حقيبة النزوح لا تُغلق.. أهالي الضاحية الجنوبية بين التهجير والعودة
فرضت التهديدات الإسرائيلية موجة نزوح جديدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أن الأهالي وأصحاب الأعمال يواصلون التمسك بمنازلهم ومصادر رزقهم، مؤكدين أن العودة تبقى خيارهم الدائم برغم الترهيب المستمر.
-
حقيبة النزوح لا تُغلق.. أهالي الضاحية الجنوبية بين التهجير والعودة (الأخبار)
لم يكد أهالي الضاحية الجنوبية لبيروت يلتقطون أنفاسهم ويستعيدون بعضاً من إيقاع حياتهم اليومية، حتى فوجئوا، يوم الاثنين في الأول من حزيران/يونيو، بجولة جديدة من الحرب النفسية والتهجير القسري. فقد فرضت التهديدات الإسرائيلية والإنذارات العدوانية موجة نزوح طارئة هدفت إلى إفراغ المنطقة، لتسجّل الضاحية فصلاً جديداً من فصول التهجير تحت وطأة الترهيب المستمر.
وجاء النزوح المفاجئ ليقطع الطريق على وتيرة الاستقرار المؤقت التي بدأت تتسلل تدريجياً إلى شوارع المنطقة منذ إعلان ما سُمّي بالهدنة في 16 أيار/مايو الماضي. فبعد أن استعادت بعض المحال التجارية والمطاعم والمقاهي والأفران جزءاً من نشاطها، أعادت تهديدات الاحتلال عقارب الساعة إلى الوراء، مجبرة أكثر من 600 ألف من سكان المنطقة على خوض تجربة النزوح مجدداً.
غير أن النزوح المتكرر لم يعد مجرد حدث طارئ يفرضه التصعيد العسكري، بل تحوّل إلى جزء من الحياة اليومية لسكان الضاحية، الذين باتوا يعيشون بين العودة والرحيل، وبين التمسك بالمكان والاستعداد الدائم لمغادرته.
حقيبة النزوح.. قطعة أثاث دائمة
تختصر قصة المواطنة ريم صبرا جانباً من هذا الواقع الذي يعيشه آلاف السكان، حيث أصبح النزوح تجربة متكررة تترك آثارها على تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الاستقرار والانتماء.
وتلخص ريم هذا الشعور بقولها للميادين نت: "الضاحية هي وطني بعد الجنوب". وقد اضطرت إلى النزوح للمرة الثالثة نحو منطقة رأس النبع، متمنية لو كان بإمكانها حمل منزلها بأكمله معها، بما يحمله من ذكريات وتفاصيل شخصية.
وفي مشهد بات مألوفاً داخل كثير من منازل الضاحية، تحولت "حقيبة النزوح" الموضوعة خلف الأبواب إلى قطعة أثاث ثابتة لا تُفرغ محتوياتها بالكامل، وكأنها إعلان دائم عن احتمال الرحيل في أي لحظة.
وسبق لريم أن نزحت مرات عدة تحت القصف، ومع إعلان الهدنة قررت العودة إلى منزلها، لكن تهديدات الاحتلال الجديدة دفعتها إلى المغادرة مجدداً، لتجد نفسها عالقة في حلقة لا تنتهي من الترقب وعدم اليقين.
وتقول: "فكرة النزوح بحد ذاتها مرهقة. كلما عدنا يهددون بالقصف فنضطر إلى المغادرة من جديد. نقضي الوقت على أعصابنا متسائلين متى سيبدأ القصف فجأة".
وتضيف: "أمام عدو لا يمكن الوثوق به، أصبحت أغراضنا جاهزة دائماً، وهذا غيّر نمط حياتنا بالكامل".
ولا يقتصر هذا الشعور على المنازل والعائلات، بل ينسحب أيضاً على أصحاب المصالح الصغيرة الذين يحاولون استعادة أعمالهم في ظل واقع أمني متقلب.
المصالح مترنحة في الضاحية
من بين القطاعات التي عادت إلى العمل، ولو بشكل محدود، محال الحلاقة، ومنها محل علي شومان الذي يروي قصة إصرار استثنائية على البقاء والعودة برغم الخسائر المتكررة.
فلم يمنعه تدمير محله الأول بالكامل خلال حرب عام 2024 من شراء محل آخر في منطقة الجاموس، لكن طائرات الاحتلال عادت واستهدفت المبنى المقابل له، ما ألحق أضراراً بالمحل الجديد وأجبره على البحث عن مكان آخر. وبرغم الخسائر المتتالية، رفض علي الانتقال خارج الضاحية، فاشترى محلاً جديداً في منطقة الحدث.
