حين يبدو كلّ شيء محسوماً… يبدأ تاريخ جديد

يسير منطق التاريخ بخلاف ضجيج اللحظة الراهنة والتفوّق العسكري الذي يبدو حاسماً فيما توحي التفاعلات غير المرئية في الصراع بأنّ الفصل الأخير لم يُكتب بعد.

  • هل اقتربنا من نهاية الطريق وبتنا أمام فصل جديد من تاريخ المنطقة؟
    هل اقتربنا من نهاية الطريق وبتنا أمام فصل جديد من تاريخ المنطقة؟

يبدو مشهد المنطقة اليوم، لمن ينظر إليه من زاوية المعطيات الظاهرة واللحظة الراهنة، كأنه يسير في اتجاه واحد: 

حشد عسكري أميركي غير مسبوق في المنطقة منذ غزو العراق، مهل زمنية وإنذارات لإيران قبل المبادرة إلى آخر الحروب وأشدّها ضراوة، توثّب إسرائيلي لفرصة تاريخية قد لا تتكرّر من شأنها أن تغيّر وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. كلّ ذلك يأتي متكئاً على زخم ما حقّقه المعسكر الأميركي الإسرائيلي خلال عامين فقط. يتضمّن ذلك إنجازات عسكرية غير مسبوقة ضدّ محور المقاومة، تفوّق تقني ساحق، اختراقات استخبارية، وتقدّم ميداني في أكثر من ساحة.

غير أنّ ما يبدو كأنه تمهيد لحرب أخيرة فاصلة يبقى معلّقاً على سؤال: هل ما يتراءى كأنه تحوّل حاسم في المعادلات هو أمر ثابت وغير قابل للانقلاب؟ أم أنّ للتاريخ منطقه الآخر الذي يتفلّت في كثير من الأحيان من قبضة الحسابات الجاهزة؟

"إسرائيل الكبرى" تتقدّم

يوحي المشهد بأنّ الهجوم الأميركي والإسرائيلي بات يقف عند أعتاب الأسوار الأخيرة بعد تدمير خطوط الجبهات الأمامية واحدة تلو الأخرى: غزة مهشّمة ومكلومة وتتعرّض لوصاية وانتداب ينهيان الأمل بأيّ مقاومة عسكرية؛ الضفة الغربية منهكة وتتجه نحو الضمّ المعلن؛ سوريا التي شكّلت لعقود رئة المقاومة انتهت إلى واقع جديد؛ حزب الله يعود سنوات إلى الوراء بعد تلقّيه ضربات قاسية؛ العراق يعاني من الانقسام واليمن من سوء التغذية، وإيران التي كانت مستهدفة من خلال حرب هجينة تتكامل فيها أدوات الحصار المالي والاقتصادي والأمني، باتت في مواجهة مباشرة مع أكبر الترسانات العسكرية وأكثرها قوة في العالم.

قد يغري هذا الواقع بالحديث عن دخول المنطقة "العصر الإسرائيلي" تحت عنوان "إسرائيل الكبرى"، فيما تدعم مثل هذا الانطباع مجموعة شواهد. ما أدلى به السفير الأميركي في "إسرائيل" مايك هاكابي عن الحقّ التوراتي للكيان بأراضٍ تمتد بين النيل والفرات لم يعد مجرّد استفزاز أو هذيان. المشروع الذي عبّر عنه الأخير بات صريحاً ومتفلتاً من الضوابط والظروف التي أملت تصويره في السابق على أنه مجرّد فكرة معزولة أو محصورة. ما كان في الماضي يحتاج إلى أقنعة انتقل من مرحلة العمل السري، الذي تكشّفت بعض جوانبه في وثائق جيفري إبستين، إلى مرحلة المجاهرة. 

لم يكن كلّ ذلك ممكناً لولا التحوّلات العسكرية والنفسية التي أصابت المنطقة في إثر طوفان الأقصى، ما يستدعي العود على بدء مع السؤال الأساسي:

هل اقتربنا من نهاية الطريق وبتنا أمام فصل جديد من تاريخ المنطقة أم أنّ ما يبدو في الظاهر تحوّلاً عميقاً في المعادلات يبقى في الباطن بعيداً من الحسم وقابلاً للتبدّل؟

على وشك أن لا يحدث!

تفصلنا عن اكتشاف الأجوبة أيام وأسابيع فقط، وربما يتأجّل الجواب إلى محطات بعيدة. لكن بقدر ما يحمل المستقبل من إيضاحات حول غموض الراهن، فإنّ الماضي يتمتّع بقدرة خاصة على استخلاص استنتاجات واستدلالات تساعد في تجاوز حبائل الحرب النفسية وحيلها، والتروّي قبل القفز إلى استنتاجات مُتسرّعة.

