اليمن: 2025 عام التحديات وتشكيل المعادلات.. كيف سيكون عام 2026؟

لم يكن عام 2005 مجرد عام جديد من الحرب والصراع، بل محطة مفصلية أثبتت أن الدولة المركزية في صنعاء قوية ولاعب أساسي يملك أوراق قوة في الداخل والإقليم.

  • اليمن يفرض معادلات جديدة: ردع مفاجئ ومسار إسناد متصاعد.
    اليمن يفرض معادلات جديدة: ردع مفاجئ ومسار إسناد متصاعد.

لم يكن عام 2025 عاماً عادياً في اليمن، بل مثّل عاماً مثقلاً بالمفاجآت والتحديات والتحوّلات، في مشهد إقليمي مضطرب وبالغ التعقيد تداخل فيه السياسي بالعسكري والاقتصادي والإنساني، وتقدمت فيه رسائل النار على الرسائل السياسية والدبلوماسية، قبل أن يحلّ خفض التصعيد نسبياً وتنحسر جولة الصراع وتعود الطاولة لتفرض نفسها في جانب وتنقلب الطاولة في جانب آخر منذرة بمستقبل أكثر تعقيداً وتصعيداً وتحدياً ضمن جولات حتمية قادمة بأشكال وخيارات جديدة.

العدوان الأميركي: من الاندفاع غير المحسوب إلى التراجع

مطلع عام 2025، أعلن السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي معادلة "استئناف حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر" عبر منطقة العمليات في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والبحر العربي، رداً على الجولة التصعيدية الثانية للكيان الإسرائيلي باستئناف العدوان على غزة والانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار بدعم وضوء أخضر من الإدارة الأميركية، وقد جاء العدوان الأميركي على اليمن بنسخته الترامبية استجابة لأزمة ملاحة العدو الإسرائيلي وتلبية لنداء استغاثة إسرائيلية. 

بعد تصنيفها أنصار الله ضمن قوائم "الإرهاب" وفرضها عقوبات جديدة على اليمنيين، أعلنت إدارة ترامب في منتصف مارس 2025 عن بدء جولة عدوانية جديدة بأسقف عالية وبنبرة متغطرسة تهديدًا ووعيدًا بـ "الاجتثاث". 

ألقت "أميركا العظمى" ثقلها العسكري فحشدت حاملات الطائرات والقطع البحرية بأنواعها، واستخدمت لأول مرة طائرات الـ B2 إلى جانب أنواع لا حصر لها من الطائرات الحربية والتجسسية، وأفرطت في استخدام القوة قصفاً من الجو والبحر على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات يدفعها الوهم بالنجاح في تركيع اليمنيين وثنيهم عن عمليات إسناد غزة، على أمل فتح الطريق أمام ملاحة العدو الإسرائيلي عبر البحر الأحمر وباب المندب، لكن ما كتب على الورق اصطدم بوقائع ميدانية قلبت الموازين لصالح اليمن وفلسطين وأسقطت كل الرهانات الأميركية وأعادت تشكيل المعادلات من جديد. 

اليمن يفرض معادلات جديدة: ردع مفاجئ ومسار إسناد متصاعد

رغم أن البنتاغون شن في جولته العدوانية الثانية أكثر من 1200 ما بين غارة جوية وقصف بحري طال الأحياء السكنية في صنعاء وصعدة وعدد من المحافظات وتسبب بارتقاء عشرات الشهداء، واستهدف ميناء رأس عيسى النفطي كعقاب جماعي للشعب خلال اثنين وخمسين يوماً فقط من مارس/ آذار – مايو/ أيار، إلا أن اليمن نجح في تجاوز تلك الضغوط القصوى عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وحوّل التهديدات إلى فرص. ففي خضم الجولة العدوانية الهستيرية وغمرة التحديات سجلت القوات المسلحة اليمنية قرابة 100 عملية عسكرية نوعية في مسارين:

- التصدي للعدوان الأميركي على اليمن بحراً وجواً.

- مواصلة عمليات إسناد غزة بشكل تصاعدي. 

في المسار الأول، سجلت الدفاعات الجوية اليمنية رقماً قياسياً بإسقاط 8 طائرات مسيرة أميركية من نوع MQ9 وكبّدت البنتاغون خلال تلك الجولة فقط خسارة تتجاوز 210 ملايين دولار في هذا النوع من السلاح وقبلها 14 مسيرة من النوع نفسه، وتمكنت لأول مرة من التصدي للمقاتلات الحربية وإفشال هجومها لأكثر من مرة بما فيها طائرات الـ B2.

