من تحالف الأطراف إلى رأس الأخطبوط.. كيف تحوّلت إيران من حليف "إسرائيل" السرّي إلى خطرها الوجودي؟

من حليفٍ سري يشكّل عمق "الأمن الإسرائيلي"، إلى عدوّ وجودي يهدّد "الأمن" كله.. هكذا تبدّلت إيران في العقل الإسرائيلي.

  • من تحالف الأطراف إلى رأس الأخطبوط.. كيف تحوّلت إيران من حليف
    من تحالف الأطراف إلى رأس الأخطبوط.. كيف تحوّلت إيران من حليف "إسرائيل" السرّي إلى خطرها الوجودي؟

لم تكن علاقة "إسرائيل" بإيران يوماً علاقة عابرة، ولا "تقاطع مصالح" على هامش الصراعات الكبرى. كانت، في عقل "الدولة" العبرية، علاقة تأسيسية، وجزءاً من هندسة الأمن القومي منذ سنواته الأولى، ثم تحوّلت إيران لاحقاً إلى العدوّ المركزي الذي تُبنى عليه الاستراتيجيات، وتُفصّل على مقاسه الحروب السرّية والعلنية.

هنا تحديداً تكمن صورة الواقع الذي تغيّر: من دولة كانت تُقدَّم في "تل أبيب" باعتبارها "الجدار الشرقي" الذي يواجه موجة القومية العربية، إلى "رأس الأخطبوط" بعد عام 1979، والذي يجب ضربه بدل الاكتفاء بقطع أذرعه. من الشاه محمد رضا بهلوي إلى مرشد الثورة السيد علي خامنئي، تبدّل شكل إيران، وتبدّلت معها قواعد الاشتباك، لكن الشيء الوحيد الذي بقي ثابتاً هو أن "تل أبيب" لم تتعامل مع إيران باعتبارها "دولة بعيدة"، بل باعتبارها إمّا حليفاً، أو عدواً يُدار الصراع معه على كل الجبهات.

منذ تأسيس الكيان، فهم أول رئيس حكومة، دافيد بن غوريون، أن "إسرائيل"، في محيط عربي واسع، تحتاج إلى هندسة طوق مضاد حول العالم العربي نفسه. هكذا وُلد مفهوم "تحالف الأطراف"، حيث نسجت "تل أبيب" علاقات مع دول غير عربية أو أقليات وإثنيات في المنطقة، بهدف محاصرة الدول العربية وتقليص قدرتها على فرض معادلات القوة.

ضمن هذا المنطق، بدت إيران الشاه كنزاً استراتيجياً: دولة كبيرة، غير عربية، ذات طموح إقليمي، وتملك خصومة كامنة مع مشروع القومية العربية الذي تمدّد في الخمسينيات والستينيات. لم تكن "تل أبيب" بحاجة إلى كثير من الإقناع كي ترى في طهران "حليفاً طبيعياً" يسهّل عليها الحركة في الشرق الأوسط.

في عام 1950، اعترفت إيران فعلياً بـ "إسرائيل". ومع مرور الوقت، تطوّرت العلاقة إلى تمثيل إسرائيلي دائم في طهران، ارتقى في سبعينيات القرن الماضي إلى مستوى سفارة. بعد حرب 1967، دخلت العلاقات مرحلة ذهبية من جهة المصالح: "إسرائيل" احتاجت إلى النفط، وإيران قدّمت نفسها مزوّدًا رئيسياً لاحتياجات الطاقة الإسرائيلية. لكن الأهم من كل ذلك كان التعاون العسكري السرّي. فـ "إسرائيل"، التي بنت جزءاً كبيراً من قوتها على التفوق النوعي والتكنولوجيا العسكرية، وجدت في إيران سوقاً وشريكاً وفرصة للتطوير المشترك. هنا لم تعد إيران "صديقاً سياسياً" لـ "إسرائيل"، بل أصبحت مكوّناً في مشروعها الأمني. كانت العلاقة بين "الموساد" و"السافاك" حجر الزاوية في التحالف الإسرائيلي-الإيراني زمن الشاه: تعاون استخباري، تبادل معلومات، تدريب كوادر، وبناء قدرات أمنية للنظام الذي كان يخشى الانقلابات والاضطرابات الداخلية بقدر ما يخشى خصومه في الخارج. ومع الوقت، لم تعد "إسرائيل" ترى إيران مجرد "بوابة"، بل "جداراً" يحمي ظهرها من جهة المشرق. كانت تلك العلاقة بالنسبة إلى "تل أبيب" مركزية: اقتصادياً عبر النفط، وسياسياً عبر كسر العزلة، وأمنياً عبر التعاون الاستخباري.

في عام 1979 تغيّر كل شيء. حين أطاح آية الله الخميني نظام الشاه، لم يسقط حليف "إسرائيل" فقط، بل سقطت معه خريطة إقليمية كاملة كانت "تل أبيب" تعرف كيف تتعامل معها. تحوّلت إيران إلى جمهورية إسلامية تحمل أيديولوجيا معادية للغرب، وعدائية لـ "إسرائيل" بصورة صريحة ومباشرة. منذ الأيام الأولى، وضع الإمام الخميني "إسرائيل" في قلب المعركة العقائدية. لم يعد الصراع معها مجرد نزاع حدودي أو سياسي، بل صارت "عدواً للإسلام"، ومع "الشيطان الصغير" و"الشيطان الأكبر" الذي تمثّله الولايات المتحدة.