تكفي العودة السريعة إلى تاريخ المنطقة لرؤية كمّ من لحظات مماثلة بدت وكأنها نقطة نهاية، قبل أن تثبت الأيام عكس ذلك. في إثر حادثة الـ 11 من أيلول/سبتمبر 2001، بدا أنّ المارد الأميركي خرج ليسحق كلّ شيء في طريقه. اندفعت أميركا إلى اجتياح العراق وأفغانستان تتقدّمها لغة القوة والوعيد، لكنّ التجربة انتهت إلى عكس ما لاح في بداياتها.

في عام 1982، وصل الاجتياح الإسرائيلي بيروت وكرّس اتفاق 17 أيار، وبدا كأنه يطوي فصلاً ويسطّر بداية فصل إسرائيلي. غير أنّ خروج المقاومة من بيروت بعد ذلك، وإخفاق أميركا في أفغانستان والعراق، أكّدا أنّ الانطباعات الظاهرة لا تصمد طويلاً. 

لم تنجُ أيّ مرحلة من تاريخ المنطقة من أحداث كسرت المسارات المرسومة سلفاً. في عام 1978، بدت اتفاقية كامب ديفيد وكأنها وضعت نقطة النهاية لمسار الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، قبل أن تأتي الثورة الإيرانية كزلزال سياسي قلب المعادلات، وأعاد ضخّ دينامية جديدة في مسار المقاومة وآمال شعوب المنطقة، لتتجاوز لاحقاً ما حقّقته جيوش الأنظمة العربية مجتمعة.

في مثل هذه الأمور لا يمكن الحكم دائماً بالاستناد إلى المعطيات الظاهرة. تجارب المنطقة زاخرة بالمفاجآت ولـ "إسرائيل" منها نصيب كبير. فوجئت الأخيرة في حرب أكتوبر 1973 بعدما كانت حسمت الحرب في غضون ساعات عام 1967. سنوات قليلة لاحقة على النكسة تمكّنت خلالها مصر وسوريا من استعادة المبادرة وتبديد حالة انتشاء "تل أبيب" بانتصار لم يمضِ عليه أكثر من 6 سنوات، وتبيّن أنه مؤقت.

على مقياس زمني ضيّق جداً مقارنة بما حصل قبل عقود، فوجئت "إسرائيل" باستعادة إيران زمام المبادرة عقب حرب حزيران/يونيو الماضي المباغتة، والتي جرت هندستها لسنوات طويلة واستُثمرت فيها موارد وعقول ووقت.. ذلك لم يكن كفيلاً بتحقيق الحسم. 

الانتفاضة الفلسطينية الأولى والانتفاضة الثانية وقعتا أيضاً من خارج توقّعات "إسرائيل" وعلى مرمى بصرها. بعد عقود على كلّ تلك التحوّلات، جاء "طوفان الأقصى" الذي لم تلتقط رادارات الاستخبارات الإسرائيلية إشاراته. عملية ما زالت تداعياتها تتفاعل حتى اليوم، وسط انقسام حادّ بين من يغالي في تأريخها على اعتبارها بداية أفول مشروع المقاومة، ومن يبالغ في تصويرها كنقطة حسم نهائية لمصلحة القضية الفلسطينية.

ديناميات يصعب ضبطها

هذا الإخفاق المتكرّر في فشل التقديرات والتحوّط من المفاجآت ليس مجرّد صدفة. كثيراً ما كشفت التجارب التاريخية محدودية قدرة الخبراء وأجهزة الاستخبارات، مهما بلغت درجة تطوّرها، على استباق التحوّلات الكبرى والتهيّؤ لها، كذلك القدرة على التنبؤ بمسار الصراعات بشكل حاسم. لا يرتبط هذا الإخفاق بطرف دون آخر، إنما يشمل جميع الأطراف بما فيها إيران وأطراف المحور.

السقوط المفاجئ للاتحاد السوفياتي مثلاً لم يكن ضمن حسابات كثير من المتخصصين الذين أمضوا أعمارهم في دراسة بنيته السياسية والاقتصادية، من دون أن ينفي ذلك أنّ بعض التوقّعات أصابت في استشراف سقوط هذا القطب العالمي.

بالمثل، لم تستطع الأجهزة الاستخباراتية العالمية والإقليمية توقّع "الربيع العربي" قبل انفجاره، إلا إذ استثنينا ما سوف يكشفه المستقبل، كما أنّ الانهيار السريع لنظام بشار الأسد في سوريا قبل أكثر من عام جاء من خارج نطاق السيناريوهات المتداولة.

