سيمفونية الازدهار والتكامل.. الهدف تشبيك "إسرائيل" في اقتصادات المنطقة (2)
يخفي الإغواء اللغوي المزيد من الاستتباع إلى "إسرائيل" بحيث ترسّخ هيمنتها على المنطقة عبر التحكّم برئات شعوبها لا السطو فقط على عقول حكّامها.
-
يشي استخدام مصطلح "الازدهار" في الخطاب الأميركي عن ازدواجية بين الشكل والمضمون.
يشي استخدام مصطلح "الازدهار" في الخطاب الأميركي عن ازدواجية بين الشكل والمضمون: على الورق وعود تنموية واسعة، بينما على أرض الواقع أدوات سياسية لاستدامة النفوذ في المنطقة، وترسيخ "إسرائيل" مركزاً للعلاقات الاقتصادية والجيوسياسية.
أمامنا نماذج حيّة تؤكّد ما سبق وسجل تاريخي يدعم كون هذه الفكرة هي أكثر من مجرّد انطباع أو تحيّز. مسارات السلام التي تبنّتها مصر والأردن والسلطة الفلسطينية بقيت بعيدة عن الوصول إلى عتبة الازدهار رغم وعودها، لكنّها أمّنت بقدر متفاوت أنواعاً من الاستقرار النسبي الذي بقي مرهوناً بمصالح إسرائيلية، وهو استقرار قاربت صلاحيّته على الانتهاء في دوائر جغرافية معيّنة بفعل المتغيّرات الناجمة عن حاجات "إسرائيل" وتطلّعاتها في ضوء مشروع "إسرائيل الكبرى".
من هذا المنطلق يصبح من المشروع التشكيك بصوابيّة الركون إلى الوعود الاقتصادية الأميركية اليوم، فضلاً عن وجهات النظر إليها باعتبارها وسيلة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم الاستراتيجية الأميركية طويلة الأمد.
خلق حالة من الاعتماد
من البديهي أن يتمّ توظيف الخطاب الدبلوماسي من أجل تغليف المصالح الدولية في إطار من اللغة الإيجابية المقبولة التي تسوّغ المشاريع، سواء مشاريع الهيمنة أو التعاون، وعادة ما يخدم هذا الخطاب مساحة التلاقي والمصالح المشتركة بين الشعوب أو يخفي حقيقة الأهداف الاستعمارية. دونالد ترامب استثناء عن ذلك، فقد دأب في كثير من المحطات على التعبير عن حقيقة الهيمنة الأميركية التي تعتمد البلطجة وأدوات القوة الصريحة.
قبل ذلك، ومعه، حافظت واشنطن على تقليد ثابت في تسويق سياساتها في الشرق الأوسط من خلال خطاب اقتصادي جذّاب. مصطلحات مثل "الفرص"، و"الاندماج الإقليمي"، و"الازدهار المشترك" كانت تُطرح على أنها أهداف تحقّق مصالح مشتركة، لكنها في الواقع لم تُستخدم للتعبير عن حالة اقتصادية محايدة، بل كأدوات لإعادة هندسة التحالفات الإقليمية، وترسيخ مركزية "إسرائيل".
في السابع من كانون الأول/ديسمبر الحالي نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين، قولهم إنه على نتنياهو الموافقة على صفقة غاز استراتيجية بين "إسرائيل" ومصر.. لكن لماذا؟
يكشف السؤال ما نحن بصدده.
يجيب مسؤول أميركي لـ "أكسيوس": "بيع الغاز لمصر سيخلق حالة من الاعتماد المتبادل، ويقرّب البلدين أكثر، ويؤسّس لسلام أكثر دفئاً ويمنع الحرب". وأشار الموقع إلى أنّ الولايات المتحدة تدرس مبادرات مماثلة تركّز على تقديم حوافز اقتصادية لدول عربية، من بينها لبنان وسوريا، في مجالات مثل التكنولوجيا والطاقة لإقامة علاقات مع "إسرائيل".
حيلة "العرض الأخير": سيتمّ ترككم
إلى جانب خطاب القوة و"السلام عبر القوة" حافظت السردية الأميركية خلال ولايتي ترامب الحالية والسابقة على تسويق مشاريع سياسية من خلال وعود الازدهار والتنمية. لكن بعد "طوفان الأقصى"، بات ملحوظاً ربط مصطلح "الازدهار" بمصطلح "الاستقرار" بحيث يقود هذا الربط إلى معادلة واضحة:
من يقبل بالترتيبات الأمنية الأميركية ـــــ الإسرائيلية سيستفيد اقتصادياً، بينما من يرفضها قد يواجه عزلة اقتصادية وسياسية، إذا نجا من الحرب.