أما القوات البحرية والقوة الصاروخية والطيران المسير فكتبت بنيرانها في البحرين الأحمر والعربي "نهاية زمن حاملات الطائرات" وفق توصيفات الصحافة الغربية بعد أن طالت حاملة الطائرات هاري ترومان في البحر الأحمر وحيدتها وأخرجتها عن الجاهزية، وفق ما أعلن الرئيس مهدي المشاط في حينها، وتصدت لكارل فينسون في البحر العربي، وأجبرت البارجات التي أرهبت وخوّفت العالم بها على تنفيذ انعطافات هروب لم تسجل ربما في تاريخ البحرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية إلى حد أن البحرية خسرت طائرتين أو ثلاث من نوع F18 المتطورة إما بالانزلاق من على متن حاملات الطائرات الهاربة أو خلال تنفيذ مناورات هروب تفادياً لنيران القوات المسلحة اليمنية.

نجاح القوات المسلحة في التصدي للبحرية الأميركية الأقوى في العالم واستنزافها وتحييد حاملاتها وتهديدها بالغرق، واكتشاف الطائرات الشبحية القادرة على التخفي عن الرادارات، وتجاوز منظومات الاعتراض الكهرومغناطيسية، واستنزاف الخزينة الأميركية بمليارات الدولارات وإرهاق عديد القوات الأميركية ليلاً ونهاراً على مدى قرابة شهرين؛ عوامل مجتمعة شكلت القناعة لدى صانع القرار الأميركي باستنساخ انعطافة "ترومان" في المسار السياسي والدبلوماسي.

وهذا ما دفع ترامب إلى تنفيذ انعطافة إجبارية من السقوف العالية والتهديدات واستعراض القوة إلى الخيارات الدبلوماسية عبر اتفاق بين صنعاء وواشنطن بوساطة عمانية يقضي بتوقف العمليات العدوانية الأميركية على اليمن، مقابل توقف العمليات اليمنية ضد السفن الأميركية في البحر، فانسحبت "أميركا العظيمة" من البحر مثقلة بالهزيمة من دون تحقيق أي هدف، وكان ذلك الاتفاق بناء على رغبة وقناعة أميركية وبمنزلة إقرار عملي بالفشل في ردع اليمن وثنيه عن خياراته، ولم يكن نتيجة "ترجٍ" أو طلب من اليمن كما زعم ترامب ونفى ذلك السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في حينه. العدو الإسرائيلي جن جنونه من ذلك الاتفاق الذي مثل نجاحاً يمنيًا في فصل أميركا عن "إسرائيل"، وفشلاً أميركيًا في فصل اليمن عن غزة، بدليل أن القوات اليمنية واصلت عملياتها الإسنادية لغزة وضد العدو الإسرائيلي وفي عمق فلسطين أثناء العدوان الأميركيٍ وبعد توقفه. 

 الإسناد لغزة: من البحر إلى العمق

خلال 2025، رسّخ اليمن حضوره في معادلة الإسناد لغزة بأدوات أكثر تطورًا وتأثيرًا وبعمليات أكثر جرأة شكلت نقلة نوعية من الضغط البحري إلى الضرب في العمق، خصوصاً بعد إدخال صاروخ باليستي فرط صوتي من نوع "فلسطين2" على خط الإسناد، وهي رسالة واضحة بأن القدرات اليمنية التي مَنّى الأميركيُ نفسَه بتدميرها إنما نمت كمًا وكيفًا ودخلت مرحلة جديدة من التطور النوعي.

