الحرب تضرّ بالزراعة والبيئة جنوب لبنان: خسائر تتفاقم وخطط للتعافي

ألحقت الحرب الإسرائيلية أضراراً واسعة بالقطاع الزراعي والبيئة في لبنان، ما دفع الجهات الرسمية والمدنية إلى إطلاق خطط استجابة وتوثيق الخسائر تمهيداً للتعافي والمساءلة الدولية.

0:00
  • الحرب تضرّ بالزراعة والبيئة جنوب لبنان: خسائر تتفاقم وخطط للتعافي
    الحرب تضرّ بالزراعة والبيئة جنوب لبنان: خسائر تتفاقم وخطط للتعافي

يشهد القطاعان الزراعي والبيئي جنوبي لبنان تدهوراً كبيراً نتيجة الحرب الإسرائيلية وسياسة "الأرض المحروقة" التي طالت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية، مخلفة تداعيات بيئية واقتصادية واجتماعية واسعة. وفي مواجهة هذه الأضرار، باشرت الوزارات المعنية تنفيذ عمليات مسح وتوثيق للخسائر، بالتوازي مع إعداد خطط استجابة لدعم القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي والحد من آثار التدمير البيئي.

أضرار واسعة تهدد الأمن الغذائي

بحسب التقرير الرابع الصادر عن وزارة الزراعة في 4 أيار/مايو، بلغت المساحات الزراعية المتأثرة نحو 56,264 هكتاراٍ، بينها 18,559 هكتاراٍ تعرضت لتدمير مباشر، فيما تضررت 64 بلدة جنوبية وما يرتبط بها من أراض زراعية وشبكات ري ومنشآت إنتاجية وغذائية.

وشملت الخسائر نحو 11,075 هكتاراٍ من أشجار الفاكهة و6,600 هكتار من أشجار الزيتون، فيما نزح 77.9% من المزارعين عن بلداتهم. كما تضررت 4,269 هكتاراٍ إضافية من الأراضي الزراعية، و1,617 مزرعة، و793 خيمة زراعية، إضافة إلى منشآت التصنيع الغذائي ومعاصر الزيتون ومراكز التوضيب والتبريد.

وطالت الأضرار الثروة الحيوانية أيضاٍ، مع نفوق نحو 1.85 مليون رأس من الدواجن والأغنام والماعز والأبقار، وأكثر من 29 ألف خلية نحل، وخسارة ما يقارب 2,030 طناً من الأسماك، ما انعكس تراجعاً في الأمن الغذائي وتهديداً لاستمرارية الإنتاج الزراعي والاقتصاد الريفي.

خطة استجابة ودعم للمزارعين

عملت وزارة الزراعة على تنفيذ خطة استجابة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية سلاسل الإمداد الغذائي واستقرار الأسواق، بالتعاون مع الوزارات المعنية والسلطات المحلية والمنظمات الدولية والجهات المانحة.

وشملت الإجراءات تنفيذ مسوحات ميدانية للأضرار، وتحديث قواعد البيانات الزراعية، وتسجيل المتضررين عبر منصة الوزارة لتسهيل حصولهم على الدعم. كما سعت الوزارة إلى تأمين مساعدات نقدية تتجاوز 1.65 مليون دولار لنحو 4,840 مزارعاً، إضافة إلى مساعدات عينية تشمل المدخلات الزراعية والأعلاف ومضخات الطاقة الشمسية لنحو 1,850 مزارعًا، إلى جانب مواصلة العمل على إعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية المتضررة.

وفي السياق القانوني، أكد وزير الزراعة نزار هاني أن التقارير المتعلقة بالأضرار تُحال إلى وزارة الخارجية، فيما يتولى الفريق القانوني دراسة آليات رفعها إلى الأمم المتحدة والمحافل الدولية. كما تزوّد الوزارة الفريق المفاوض بهذه المعطيات باعتبارها أدلة على الخسائر التي تسببت بها الحرب.

الجنوب يواجه أزمة بيئية متفاقمة

لم تقتصر الأضرار على القطاع الزراعي، بل امتدت إلى الأنظمة البيئية البرية والبحرية. ووفق تقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية حول الأثر البيئي للاعتداءات الإسرائيلية بين عامي 2023 و2025، أدت الحرب إلى احتراق آلاف الهكتارات من الغابات والأحراج والأراضي الزراعية، وتدمير موائل طبيعية وتجزئة النظم البيئية.

وأشار التقرير إلى احتراق أكثر من 270 هكتاراً من الغابات خلال الشهر الأول من الحرب الحالية، إضافة إلى 8,700 هكتار تضررت في العدوان السابق.

كما سُجل تلوث في بعض أنواع التربة بعناصر ثقيلة مثل الكروميوم والرصاص والنحاس والزنك، وارتفاع في نسب الفوسفور خصوصاً في محيط نهر الليطاني، بالتزامن مع استخدام ما لا يقل عن 128 قذيفة فوسفورية حتى 11 أيار/مايو. كذلك أدت عمليات القصف والحرائق إلى تراجع جودة الهواء وارتفاع تركيز الجزيئات الدقيقة والمعادن الثقيلة، فيما تأثرت الموارد المائية بفعل الركام والرماد وبقايا الذخائر.

تداعيات طويلة الأمد ومتطلبات التعافي

يحذر التقرير من أن استمرار هذه الأضرار قد يؤدي إلى تراجع خصوبة التربة وتلوث السلسلة الغذائية والمياه الجوفية والسطحية، فضلاً عن زيادة المخاطر الصحية المرتبطة بتلوث الهواء. كما يهدد فقدان الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي بارتفاع معدلات الانجراف والتصحر والفيضانات.

وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى خطة متكاملة للتعافي البيئي تشمل إعادة تأهيل الغابات والأراضي الزراعية، ومعالجة التربة الملوثة، وتعزيز مراقبة المياه والهواء، وإدارة نحو 16 مليون طن من الردميات ومخلّفات الحرب بصورة آمنة، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية وإدماج البعد البيئي في مشاريع إعادة الإعمار.

مبادرات أهلية لمواجهة التداعيات

إلى جانب الجهود الرسمية، لعبت الجمعيات البيئية والأهلية دوراً فاعلاً في دعم المجتمعات المتضررة وتوثيق الأضرار.

فقد ركزت جمعية الحركة الزراعية في لبنان خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026 على دعم المزارعين وتعزيز الأمن الغذائي من خلال حملات لتأمين البذور والمستلزمات الزراعية والمحاصيل التراثية، إضافة إلى تقديم مساعدات غذائية وإنسانية شملت طروداً غذائية ووجبات ساخنة ومياه شرب ووقوداً للملاجئ وأدوية ومستلزمات طبية.

كما حذّرت جمعية الجنوبيون الخضر من استهداف المواقع الثقافية والتراثية في جنوب لبنان، بما فيها مدينة صور وقلعة الشقيف وعدد من البلدات التاريخية في جبل عامل، مؤكدة أن تدمير الغابات والأراضي الزراعية يهدد التراثين الطبيعي والثقافي معاً، وداعية إلى تحرك دولي لتوثيق الأضرار وحماية المواقع المتضررة.

اخترنا لك