مهندس في "أوبن إيه آي" متهم بالتنصت.. ما علاقة العائلة المالكة السعودية؟
وثائق قضائية أميركية تكشف عن اتصالات متكررة بين مهندس سعودي سابق في شركة "أوبن إيه آي" وأحد أفراد العائلة المالكة السعودية.
-
"عبد الرحمن الفوزان (35 عاماً) كان على تواصل وثيق مع شخصية من العائلة المالكة السعودية"
تثير قضية المهندس السعودي السابق في شركة "أوبن إيه آي"، المطوّرة لبرنامج "تشات جي بي تي"، تساؤلات أمنية في الولايات المتحدة، بعدما كشفت وثائق قضائية عن اتهامه بزرع جهاز تنصّت داخل إحدى قاعات الاجتماعات الحساسة في الشركة، إلى جانب اتصالات متكررة بينه وبين شخصية من العائلة المالكة السعودية.
وأفاد ممثلو الادعاء الأميركي، في مذكرة قضائية نُشرت مساء الأحد، بأن عبد الرحمن الفوزان (35 عاماً) كان على تواصل وثيق مع شخصية من العائلة المالكة السعودية لم يُكشف عن هويتها. وأشارت الوثيقة إلى تلقي أسرته دعماً من جهة عسكرية سعودية لتغطية تكاليف سفرها إلى المملكة.
وتسعى النيابة العامة إلى إبقاء الفوزان رهن الاحتجاز، محذّرة من احتمال فراره إلى السعودية في حال الإفراج عنه. وكان من المقرر أن يمثل، الاثنين، أمام محكمة اتحادية في سان فرانسيسكو للنظر في استمرار توقيفه خلال الإجراءات القضائية.
وتكتسب القضية حساسية خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأهمية الاستراتيجية للأبحاث والمعلومات التي تمتلكها الشركات الرائدة في هذا القطاع. ورغم المخاوف التي أثارتها السلطات الأميركية بشأن الأمن القومي، فإن الفوزان يواجه حتى الآن تهمة واحدة تتعلق بـ"اعتراض الاتصالات"، تصل عقوبتها القصوى إلى السجن خمس سنوات، من دون توجيه اتهام رسمي إليه بالتجسس.
جهاز تسجيل مخفي خلف التلفزيون
تعود تفاصيل القضية إلى اكتشاف جهاز تسجيل مخفي داخل إحدى قاعات الاجتماعات التنفيذية في مقر "أوبن إيه آي" بمدينة سان فرانسيسكو، حيث يُشتبه في أن الفوزان، الذي التحق بالشركة عام 2025، عمد إلى توصيل الجهاز خلف شاشة تلفزيون بهدف تسجيل المحادثات التي تُجرى داخل القاعة.
وأعلنت الشركة اكتشاف الجهاز في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، وأحالت القضية إلى مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI). ووفقاً للادعاء، استضافت القاعة اجتماعات شارك فيها مسؤولون حكوميون خلال الفترة نفسها تقريباً التي يُعتقد أن الجهاز رُكّب فيها، ما عزز المخاوف بشأن طبيعة المعلومات التي ربما كان المتهم يسعى إلى الحصول عليها.
وفي مذكرة قدمتها إلى المحكمة، أشارت النيابة إلى أن الفوزان بذل جهوداً للعثور على أجهزة تسجيل معدّلة ومشفّرة تتيح توثيق اجتماعات شديدة الحساسية يشارك فيها كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة وشركاء بارزون وشخصيات حكومية.
وتدرس السلطات الأميركية الدوافع المحتملة وراء هذا التصرف، بما في ذلك السعي إلى تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز الفرص المهنية، إلى جانب احتمال الحصول على معلومات لمصلحة حكومة أجنبية. غير أن التحقيقات لم تثبت حتى الآن وجود توجيهات من السلطات السعودية لزرع الجهاز، فيما أكد الادعاء أن التحقيق لا يزال مستمراً وقد يسفر عن توجيه اتهامات إضافية.
مراسلات مع شخصية من العائلة المالكة السعودية
من أبرز العناصر التي استندت إليها النيابة العامة في مذكرتها وجود مراسلات متكررة بين الفوزان وأحد أفراد العائلة المالكة السعودية، حاول خلالها الأخير استقطابه للعمل في مبادرة متخصصة بالذكاء الاصطناعي داخل المملكة.