ومع تهديد جيش الاحتلال بقصف الضاحية يوم الاثنين، اضطر إلى النزوح مجدداً، مؤكداً للميادين نت أن ما يقوم به الاحتلال يندرج ضمن حرب نفسية تستهدف ترهيب المدنيين ودفعهم إلى مغادرة الضاحية بشكل دائم.
ويقول: "لا يمكننا الاستسلام، فنحن نريد أن نعيش. هنا ترعرعت، وهنا منزلي، كما أن زبائني في هذا المحيط، وأنا سعيد ببقائي في هذه المنطقة".
وعن احتمالية العودة للاستقرار الدائم، يشير إلى أن "عودتنا تعني فشل مخطط الاحتلال، لذلك فإن نزوحنا اليوم مؤقت، أما العودة فحتمية ودائمة بعد انتهاء الحرب".
وبرغم التهويل المستمر والظروف الصعبة، واصل علي استقبال الزبائن عند الطلب، معتمداً نظام المواعيد المسبقة، حيث يفتح محله عند الحاجة ثم يعود إلى مكان نزوحه بعد انتهاء العمل.
ولا يختلف واقع علي كثيراً عن حال عشرات أصحاب المحال في الضاحية، الذين باتوا يفتحون أبواب مؤسساتهم ويغلقونها تبعاً للتطورات الأمنية وحركة السكان بين العودة والنزوح. فاستمرار العمل لم يعد مرتبطاً بساعات الدوام المعتادة، بقدر ما أصبح رهناً بمدى استقرار الأوضاع وإقبال الناس على ارتياد المنطقة.
وتعكس هذه التجارب الفردية جانباً من التأثير الاقتصادي والاجتماعي الذي تتركه التهديدات المتكررة على المنطقة وسكانها.
وفي هذا السياق، أشار المدير التنفيذي لإحدى شركات التوصيل، في اتصال هاتفي، إلى أن نسبة الطلبات المتجهة إلى الضاحية الجنوبية انخفضت بنحو 88% بين شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل مقارنة بالفترة السابقة خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية. إلا أن الفترة الممتدة بين 16 و30 أيار/مايو، أي بعد إعلان الهدنة، شهدت تحسناً ملحوظاً في حركة التوصيل، حيث ارتفعت بنسبة 18%، ما يعكس عودة تدريجية للنشاط الاقتصادي قبل أن تعيد التهديدات الأخيرة خلط المشهد من جديد.
ومن هنا، تبدو التهديدات الأخيرة أبعد من كونها إجراءً عسكرياً عابراً، إذ تترك آثاراً مباشرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتضع السكان أمام تحدٍ دائم يتمثل في كيفية استعادة حياتهم وسط حالة مستمرة من عدم الاستقرار.
الناس يعيدون إنتاج الحياة
وبرغم كل ما سبق، فإن الصورة لا تكتمل عند حدود النزوح والخسائر، بل تمتد إلى مشاهد يومية تعكس قدرة السكان على إعادة بناء تفاصيل حياتهم كلما سنحت لهم الفرصة.
فتجربة علي وريم ليست سوى نموذج مصغر لواقع أوسع يعيشه أهالي الضاحية الجنوبية الذين سارعوا إلى العودة إلى أحيائهم فور توقف العدوان على بيروت، محاولين استعادة تفاصيل حياتهم اليومية برغم ما خلّفته الحرب من دمار وخسائر.
وخلال فترة الهدنة، بدت المنطقة وكأنها تستعيد نبضها تدريجياً بأبسط الإمكانات المتاحة، بعدما افتقرت طوال أسابيع الحرب إلى الحد الأدنى من المقومات الخدماتية. وشكّل هذا المشهد دليلاً واضحاً على الدور المحوري للسكان في إعادة إنتاج الحياة برغم الظروف القاسية.
لقد كانت عودة الناس إلى المقاهي الشعبية والمتاجر والأسواق الصغيرة بمثابة إعلان يومي للتمسك بالحياة ومحاولة لإعادة تحريك الدورة الاقتصادية المحلية، في مواجهة محاولات الاحتلال القضاء على مظاهر الاستقرار والحياة الطبيعية.
وبرغم حجم الدمار والضغوط الأمنية، يواصل أبناء الضاحية إثبات قدرتهم على استعادة المكان وإعادة الحياة إليه، مستندين إلى روح جماعية ترى في البقاء شكلاً من أشكال المقاومة اليومية. فكل عودة إلى منزل، وكل محل يفتح أبوابه من جديد، وكل مقهى يستقبل رواده، يحمل رسالة واحدة مفادها أن الحياة، مهما تعرضت للتهديد، قادرة على أن تجد طريقها من جديد.