من وجع الضحايا إلى سؤال العدالة: لماذا يتكرر الاعتداء الجنسي على القُصّر في العالم العربي؟

الاعتداء الجنسي على طفل ليس مجرد جريمة عابرة، ولا حادثة يمكن أن تنتهي بمجرد إيقاف المشتبه بهم أو صدور الأحكام.

  • من وجع الضحايا إلى سؤال العدالة: لماذا يتكرر الاعتداء الجنسي على القُصّر في العالم العربي؟
    من وجع الضحايا إلى سؤال العدالة: لماذا يتكرر الاعتداء الجنسي على القُصّر في العالم العربي؟

هناك أخبار تمرّ سريعاً وأخرى تترك وراءها أسئلة ثقيلة لا تنتهي بانتهاء الخبر.

قضية الطفلة يقين، ذات الخمسة عشر عاماً، واحدة من هذه القضايا التي هزّت الرأي العام في تونس وغزت مواقع التواصل الاجتماعي، طفلة يفترض أن تكون في المدرسة بين أصدقائها وعائلتها وأن تنشغل بما يشغل المراهقين من أحلام وتفاصيل صغيرة وجدت نفسها وفق المعطيات المتداولة والتحقيقات الجارية ضحية احتجاز واعتداء جنسي من قبل مجموعة من الشبان، قبل أن يعثر عليها في وضع صحي حرج ونقلها إلى إحدى المستشفيات في العاصمة تونس.

وبحسب مصدر أمني، فإن ما راج على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفتاة لا أساس له، وهي على قيد الحياة وتخضع للعلاج. كما أُدرج شابان بالتفتيش للاشتباه في تورطهما في القضية فيما أوقف شخصان آخران للاشتباه في عدم الإبلاغ عن جريمة. ولا تزال الأبحاث متواصلة لكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات.

أما والدة يقين، فقد تحدثت عن الساعات التي سبقت العثور على ابنتها، وقالت إنها أبلغت الشرطة باختفائها وبالمعلومات التي كانت متوفرة لديها، قبل أن يُعثر عليها في اليوم الموالي في حالة صحية حرجة.

وتبقى رواية الأم، كما بقية المعطيات المتداولة، جزءاً من ملف ما يزال قيد البحث والتحقيق، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حكماً نهائياً على المسؤوليات. لكن ما تكشفه القضية يتجاوز تفاصيلها، ماذا يحدث لأطفالنا؟ ولماذا يجد بعضهم أنفسهم في مواجهة عنف واستغلال بهذا الحجم؟ وهل تملك منظومة الحماية الأدوات الكافية لمنع الخطر قبل أن يتحول إلى مأساة؟

ليست جريمة عابرة

الاعتداء الجنسي على طفل ليس مجرد جريمة عابرة، ولا حادثة يمكن أن تنتهي بمجرد إيقاف المشتبه بهم أو صدور الأحكام.

الضرر الذي يلحق بالطفل قد يمتد سنوات وقد يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، فيما قد تحتاج الضحية إلى وقت طويل حتى تستعيد إحساسها بالأمان والثقة.

لهذا فإن الغضب الذي تثيره مثل هذه الجرائم مفهوم والمطالبة بمحاسبة من تثبت مسؤوليته مشروعة لكن العدالة لا تتوقف عند العقوبة ، بل تطرح السؤال الأصعب هو ماذا فعلنا قبل أن تقع الجريمة؟

عندما يختفي طفل لا مجال للانتظار

في تونس، لا تقوم حماية القاصر على منطق الانتظار. فبمجرد التبليغ عن اختفاء طفل أو طفلة دون سن الثامنة عشرة، يفترض أن تتحرك الشرطة بصفة فورية، باعتبار أن الأمر يتعلق بقاصر قد يكون عرضة للخطر ويحتاج إلى حماية عاجلة.

ولا توجد قاعدة قانونية عامة تفرض انتظار 24 أو 48 ساعة قبل مباشرة الأبحاث في حالة اختفاء قاصر. بل إن مبدأ حماية الطفل يقتضي التدخل دون تأخير، والبحث عن القاصر وضمان سلامته الجسدية والمعنوية.

وفي قضية يقين، يؤكد مصدر أمني أن التحرك تم فور تلقي البلاغ. أما العثور عليها فكان بعد نحو 24 ساعة، مدة لا  تكفي في حد ذاتها للحكم على سرعة الاستجابة أو نجاعتها، وهي مسائل تبقى في كل الحالات من مشمولات الأبحاث والتحقيقات.

لكن القضية تذكّر بأهمية أن تكون منظومة حماية الأطفال قادرة على التحرك بسرعة، وأن تكون كل حلقة فيها، من التبليغ إلى البحث، ومن الصحة إلى الحماية الاجتماعية والقضاء، جاهزة للتعامل مع القاصر باعتباره في وضعية تستوجب الأولوية، فتأخر اكتشاف الخطر قد تكون كلفته باهظة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطفل أو طفلة.