وتضمنت الرسائل، بحسب الوثائق القضائية، محادثة عبر تطبيق "واتساب" في أيار/مايو الماضي، قال فيها الشخص السعودي للفوزان: "السعودية تحتاج إليك أكثر مما تحتاج إليك الولايات المتحدة"، ليرد المهندس برمز "100%"، الذي يُستخدم عادة للتعبير عن الموافقة أو التأييد الكامل.
وتُظهر معلومات عن مسيرته المهنية اهتمام الفوزان المستمر بالمساهمة في تطوير قطاع التكنولوجيا السعودي. ففي مقابلة ضمن بودكاست باللغة العربية الشهر الماضي، قال إنه يزور المملكة ثلاث أو أربع مرات سنوياً، ويتابع التطورات التكنولوجية فيها، ويقدم المشورة والتوجيه لشركات ناشئة.
كما تحدث عن لقائه بالأمير محمد بن سلمان عام 2016، عندما كان نائباً لولي العهد، خلال اجتماع جمعه بشباب سعوديين يعملون في قطاع التكنولوجيا. وأوضح أن اللقاء شكّل دافعاً له لاكتساب الخبرة في إحدى كبرى الشركات العالمية، تمهيداً لنقل المهارات التي يكتسبها إلى بلاده.
وسبق للفوزان أن شارك، خلال عمله في شركة "فايسبوك"، في تأسيس مبادرة استشارية بالتعاون مع سعوديين آخرين في وادي السيليكون غربي الولايات المتحدة، هدفت إلى ربط مؤسسات القطاعين العام والخاص في المملكة بخبراء في مجالات البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والتعلم الآلي.
ورغم أن هذه الأنشطة تعكس ارتباطه المهني ببلاده، فإنها لا تشكّل في حد ذاتها دليلاً على تورطه في التجسس أو العمل بتوجيه من جهة حكومية سعودية.
مخاوف من الفرار إلى السعودية
إلى جانب التحقيق في واقعة التنصّت، تتمحور المواجهة القضائية الحالية حول احتمال مغادرة الفوزان الولايات المتحدة قبل انتهاء محاكمته، وهي المسألة التي دفعت الادعاء إلى المطالبة باستمرار احتجازه.
وتستند النيابة في مخاوفها إلى ترتيبات سفر سابقة لتوقيفه، إذ كان يعتزم التوجه إلى الرياض لقضاء إجازة تمتد شهرين، فيما أفادت زوجته للمحققين بأنها وابنهما كانا يخططان للانتقال بصورة دائمة إلى السعودية، على أن يلتحق بهما لاحقاً.
ووفقاً للوثائق القضائية، غادرت الزوجة وطفلها الولايات المتحدة بعد توقيف الفوزان في 9 تشرين الأول/أكتوبر، وتكفّل أحد أفراد الجيش السعودي بدفع ثمن تذكرتي سفرهما باتجاه واحد إلى المملكة. وتعتبر النيابة هذه المعطيات مؤشراً إلى وجود شبكة دعم قد تساعد المتهم على مغادرة الأراضي الأميركية.
كما تستند مخاوف الادعاء إلى غياب معاهدة لتسليم المطلوبين بين واشنطن والرياض، الأمر الذي قد يعقّد إعادته للمثول أمام القضاء الأميركي إذا تمكن من العودة إلى السعودية.
في المقابل، يرفض محامي الفوزان، وليام بيرنيك، اعتبار ترتيبات السفر دليلاً على نية موكله الفرار. وأوضح أن الرحلة كانت محجوزة قبل بدء التحقيق، لأسباب عائلية تتعلق بالهجرة، مشيراً إلى أن شراء تذاكر باتجاه واحد ليس أمراً استثنائياً بالنسبة إليه.
وشدد الدفاع على أن الفوزان أمضى نحو 15 عاماً في الولايات المتحدة، ويحمل إقامة دائمة قانونية، كما تقدم بطلب للحصول على الجنسية الأميركية، ولديه موعد لإجراء مقابلة تتعلق بهذا الطلب في 6 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وطلب المحامي الإفراج عن موكله بشروط تشمل مراقبة موقعه وتسليم جواز سفره، فيما قدم فريق الدفاع خطاباً من القنصلية السعودية في لوس أنجلوس، أعربت فيه عن استعدادها لتحمل قيمة الكفالة والتعهد بعدم إصدار وثائق سفر له