هذا على الأرجح مغزى ما لمّح إليه المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان توماس برّاك عندما حذّر القادة اللبنانيين في آب/أغسطس الماضي من التباطؤ في تنفيذ التعليمات الأميركية إذ أوضح أنّ "المنطقة تتحرّك بسرعة فائقة، وسيتمّ ترككم خلفها".
على المقلب الآخر تؤدّي حملات الحرب النفسية التي تستهدف الوعي والإدراك إلى محاولة استثارة غرائز الخوف والقلق من خلال الإبقاء على أفعال الإبادة والتدمير ماثلة في بيئات المنطقة على قاعدة الترهيب، والدفع إلى القبول بخيار الترغيب الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى الخضوع من دون عنف، لكن مع دفع أثمان لا تقل عن الارتهان والتفريط بالمقدّرات والبقاء تحت رحمة التوسّع الإسرائيلي الذي يتعذّر فصله عن العقيدة الصهيونية.
الجديد احتواء الصين
ليس جديداً العمل الأميركي على استثمار هياكل لغوية ووعود اقتصادية من أجل تحقيق رؤى سياسية جوهرها دمج "إسرائيل" في محيطها وتأمين بيئة إقليمية متصالحة معها، لكنّ الجديد هو محاولة تطويق النفوذ الصيني واحتوائه.
وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب السياسي بين الإدارات المتعاقبة الجمهورية والديمقراطية، فقد حافظت إدارة بايدن على القاموس الاقتصادي نفسه تقريباً لإدارة ترامب الأولى وكرّرت الحديث عن "فرص اقتصادية" و"ضرورة التكامل"، لكنها أضافت مبادرة جديدة ضمن إطار المقاربة الأميركية لمستقبل المنطقة من خلال الدفع بمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بهدف تحقيق هدف مزدوج: احتواء طرق الحرير الصيني، وتجذير "إسرائيل" في المنطقة.
في جميع المشاريع الكبرى التي ترعاها الولايات المتحدة، من الغاز إلى الممرات التجارية وشبكات التكنولوجيا، يلاحظ أنّ الإدارات المتعاقبة في واشنطن لا تقطع دائماً مع سابقاتها لكنّها تستكمل المسار من النقطة التي وصلت إليها. يصحّ هذا الأمر على الاتفاقيات الإبراهيمية التي أرستها إدارة ترامب الأولى وسارت بها إدارة بايدن، وربما ينطبق على الممر الهندي الأوروبي الذي طرحته إدارة بايدن.
في كلّ هذه الخطوات تُهيّئ السياسات الأميركية المنطقة بحيث تكون "إسرائيل" عقدة مركزية في نسيجها الاقتصادي وبناها التحتية. ويتضح مفهوم "الازدهار" في هذا السياق ليس باعتباره هدفاً تنموياً مجرّداً بقدر ما يمثّل أداة استراتيجية لإعادة ترتيب القوى وتحقيق نفوذ أميركي مستدام.
التطوّرات التي أعقبت الاتفاقيات الإبراهيمية وتشكيل الحكومة الإسرائيلية الأخيرة فضلاً عن تداعيات "طوفان الأقصى" عمّقت هذا النهج، إذ أصبح الاقتصاد غطاءً لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بما يضمن:
تحصين "إسرائيل" وهيمنتها على المنطقة من خلال ربطها بشرايين المنطقة عبر مشاريع مشتركة.
جعل السلام مع "إسرائيل" ممراً إلزامياً ووحيداً نحو "الازدهار" الموعود.
قطع طريق الحرير الصيني واحتواء نفوذ بكين في المنطقة.
سيمفونية جديدة
تعقيباً على قمة شرم الشيخ التي أعلن خلالها ترامب نهاية الحرب على غزة قال مبعوثه توم برّاك في 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي إنّ القمة "لم تكن مسرحية رمزية، بل كانت بمثابة افتتاحية لسيمفونية جديدة من التعاون القائم على التكامل في مجال الطاقة، والترابط الاقتصادي، والتطلّعات الإنسانية المشتركة".
استحضار هذا التصريح على وجه الخصوص ليس اعتباطياً، إذ إنه يمثّل حلقة وسيطة بين المفاهيم الغائمة والفضفاضة لتعابير "الازدهار" و"التعاون" و"التكامل" و"النمو" وبين المبادرات الاستراتيجية التي تصبح فيها التوجّهات والنوايا الأميركية أكثر وضوحاً.