ضمن هذا المسار الإسنادي العسكري والتصاعدي سجل اليمن من بداية "طوفان الأقصى" إلى عام 2025 أكثر من 758 عملية عسكرية بأكثر من 1835 ما بين صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية وطائرات مسيرة وزوارق بحرية كان للعدو الإسرائيلي منها حصة الأسد، وكان لها الفاعلية والتأثير الكبير على الكيان إذ تسببت بتوقف وإفلاس ميناء أم الرشراش "إيلات" وطالت مطار بن غوريون ومطار رامون وحيفا ويافا وعسقلان، ومن مفاعيلها الاستراتيجية أنها ضربت "نظرية الأمن الصهيونية" القائمة على الاستشعار والحماية والردع وأدخلت الدفاعات الجوية في حالة انكشاف غير مسبوقة، وأثرت على اقتصاد العدو، وأدخلت الرعب في قلوب ملايين المغتصبين الصهاينة إلى حد أنه مرت عليهم ليال وأسابيع بلا نوم وباعتراف الصهاينة أنفسهم، والأهم من ذلك أنها منعت ملاحة العدو نهائيًا من العبور عبر منطقة العمليات والمشمولة بالحظر البحري اليمني، واللجوء إلى مسارات بعيدة أخرت سلاسل التوريد ورفعت تكاليف الشحن والتأمين.

العدوان الإسرائيلي على اليمن

في المقابل، شهد عام 2025 عدوانًا إسرائيليًا على اليمن باستهداف عددٍ من البنى التحتية والاقتصادية في العاصمة صنعاء والحديدة وعمران والجوف، بما في ذلك محطات الكهرباء ومصانع الأسمنت وموانئ الحديدة ومطار صنعاء الدولي حيث استهدف آخر طائرات الخطوط الجوية اليمنية، ما أدى إلى توقف المطار كليًا، في عدوان غاشم يمثل نوعاً من العقاب الجماعي للشعب اليمني، إلى جانب العدوان المباشر على الأحياء السكنية والأعيان المدنية وما تسبب به من شهداء في أوساط المدنيين. 

الإجرام الصهيوني بلغ ذروته في اليمن بجريمة اغتيال رئيس حكومة التغيير والبناء أحمد غالب الرهوي ورفاقه الوزراء ورئيس هيئة الأركان الفريق محمد عبد الكريم الغماري والصحفيين في صحيفتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، في محاولة بائسة للتأثير على القرار السياسي والعسكري من ناحية وإسكات الرواية من جهة أخرى، لكن العدو فشل في كل ذلك وفشل في تحقيق الردع، إذ لم تتوقف عمليات الإسناد اليمنية إلا بعد إعلان دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في غزة وهو الشرط والسقف اليمني، وهذا الارتباط الوثيق بين القرار والسقف اليمني يقوم على إرادة صلبة في الاشتباك ولا يتوقف بتهديد أو عدوان أو استنزاف، بدليل أن اليمن لا يزال يؤكد جهوزيته للإسناد في أي جولة من جولات الصراع الحتمية كما أكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطابه الأخير بمناسبة جمعة رجب تاريخ استجابة اليمنيين لدعوة رسول الله (ص) ودخولهم في الإسلام على أيدي الإمام علي (ع) والصحابي معاذ بن جبل (ر) في بداية تاريخ صدر الإسلام ما بين السنة السادسة والتاسعة للهجرة تقريباً.

بعيد استهداف الحكومة برئيسِها وأعضائِها انكشفت حرب الظل وأدواتُها على نحوٍ غير مسبوق، إذ نجحت الأجهزة الأمنية بصنعاء في تفكيك شبكة تجسس تسترت بعباءة منظمات تابعة للأمم المتحدة، عملت استخبارياً لخدمة أجهزة مخابرات معادية ولصالح العدو الإسرائيلي، في خطوة كشفت التوظيف الاستخباري القذر للعمل الإنساني، إلى جانب كشف شبكة تجسس تديرها وتشغلها غرفة مخابرات مشتركة أميركية -سعودية من الرياض. 

اقتصاديًا، عمل البنك المركزي في صنعاء على طباعة فئة 200 ريال جديدة، وأدخل فئة الخمسين المعدنية للتداول، كبديل للكتلة النقدية التالفة من فئتي الـ 200، والـ 50 وللحفاظ على الاستقرار النقدي في ظل استمرار الحرب الاقتصادية والمالية والحصار من قبل تحالف العدوان السعودي -الأميركي.