فشل التوقّعات في المثال الأخير لم يقتصر على أصدقاء النظام السوري السابق. لسنوات طويلة قبل سقوط نظام الأسد، راهنت أطراف إقليمية ودولية على الإطاحة به، وصدّرت عبر خطاب إعلامي حاسم انطباعاً بأنّ نهايته باتت وشيكة. في المقابل، حين بدا لبعض مساندي النظام أنّ مرحلة الخطر قد انقضت وأنّ الاستقرار قد ترسّخ، جاءت اللحظة التاريخية التي قلبت المعادلة بصورة مباغتة، وكأنها ولدت من خارج كلّ الحسابات.

تؤكّد هذه الوقائع أنّ ميدان الصراعات والحروب تحكمه ديناميات متحرّكة ونسبية يصعب ضبطها مسبقاً. تستطيع أدوات العلوم الإنسانية تفسير ما حدث أحياناً بأثر رجعي، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى القدرة الحاسمة على التنبّؤ بما سيحدث بشكل قطعي.. ينطبق هذا الأمر على الأحداث الراهنة والحرب المحتملة ضدّ إيران. حتى لو أقدمت أميركا على المغامرة بتوجيه ضربات أو حملة لا يعرف بعد حجمها ونطاقها وأهدافها، يصعب من الآن التنبؤ بمآلاتها وتداعياتها التي قد تأتي على عكس ما كان مخططاً له. 

لماذا تفشل التوقّعات؟ 

تعود أسباب الفشل المتكرّر في قراءة ما سيحدث إلى مجموعة من الإشكاليات البنيوية في طريقة عمل أجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات والتفكير. أول تلك الأسباب تكمن بأنّ الصراعات تحكمها متغيّرات وعوامل غير مادية وغير ثابتة، فهي لا تقتصر على العدة والعتاد والعديد والترسانات العسكرية، بل تشمل عوامل معنوية مثل إرادة القتال والقدرة على الصمود والعزم والإبداع والقراءة الصحيحة للحظة الراهنة ضمن سياق متحوّل ونسبي ومؤقت، تتداخل فيه الفواعل العالمية مع الإقليمية، مع القدرة على استثمار نقاط القوة مقابل نقاط الضعف لدى الطرف المواجه. الاقتصاد أيضاً عامل مُرجّح.

من أسباب فشل التوقّع الإفراط في الثقة بالنماذج التي تنتجها الأجهزة، وكأنها قادرة على محاكاة تعقيد الواقع الاجتماعي والسياسي والعسكري. 

إلى جانب ذلك، تركّز هذه الأجهزة على قراءة النظم، أي الحكومات والمؤسسات والجيوش والقدرات المادية، وتهمل قراءة المجتمعات بتحوّلاتها العميقة، واحتقاناتها، وتكوينها الثقافي والديموغرافي، وعلاقاتها غير الرسمية. لم يكن في حسبان الأجهزة الأميركية والإسرائيلية على الأغلب عند التخطيط لحرب الـ 12 يوماً على إيران أنها ستؤدّي بسرعة إلى التفاف المواطنين الإيرانيين حول العلم، وربما لم يكن في حسبانهم أيضاً فشل الرهان على الاحتجاجات التي اندلعت مطلع العام الحالي، حيث وردت مجموعة أدلة على مشاركة الموساد في توجيهها.

هناك أسباب أخرى تفسّر فشل التوقّعات، منها مؤشرات الاستقرار الظاهري، التي تمنح وزناً أكبر من حجمها الحقيقي، فتقرأ الهدوء على أنه استقرار، والصمت على أنه رضا. إضافة إلى الانحيازات المعرفية داخل دوائر القرار، إذ يبحث صنّاع القرار غالباً عن المعلومات التي تؤكّد قناعاتهم المسبقة ويتجاهلون ما يخالفها، فيما تغلّف لغة الخبراء هذه القناعات بهالة من الموضوعية. 

هذه العوامل مجتمعة تفسّر جزئياً لماذا تبقى أجهزة الاستخبارات، رغم تطوّرها، عاجزة عن استشراف لحظات التحوّل الكبرى، ولماذا تتكرّر المفاجآت بثبات يثير الدهشة. 

أدوات الاستشراف والتدخّل.. ماذا عن الهندسات الاجتماعية؟

إذا كانت مفاجآت التاريخ قد كشفت مراراً حدود القدرة على التنبؤ بلحظات الانفجار والتحوّل، فإنها في المقابل تسلّط الضوء على ساحة أخرى لا تقلّ حساسية: الجبهة الداخلية في الدول المستهدفة. 