في شباط/فبراير 1979، قطعت إيران الجديدة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع "إسرائيل". أُغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران، وسُلّمت إلى منظمة التحرير الفلسطينية كإعلان سياسي بأن "تحالف الأطراف" انتهى فعلياً. مع صعود السيد علي خامنئي، لم يهدأ العداء، بل انتظم وتحوّل إلى سياسة دولة طويلة النفس. إيران اعتمدت دعم قوى المقاومة المعادية لـ "إسرائيل" في المنطقة: حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، ثم لاحقاً شبكة أوسع من القوى الحليفة عبر سوريا والعراق واليمن. ومن هنا، وُلد ما صار يُعرف بمحور المقاومة، كمنظومة سياسية-عسكرية.

في المقابل، اعتبرت "إسرائيل" إيران الخطر الاستراتيجي الأول منذ تسعينيات القرن الماضي. لم تعد ترى التهديد على حدودها فقط، ولا في طوق النار الذي تشكّل حولها، بل بات التهديد هو الوجود نفسه، بسبب المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، و"أذرع" مسلحة قادرة على إشعال جبهات متعددة في لحظة واحدة.

من جهتها، عملت "إسرائيل" على مواجهة هذا التهديد. في خطابها ضد إيران عملت على التفريق بين الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية. خطابات تكرر فكرة واحدة: "مشكلتنا ليست مع الإيرانيين، بل مع النظام". لهذا وجّه بنيامين نتنياهو رسائل مباشرة باللغة الفارسية، في محاولة لتقديم "إسرائيل" كطرف "يدافع عن وجوده" أمام تهديدات الدولة الإيرانية.

لكن في الواقع العملي، "إسرائيل" لا تتعامل مع إيران كخصم يمكن "احتواؤه" فقط، بل كتهديد يجب تفكيكه: منع النووي بأي ثمن، كبح النفوذ الإقليمي، منع التموضع العسكري قرب الحدود، وقف دعم التنظيمات المسلحة، وإبقاء إيران تحت ضغط دولي دائم، وحتى تغيير النظام إلى آخر لا يملك الإرادة السياسية للحصول على سلاحٍ نووي، أو يمتلك رغبة بإزالة "إسرائيل" من الوجود.

أصبحت المعادلة في ذهن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تحويل إيران من تهديد محلي يخص "تل أبيب" إلى تهديد ذي أثر عالمي. ومن هنا يأتي الإصرار الإسرائيلي على تصوير إيران كخطر يتجاوز "تل أبيب"، في محاولة لكسب غطاء دولي دائم لكل ما تفعله ضدها.

لذلك، تسعى "إسرائيل" إلى إسقاط النظام الإيراني، رغم أنها لا تعلن ذلك بشكل واضح وعلني. وهي لا تقولها صراحة، لأن التصريح المباشر، بحسب رأيها، قد يوحّد الإيرانيين خلف قيادتهم. وفي السنوات الأخيرة، ظهرت مؤشرات أكثر مباشرة على الرهان الإسرائيلي على الضغط الداخلي الإيراني. تقارير تحدّثت عن استراتيجية تعتمد إثارة السخط الشعبي عبر ضربات سيبرانية وأزمات حياتية، كأزمة الوقود، بما يدفع الناس إلى الاحتجاج. وفي عام 2021، تعطّل توزيع البنزين في إيران بعد هجوم سيبراني كبير، وتحدثت تقارير عن دور إسرائيلي، ضمن فلسفة: "اجعل النظام يدفع ثمنًا يوميًا داخل بيته". وهو ما جرى اليوم، بعد ضلوع "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية في تحويل تظاهرات مطلبية كانت سلمية إلى مسلحة إثر دخول مناوئين للنظام إليها.

بالطبع، من يساهم في تشويه صورة إيران في "إسرائيل" هو الإعلام. الصحافة والقنوات والإذاعات هناك لا تتابع إيران كخبر خارجي، بل كقضية أمن قومي يومية. تتصدر أخبار البرنامج النووي الإيراني العناوين، وتتحول تصريحات القادة الإيرانيين إلى مادة لتحشيد الجمهور خلف فكرة واحدة: نحن أمام تهديد مصيري. صحيح أن هناك اختلافات تحريرية: "هآرتس" تميل إلى مقاربة نقدية، فيما تتبنى "يسرائيل هيوم" خطاباً قريباً من السلطة، وتأتي "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" في منطقة وسط. لكن عند الحديث عن إيران، تتراجع الفوارق الكبيرة: الجميع تقريباً يلتقي على أن إيران خطر أمني ضخم، والخلاف يدور حول طريقة التعامل معه: دبلوماسية أم عسكرية؟ ضربة شاملة أم حرب استنزاف؟

لهذا، تشيطن معظم المنصات الإسرائيلية النظام الإيراني بصور متكررة: "نظام الملالي"، و"سباق إيران نحو القنبلة"، و"الأذرع الإرهابية لإيران". النتيجة ليست فقط رأياً عاماً، بل بيئة نفسية جاهزة لتقبّل التصعيد. وهو ما يجري اليوم، إذ تتحضر الولايات المتحدة لتوجيه ضربة إلى إيران، تتصرّف "إسرائيل" إعلامياً على أنها في موقع الضحية، فتروّج بشكل دائم أنها ستتلقى الرد، وأن إيران ستبادر إلى الهجوم عليها.

في المحصّلة، "إسرائيل" لا تواجه إيران باعتبارها "ملفاً" يمكن إغلاقه، بل باعتبارها منظومة تهديد كاملة: نووية، صاروخية، إقليمية. لهذا تخلّت "تل أبيب" عن فكرة ضرب "الأذرع" فقط، وبدأت تفكر في الرأس، في طهران نفسها. 

اقرأ أيضاً: ما أدوات القوة الإيرانية لمواجهة التهديدات الأميركية؟

اخترنا لك