حين تصبح الحادثة ظاهرة

قضية يقين ليست حالة معزولة في سياق أوسع يشهد نقاشاً متزايداً حول العنف المسلط على الأطفال، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية والاستغلال.

وفي تونس، كما في عدد من المجتمعات العربية، تصل بعض هذه الحالات إلى القضاء والإعلام، بينما تبقى حالات أخرى خارج دائرة الضوء، فالخوف من الفضيحة والوصمة الاجتماعية والتهديد وخشية الأسرة من نظرة المجتمع كلها عوامل قد تجعل التبليغ أصعب خصوصاً عندما يكون المعتدي من المحيط القريب للطفل.

وهكذا قد تكون الأرقام الرسمية مجرد الجزء الظاهر من المشكلة من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل حالة لا يتم التبليغ عنها هي اعتداء مثبت.

ماذا يقول علم الاجتماع؟

لا يمكن لعلم الاجتماع أن يختزل ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال في سبب واحد.

هناك أولاً اختلال واضح في ميزان القوة بين الطفل والمعتدي. فالطفل أقل قدرة على الدفاع عن نفسه، وقد لا يمتلك المعرفة الكافية لفهم ما يحدث أو كيفية طلب النجدة لكن المسألة أوسع من ذلك، فالعنف قد يجد طريقه في بيئات يسود فيها الصمت أو ضعف الرقابة المجتمعية أو هشاشة بعض الأسر أو غياب آليات حماية فعالة أو نقص التوعية بحقوق الطفل .

وقد تتداخل مع ذلك عوامل أخرى مثل التسرب المدرسي والبطالة وتعاطي المخدرات والعنف داخل المحيط الاجتماعي.

لكن هذه العوامل لا تبرر الجريمة ولا تجعلها نتيجة حتمية لها. فالمسؤولية عن الاعتداء تقع على مرتكبه فيما يهدف تحليل هذه العوامل إلى فهم البيئة التي قد تسمح بظهور العنف وتكراره والعمل على الحد من مخاطرها. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط من ارتكب الجريمة؟ بل أيضاً كيف وصل الخطر إلى الطفل؟ وأين كانت نقاط الحماية التي كان يفترض أن تتدخل قبل وقوع الاعتداء؟

الصمت الذي يترك الطفل وحيداً

ربما يكون الصمت أحد أخطر وجوه هذه الظاهرة، فالطفل الذي يتعرض لاعتداء قد لا يعرف كيف يتحدث أو قد يخشى ألا يصدقه أحد أو أن يُلام على ما حدث له.

وفي بعض الحالات، قد تخشى الأسرة نفسها من انكشاف الواقعة أو من نظرة المجتمع فتختار الصمت أو تتأخر في التبليغ. وهنا يتحول الخوف من الفضيحة إلى غطاء إضافي للمعتدي. 

الحماية تبدأ إذاً من كسر هذا الصمت، ومن إيصال رسالة واضحة إلى الطفل إذا تعرضت للأذى، فأنت لست مذنباً، وهناك من سيحميك عندما تتحدث.

يقين ليست المتهمة

في كل نقاش حول الاعتداء الجنسي على الأطفال، هناك حقيقة يجب ألا تضيع وسط الغضب والأسئلة وهي ان الطفل ليس مسؤولاً عن الجريمة التي ارتكبت بحقه.

لا لباسه ولا خروجه من المنزل ولا صداقاته ولا ثقته بشخص استدرجه يمكن أن تتحول إلى مبررات للعدوان عليه، كما أن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية قد يكون طريقاً سهلاً للهروب من السؤال الأساسي وهو أين تقع مسؤولية المعتدي؟ وأين مسؤولية المجتمع والمؤسسات التي يفترض أن تحمي الأطفال؟

الأسرة جزء أساسي من منظومة الحماية، لكنها ليست وحدها في هذه المواجهة.

حماية الطفل مسؤولية جماعية

البيت هو خط الحماية الأول، لكنه ليس الخط الوحيد. المدرسة ومؤسسات الطفولة والأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون والمرافق الصحية والأجهزة الأمنية والقضائية كلها حلقات يفترض أن تعمل ضمن منظومة متكاملة.

والطفل الذي يظهر عليه تغير مفاجئ في سلوكه أو خوف غير معتاد أو انقطاع عن الدراسة أو علامات عنف، يحتاج إلى من ينتبه إليه، لا إلى من ينتظر حتى تقع الكارثة، كما أن الضحية تحتاج بعد إنقاذها إلى أكثر من العلاج الجسدي. تحتاج إلى رعاية نفسية وإلى بيئة آمنة وإلى حماية من الوصمة وإلى متابعة تساعدها على استعادة حياتها.

والمخدرات ليست الإجابة الوحيدة ، ففي كل مرة تقع فيها جريمة عنيفة يعود النقاش إلى المخدرات والبطالة والانقطاع عن الدراسة.

هذه عوامل تستحق البحث، لكنها لا تصلح وحدها تفسيراً للجرائم الجنسية ضد الأطفال.