ورغم أن كثيراً من الملفات الإنسانية الملحّة لا تزال أسيرة التعنت وانعدام الإرادة السياسية من جهة دول تحالف العدوان، إلا أن السياسة عادت في أواخر العام من بوابة الأسرى، ففي الـ 22 من ديسمبر نهاية عام 2025 أعلن عن توقيع اتفاق إطار في مسقط بخصوص الأسرى والمعتقلين من جميع الأطراف برعاية عمانية وبحضور ممثلين عن الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وينص اتفاق الإطار على تبادل 2900 أسير من جميع الأطراف، هذا الاتفاق بين صنعاء ومن تمثل والرياض ومن تمثل يشكل مكسباً إنسانياً لكل الأطراف وأبرز مكاسب 2025 للأسرى وأسرهم، ويعطي بارقة أمل على قابلية الصراع للانتقال – ولو تدريجيًا – من منطق الصفر والتجميد والعرقلة إلى منطق التفاهمات المرحلية والحلحلة، صنعاء تبدي جديتها في حلحلة هذا الملف منذ وقت مبكر والأمر مرهون بسلوك العدوان وصدق نيّاته.

الداخل اليمني: حرب نفوذ وتصدّعات في جنوب اليمن

في المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن وتحديداً حضرموت والمهرة، دخل المشهد مرحلة أكثر تعقيدًا مع احتدام الصراع بين أدوات تحالف العدوان السعودي -الإماراتي، ومطالبة الجماعات التابعة للإمارات بالانفصال لإعادة ما كان يسمى بـ "دولة الجنوب العربي" قبل الوحدة عام 1990، واتهام جماعات السعودية لها بـ "الانقلاب على الشراكة"، وفيما تطالب معظم دول التعاون الخليجي وفي مقدمتها السعودية بتراجع الانتقالي عن خطواته التصعيدية وانسحابه من المحافظات التي سيطر عليها، لا يخفي مسؤولون إماراتيون ومقربون من دوائر صنع القرار رغبتهم في تحقيق الانفصال تحت شعار "حق تقرير المصير" وتلك أجندة إقليمية أبعد وأكبر من الأدوات المحلية المتصارعة والمرتبطة بتحالف العدوان، وسط ترجيح بعض المراقبين أن يكون ما يجري في جنوب اليمن وشرقه مرتبطاً بمخطط أميركي- إسرائيلي- بريطاني- إماراتي لإعادة التشطير، وفرض واقع جديد يمكن هذه الدول والكيان من إعادة التموضع في الامتداد البحري من القرن الأفريقي إلى البحر العربي، ويربط المراقبون ذلك باعتراف العدو الإسرائيلي مؤخراً بـ "استقلال أرض الصومال" ليكون للكيان نفوذ أو موطئ قدم وربما وجود عسكري في الضفة المقابلة من باب المندب، وهذان المشروعان لا يشكلان فقط تهديداً للأمن القومي اليمني، بل يهددان الأمن القومي السعودي والعماني وأمن المنطقة والملاحة البحرية والتجارة الدولية. 

 استشراف 2026

مع دخول 2026، تقف اليمن أمام استحقاق إتمام أكبر صفقة تبادل أسرى ليكون عام الحرية لجميع الأسرى على قاعدة الكل مقابل الكل، على أمل أن يشكل مدخلاً لحلحلة وحسم بقية ملفات الحرب واستحقاقات السلام، والأمر مرهون بجدية السعودية ويعدّ محطة اختبار لجديتها، مقابل هذا التفاؤل الحذر تبرز تحديات تنذر بجولات تصعيد مع مواصلة الكيان الخروقات وإطلاق التهديدات في أكثر من اتجاه بما فيها اليمن وهشاشة اتفاقات وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، إلى جانب تورط كيان العدو بالشراكة مع حلفاء إقليميين ودوليين في محاولة فرض واقع جديد جنوب اليمن، وجنوب غرب باب المندب وتلويح العدو بتزويد حلفاء إقليميين بثمانية آلاف طائرة انتحارية مسيرة لخوض حروبه بالوكالة، ولا يستبعد أن تكون أدوات الإمارات في الساحل اليمني الجنوبي والغربي وفي القرن الأفريقي منصات إطلاق لكيان العدو.

ما هو ثابت أن 2025 لم يكن مجرد عام جديد من الحرب والصراع، بل محطة مفصلية أثبتت أن الدولة المركزية في صنعاء قوية ولاعب أساسي يملك أوراق قوة في الداخل والإقليم وتلك أوراق الصمود وأدوات التأثير وجاهزة لكل السيناريوهات، ولا تؤمن بحتمية الجولات القادمة مع العدو الإسرائيلي فحسب بل تعد وتستعد لها وتؤمن بأن حتمية زوال الكيان المؤقت وعد إلهي لن يتخلف.