من الاحتقان داخل البلدة، حيث خرج الأهالي في احتجاجات رفضاً لقرار الهدم، قبل أن تتدخل القوى الأمنية لتفريق المحتجين بإطلاق النار، وفق مصادر محلية.

وعلى وقع الاحتجاجات، انسحبت القوى الأمنية مؤقتاً، بعدما منحت السكان مهلة ثلاثة أيام لإخلاء منازلهم، محذرة من أن أي منزل لا يتم إخلاؤه سيُهدم بمن فيه.

لكن المهلة المعلنة لم تدم سوى ساعات، إذ عادت في اليوم التالي أرتال الأمن العام، مدعومة بالآليات المصفحة والجرافات، لاستكمال عمليات الهدم في مختلف أنحاء البلدة.

ومع استئناف العمليات، هُدمت عشرات المنازل، بينها عقارات مسجلة رسمياً في السجل العقاري، بالتزامن مع حملة اعتقالات طالت عدداً من الرجال والنساء الذين اعترضوا على القرار، بحسب مصادر محلية.

وأفادت مصادر من داخل البلدة لـلميادين نت بأن القوى الأمنية التابعة للحكومة الانتقالية اعتقلت السيدة فاطمة غراب، زوجة الشيخ رسول شحود.

وكان الشيخ رسول شحود أحد أبرز وجهاء الطائفة الشيعية في سوريا، قبل أن يُقتل قبل عام بإطلاق نار على سيارته  في منطقة السيدة زينب بريف دمشق.

كما تداول ناشطون مقطع فيديو قالوا إنه يوثق لحظة اعتقال أحد الشبان داخل مبنى البلدية، حيث تعرض، وفق الفيديو المتداول، للضرب المبرح مع توجيه شتائم ذات طابع طائفي إليه.

وتؤكد مصادر من داخل البلدة أن اعتراض الأهالي لا يتعلق بإزالة الأبنية المخالفة، وإنما يشمل هدم المنازل المنظمة والمسجلة منذ سنوات في الدوائر العقارية، مشيرة إلى أن معظم أصحاب هذه المنازل يملكون وثائق رسمية تثبت ملكيتهم.

كما تقول المصادر إن الأهالي طلبوا لقاء محافظ حمص لعرض قضيتهم وإبراز الوثائق التي تثبت حقوقهم العقارية، إلا أن طلبهم قوبل بالرفض، من دون الاستجابة لمطالبهم.

رسالة إلى الشرع.. ومخاوف من التهجير

في محاولة لوقف عمليات الهدم وما يصفونه بـ"التغيير الديموغرافي والتهجير القسري"، وجّه أهالي وأعيان وعائلات بلدة المزرعة رسالة إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، عبّروا فيها عن قلقهم من قرار هدم المنازل وترحيل السكان، من دون منحهم مهلة كافية لمراجعة الجهات المختصة وإثبات حقوقهم القانونية.

وأكد الأهالي أن تنفيذ القرار بهذه الطريقة يهدد بتشريد مئات العائلات وآلاف السكان، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن، وتركهم من دون مأوى، في وقت لا تزال فيه سوريا تعاني من تداعيات الحرب وأزمات النزوح والظروف المعيشية الصعبة.

وأشاروا في رسالتهم إلى امتلاكهم وثائق ومستندات رسمية تثبت ملكيتهم للعقارات، مطالبين بإتاحة المجال أمام القضاء السوري للنظر في هذه الملفات قبل تنفيذ أي إجراءات قد تفضي إلى نتائج يصعب تداركها.

وجاء في الرسالة أن أبناء المكون الشيعي في البلدة، بوصفهم جزءاً من النسيج الوطني السوري، يناشدون الرئيس الانتقالي التدخل لإعادة النظر في قرار محافظة حمص، ووقف عمليات الهدم إلى حين استكمال المسارات القانونية والقضائية، بما يضمن تحقيق العدالة وصون حقوق جميع الأطراف.

كما طالب الأهالي بإحالة الملف إلى القضاء المختص، ومنحهم الفرصة الكاملة لتقديم الوثائق التي تثبت ملكيتهم، وصولاً إلى حل قانوني يحفظ الحقوق ويجنب مئات العائلات خطر التشريد.