تكشف الحالة الإيرانية، كما حالات دول أميركا اللاتينية التي تعرّضت إلى حصار طويل، كما كثير من الحالات التي نبتت فيها الثورات الملوّنة من أوكرانيا إلى روسيا إلى العراق فلبنان وغيرها، قدرة الولايات المتحدة على التدخّل الذكي والمؤثّر من خلال توليف مجموعة من الأدوات الثقافية والاقتصادية والإعلامية والنفسية والسياسية، في سبيل اجتراح هندسات اجتماعية وسياسية وتحوّلات داخل الرأي العامّ وفي صلب العملية السياسية، هدفها إسقاط النظم السياسية المستهدفة من الداخل أو خلق ثغرات من أجل النفاذ منها. اليوم أصبح هذا الأمر أكثر قابلية للتحكّم وأكثر فعّالية مع الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي.

في هذا المجال، لا تعمل العلوم الإنسانية بوصفها أدوات تفسير بأثر رجعي فحسب، بل كأدوات قراءة وتحليل تستكشف مكامن الهشاشة والاحتقان، وتقدّم خرائط تدخّل محتملة، سواء لاستثمار الأزمات أو لتسريع تفكّك الخصم. بهذه الطريقة يتقاطع فشل التوقّعات مع صراع الإرادات على الداخل، حيث يصبح المجتمع نفسه ميداناً موازياً للحرب، وربما أكثر حسماً من ساحات القتال المفتوحة.

بهذا المعنى لا يسير التاريخ فقط بمنطق المفاجأة، بل أيضاً بمنطق التراكم البنيوي. هنا تبرز إسهامات علم الاجتماع السياسي، ودراسات التحوّل الديمقراطي، ونظريات الحرمان النسبي (تُفسّر كيف ينشأ الاستياء الاجتماعي والسياسي، ليس من الفقر المطلق، بل عندما يدرك الأفراد وجود فجوة بين ما يملكونه وما يعتقدون أنهم يستحقونه مقارنةً بالآخرين أو بمجموعة مرجعية. يُعدّ هذا الشعور بالظلم محرّكاً أساسياً للاضطرابات الاجتماعية، والثورات، والسلوك المنحرف)، وتحليل الديموغرافيا السياسية، بوصفها أدوات لرصد الشروط الموضوعية التي تسبق الانفجار. 

سبق أن قدّم ابن خلدون تصوّراً مبكراً لدورات قيام الدول وسقوطها، رابطاً بين العصبية والترف والفساد وتبدّل موازين القوة، في ما يشبه نموذجاً تفسيرياً لديناميات الدولة. 

خلال القرن التاسع عشر، حاول غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير" فهم السلوك الجمعي وكيف يمكن للحشود، حين تتوافر شروط نفسية واجتماعية محدّدة، أن تتحوّل إلى قوة تغيير جارفة.

ضمن هذا الإطار تطوّرت "العلوم المستقبلية" أو دراسات الاستشراف، التي تستخدم أدوات كمية ونوعية مثل تحليل الاتجاهات الكبرى، والنماذج الديموغرافية، والسيناريوهات البديلة، ومنهج "دلفي" القائم على استقراء آراء الخبراء. 

لا تدّعي هذه المقاربات القدرة على التنبؤ بالحدث في يومه وساعته، لكنها تفترض أنّ التحوّلات السياسية والاجتماعية الكبرى لا تقع في فراغ؛ بل تسبقها مؤشرات قابلة للرصد: اختلال اقتصادي مزمن، فجوة متسعة بين الدولة والمجتمع، أزمة شرعية، أو تحوّلات ثقافية عميقة. 

من هذا المنظور، تبدو "المفاجآت" أقلّ عشوائية مما توحي به لحظة وقوعها، إذ يمكن للعلوم الإنسانية بمعية الرياضيات، حين تتكامل أدواتها، أن ترسم خرائط احتمالات لسقوط دول أو اندلاع ثورات، حتى وإن عجزت عن تحديد شرارة الانطلاق بدقة.

ضجيج المشهد الظاهر

بهذا التوازن بين منطق المفاجأة ومنطق البنية، يصبح التاريخ مجالاً مفتوحاً على الاحتمالين: انبثاق غير متوقّع يكسر الحسابات، أو مسار تراكمي يمكن استشرافه لمن يقرأ المؤشرات العميقة تحت سطح الحدث.

ما يجري اليوم في المنطقة من تطوّرات دراماتيكية يوحي لكثيرين بأنّ الفصل الأخير من الصراع شارف على النهاية. بيد أنّ تجارب المنطقة، القريبة منها والبعيدة، توحي بأنّ مثل هذه اللحظات بالذات تحتمل أكثر من سيناريو.

لا يعني ذلك تفاؤلاً مسبقاً أو تشاؤماً مقنّعاً، بل دعوة إلى قراءة لا تنخدع بضجيج المشهد الظاهر، ولا تتجاهل المؤشّرات العميقة التي قد تكون إنذاراً مبكراً بما لا يضعه الخبراء في حساباتهم.