في سيمفونية برّاك الموعودة للمنطقة ترد ثلاثة مصطلحات مركزية: التعاون والتكامل والترابط. كيف يمكن فهم هذه "البشائر" المُتصوّرة بعيداً من الإنشاء الكلامي؟
سوف نجد صورة ملموسة ومادية عن هذه الثلاثية من خلال النموذج الذي سبق أن قدّمته الإمارات من خلال رعايتها وتمويلها مشروع "الماء مقابل الكهرباء" بين الأردن و"إسرائيل". يقضي المشروع بأن يقوم الأردن بتوليد الكهرباء من محطات للطاقة الشمسية لمصلحة "إسرائيل"، على أن تبادله الأخيرة بإقامة محطات تحلية لمياه البحر الأبيض المتوسط لصالح الأردن.
والسؤال البديهي الذي ليس جوابه خافياً: لماذا لا يعتمد المشروع على إقامة مشاريع تحلية داخل الأردن وتحت سيادتها مستمدة من مياه البحر الأحمر؟ ولماذا لا يكون الأردن في هذه الحالة هو الطرف المزوّد بالمياه بدل الكهرباء؟
الجواب هو كما ورد على لسان المسؤول الأميركي آنفاً الذي تحدّث إلى "أكسيوس" هو خلق حالة من الاعتماد، وهي كلمة ملطّفة عن تعبير الارتهان. المياه مادة حيوية وهي مسألة وجودية تتعلّق بالأمن القومي للشعوب والدول، لكن الكهرباء بقدر ما تمثّل حاجة وضرورة إلا أنه يمكن النجاة من دونها، عدا عن وجود بدائل لتوفيرها.
هذا النموذج من "التكامل" و"التعاون" و"الترابط" ليس في الحقيقة سوى المرحلة الأخيرة من مشروع السعي إلى تجذير "إسرائيل" وتمكينها في المنطقة.
يخفي هذا الإغواء اللغوي القائم على عبارات إيجابية المزيد من الاستتباع إلى "إسرائيل" بحيث ترسّخ هيمنتها وتسلّطها على المنطقة عبر التحكّم برئات شعوبها، لا السطو فقط على عقول وإرادات حكّامها. كيف يجري ذلك؟
من خلال رهن حاجات الشعوب الأساسية ومواردها ومقدّراتها بإرادة "إسرائيل" التي يجري العمل على تحويلها إلى قلب المنطقة النابض بكلّ ما تعنيه الكلمة من بعد حيوي وبيولوجي.
نموذج مصغّر
كان يمكن أن يقتصر المشروع الإماراتي على تحلية الكهرباء وتوليد الطاقة في الأردن ولمصلحة الأردن، أو يكون التكامل مع دول عربية محيطة.
يتعزّز ذلك في ظلّ وجود مشروع "الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر" الذي ترسيه عمان في مدينة العقبة، من أجل نقل المياه إلى العاصمة وسائر محافظات المملكة، الأمر الذي يحتاج إلى مساعدات وقروض كان يمكن توفيرها للأردن بدل دفعها إلى مشاريع اعتمادية مع "إسرائيل" التي سبق أن ابتزّت الأردن في المياه خلال السنوات الماضية.
من دفع بهذا المشروع هو الولايات المتحدة الأميركية، ولم يحدث ذلك في عهد ترامب إنما بتأثير اتفاقيات أبراهام التي رعاها الأخير وأطلقها، ولم تمانع فيها إدارة بادين إنما استكملت مسارها. نقل موقع "أكسيوس" أواخر عام 2021، أنّ المبعوث الأميركي للمناخ آنذاك، جون كيري، هو من دفع باتجاه توقيع الاتفاقية.
لماذا جرى الاستطراد في هذا المثال الذي لا يعدو كونه تفصيلاً صغيراً في المشهد الإقليمي الواسع وتطوّراته الاستراتيجية؟
لأنّ هذا النموذج المصغّر هو ما يراد تعميمه وتعميقه وتسويقه تحت مسمّيات الازدهار والرخاء والتعاون، خصوصاً في ظلّ المشاريع الكبرى التي تمتد من غاز البحر المتوسط إلى البحر الأحمر، وما بينهما من مساحة جغرافية تنتظر الانضمام إلى مسار التسليم.
الهدف ربط شرايين المنطقة وأوردتها ورئاتها بـ "إسرائيل" والارتهان النهائي إليها بحيث تصبح "إسرائيل الكبرى" مشروعاً متحقّقاً ومتجذّراً يصعب التراجع عنه، حتى إذا جاء اليوم الذي تُسأل فيه الطبقات الحاكمة عن غياب قرارها السيادي واصطفافها إلى جانب "إسرائيل" ضدّ قضايا الشعوب يكون جوابها إلى شعبها في الظاهر مفحم: هل مطلوب أن نموت من العطش؟
لكن في الحقيقة هذا الجواب تكون قد جرت هندسته قبل ذلك بوقت طويل، وهو الوقت الذي يبدأ اليوم.