تهجير أم تنظيم؟

ولم تكن بلدة المزرعة أولى المناطق التي تواجه قرارات مماثلة في ريف حمص، إذ سبق أن تعرضت قرية الرقة قبل نحو عام لإجراءات مشابهة، يقول سكانها إنها انتهت بنزوح عدد من الأهالي.

وتشير معلومات حصلت عليها الميادين نت إلى أن قرى عدة تضم أقليات دينية في محافظة حمص وريفها تعرضت خلال الفترة الماضية لضغوط ومضايقات، تتهم مصادر محلية فصائل مسلحة موالية للحكومة الانتقالية بالوقوف خلفها، بهدف دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، وهو ما يصفه مراقبون بأنه تغيير ديموغرافي على أساس الهوية والانتماء الطائفي.

وتفيد المعطيات، بحسب المصادر، بأن أكثر من 60 ألفاً من أبناء الطائفة الشيعية غادروا بلداتهم في ريف حمص الشمالي والشرقي منذ سقوط نظام بشار الأسد، فيما يهدد قرار هدم المنازل في بلدة المزرعة اليوم نحو 15 ألف شخص بفقدان مساكنهم، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تعيشها البلاد.

وبالتزامن مع عمليات الهدم، أطلقت حسابات ومنصات محسوبة على الحكومة الانتقالية حملة إعلامية استهدفت، بحسب الأهالي، التحريض على سكان البلدة وعلى الأقليات الدينية في سوريا، في مشهد يقولون إنه يشبه الحملات التي سبقت عمليات نزوح شهدتها مناطق في دمشق وحمص وحماة والساحل السوري، والتي اعتُبرت محاولة لإضفاء شرعية على عمليات التهجير والتغيير الديموغرافي.

رواية المحافظة.. واعتراض الأهالي

أثارت مشاهد هدم المنازل في بلدة المزرعة موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط انتقادات طالت محافظة حمص بسبب طريقة تعاملها مع الملف، ولا سيما في ظل غياب حلول بديلة للأهالي الذين يواجهون خطر فقدان مساكنهم.

وفي محاولة لتوضيح موقفها، أصدر مجلس مدينة حمص بياناً أكد فيه أن الأراضي المقام عليها البناء مستملكة، وأن عمليات الإخلاء والهدم تأتي في إطار تنفيذ مخطط تنظيمي يهدف إلى إنشاء ضواحٍ سكنية حديثة.

وأوضح المجلس أن قرارات الإخلاء لم تكن مفاجئة، مشيراً إلى أن إنذارات رسمية وُجهت إلى شاغلي العقارات منذ أكثر من عام، وأن عمليات الهدم تندرج ضمن خطة لإزالة التعديات والمخالفات السكنية وإعادة تأهيل المنطقة عمرانياً.

وأضاف البيان أن الجهات المعنية استنفدت جميع الإجراءات الإدارية والقانونية، ومنحت السكان مهلاً كافية لتسوية أوضاعهم وإخلاء المواقع قبل الشروع في التنفيذ.

في المقابل، رفض أهالي المزرعة هذه الرواية، مؤكدين أن البلدة ليست منطقة عشوائية، وأن معظم المنازل المشمولة بقرار الهدم مسجلة أصولاً في السجلات العقارية، ويملك أصحابها وثائق رسمية تثبت ملكيتهم.

ويقول الأهالي إن اعتراضهم لا يطال إزالة الأبنية المخالفة، وإنما يشمل هدم منازل قائمة بصورة قانونية منذ سنوات طويلة، معتبرين أن ما يجري يتجاوز تنفيذ مخطط تنظيمي ليصل، بحسب وصفهم، إلى تجريد السكان من ممتلكاتهم وتهجيرهم من منطقتهم.

كما يشددون على أنهم لم يرفضوا اللجوء إلى القضاء، بل طالبوا بإحالة الملف إلى الجهات القضائية المختصة للفصل في النزاع، وإتاحة الفرصة لهم لإبراز الوثائق التي تثبت حقوقهم، قبل تنفيذ أي قرارات نهائية.

وفي ظل تمسك كل طرف بروايته، تستمر عمليات الهدم في البلدة، بينما تتصاعد مخاوف الأهالي من اتساع رقعة التشريد، في وقت لا تزال فيه سوريا تواجه تحديات إنسانية واقتصادية معقدة، ويطالب السكان بوقف الإجراءات مؤقتاً إلى حين حسم الملف عبر المسارات القانونية والقضائية.

اخترنا لك