فليس كل من يعاني البطالة مجرماً، كما أن الانقطاع عن الدراسة لا يقود تلقائياً إلى العنف.

فالمشكلة أكثر تعقيداً، وتتطلب معالجة اجتماعية وتربوية وصحية إلى جانب تطبيق القانون ومحاسبة من تثبت إدانته.

حين ينتقل الاستدراج إلى السوشيل ميديا

الخطر لم يعد موجوداً في الشارع أو في المحيط القريب فقط.الهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي وفّرت أيضاً مساحات جديدة للاستدراج والابتزاز والاستغلال. وقد يبدأ الأمر برسالة أو صداقة افتراضية أو وعد بلقاء قبل أن يتحول إلى تهديد أو ضغط أو استغلال.

لذلك لم تعد حماية الطفل تقتصر على تحذيره من الغرباء في الشارع بل أصبحت تشمل أيضاً التربية الرقمية وتعليمه كيفية التعامل مع الغرباء على الإنترنت ومتى يطلب المساعدة وكيف يحفظ الأدلة ويبلغ شخصاً موثوقاً عند تعرضه للتهديد.

من تونس إلى العالم العربي

قضية الاعتداء على الأطفال لا تخص تونس وحدها. ففي عدد من البلدان العربية تتكرر النقاشات حول العنف الأسري والاستغلال الجنسي والاختطاف والابتزاز وزواج القاصرات وغيرها من أشكال العنف التي تمس الطفولة وإن اختلفت القوانين والظروف الاجتماعية من بلد إلى آخر، كما أن ضعف التبليغ والوصمة الاجتماعية يجعل قياس حجم الظاهرة تحدياً قائماً.

وهذا يعني أن مواجهة المشكلة تحتاج إلى تعاون بين المؤسسات وتطوير آليات التبليغ وتعزيز خدمات حماية الطفل وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية للضحايا إلى جانب تشديد الرقابة على كل البيئات التي يمكن أن يتعرض فيها الأطفال للاستغلال.

وتونس مثل غيرها من الدول مرتبطة أيضاً بالتزامات دولية في مجال حماية الأطفال، بما يعزز مبدأ أولوية سلامة القاصر وحمايته من الاستغلال والعنف.

العقوبة وحدها لا تكفي

من تثبت إدانته في جريمة ضد طفل يجب أن يتحمل المسؤولية والعقوبة التي يقرها القانون، وفق الإجراءات القضائية والضمانات القانونية. لكن انتظار العقوبة بعد وقوع الجريمة لا يكفي، فالعدالة التي تحمي الأطفال هي أيضاً تلك التي تمنع الجريمة وتكشف الخطر مبكراً وتضمن سرعة التدخل وتوفر للضحية العلاج والحماية وتمنع تعرضها مرة أخرى للأذى أو الوصمة.

والمجتمع الذي لا يتعامل مع حماية الأطفال إلا بعد وقوع الكارثة يظل دائماً خطوة خلف الخطر.

ماذا نفعل قبل أن تقع الجريمة؟

الوقاية تبدأ من الأسرة، لكنها تحتاج إلى المدرسة والإعلام ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

يحتاج الطفل إلى معرفة حقوقه وإلى تعلم الحدود التي لا يحق لأي شخص تجاوزها وإلى معرفة الأشخاص والجهات التي يمكنه اللجوء إليها عندما يشعر بالخوف. وتحتاج الأسرة إلى أدوات تساعدها على اكتشاف علامات الخطر. وتحتاج المدارس إلى آليات واضحة للتبليغ والتدخل .وتحتاج المؤسسات المختصة إلى موارد وكفاءات تسمح لها بالتدخل السريع والمتابعة النفسية والاجتماعية، كما يحتاج المجتمع إلى تغيير نظرته إلى الضحية، لا لوم، لا تشهير، ولا تحويل حياة الطفل إلى محاكمة اجتماعية موازية.

ولا يجب أن تصبح يقين مجرد خبر آخر ، قد يهدأ الغضب الذي أثارته قضيتها، وقد تتراجع قصتها من صفحات الأخبار ومواقع التواصل، وما حدث لا ينبغي أن يختفي بمجرد انتهاء الاهتمام الإعلامي، لأن السؤال أكبر من قضية واحدة.

كل طفل يتعرض للعنف هو إنذار جديد بأن منظومة الحماية تحتاج إلى مزيد من اليقظة والعمل.

وقضية يقين تضع المجتمع أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها، يجب أن تتحول الصدمة إلى وعي، والغضب إلى إجراءات، والتعاطف إلى حماية حقيقية، فالطفولة لا تحتاج إلى من يبكي عليها بعد وقوع المأساة فقط بل إلى منظومة ترى الخطر قبل أن يصل إليها.

وفي النهاية ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً ليس فقط من سيحاسب على ما حدث بل أيضاً كيف نمنع أن يكون هناك طفل آخر ينتظر النجدة بعد فوات الأوان.

اقرأ أيضاً: من تونس إلى فلسطين: حين يصبح البيت عنواناً لحماية الطفولة

اخترنا لك