كندا والاتحاد الأوروبي.. شراكة نوعية جديدة عبر الأطلسي
يبدو أن كندا، في التوقيت التاريخي الحالي، أخذت قراراً بتطوير شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي.
-
كندا والاتحاد الأوروبي.. شراكة نوعية جديدة عبر الأطلسي
عبّر التقاء رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، والبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا، عن توجه سياسي جديد عند الطرفين. ويبدو أن كندا، في التوقيت التاريخي الحالي، أخذت قراراً بتطوير شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، لا يمكن فهمه خارج الصدام مع الولايات المتحدة، وارتفاع وتيرة التقارب مع الصين، الذي جاء لاحقاً لضغوط إدارة ترامب. وتجمعها وأوروبا - بالفعل - علاقات تاريخية، مع التماس الاستراتيجي بحدود عبر الدنمارك (غرينلاند)، طولها 3,000 كيلومتر، والزمالة في حلف الناتو ومجموعة السبع، ومبادرة للاندماج الاقتصادي بـ"الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة" (CETA)، التي دخلت حيز التطبيق المؤقت عام 2017، ورفعت التجارة الثنائية للسلع والخدمات بأكثر من 81% في العقد التالي.
لعله لذلك جاء خطاب كارني أمام البرلمان الأوروبي غير مسبوق، بنبرة حماسية تستدعي عمق العلاقات، المستندة إلى "قيم ديمقراطية مشتركة" لا مجرد القرب الجغرافي، مستشهداً بمفهوم "الانجذاب التلقائي" الذي استعاره الفيلسوف الألماني غوته من الكيمياء، للتعبير عن العلاقات البشرية، مؤكداً أن الطرفين يربطهما "انجذاب واعٍ مقصود يقوم على توافق الأنظمة السياسية وتكامل نقاط القوة". وقدمت أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبي، في خطابها السنوي عن حالة الاتحاد الأوروبي، بحضور كارني، مقترحاً تاريخياً بأن تكون كندا أول "عضو منتسب" في تاريخ الاتحاد، في ضوء ما وصفته بتشطّي النظام الدولي القائم على القواعد. وأكدت أن أوروبا وكندا تنظران إلى التحديات العالمية "بالعيون نفسها"، في قضايا الذكاء الصناعي وتغير المناخ وأمن القطب الشمالي، والدفاع واستقرار سلاسل الإمداد.
تشمل ملامح الاقتراح، الذي أُطلق عليه "تحالف من أجل المستقبل"، إقامة تحالف تكنولوجي، ودمج القواعد الصناعية العسكرية، وتكامل سلاسل الإمداد وتخزين المواد الخام الحرجة، وإقامة "مشروع مشترك رائد" تجاه القطب الشمالي. وشددت فون دير لاين أن التحالف ليس موجهاً ضد أي طرف، إلماحاً إلى الولايات المتحدة، وأن هدفه "تعزيز القوة الديمقراطية المشتركة والقدرة الجماعية على البقاء"، وردّ كارني على العرض بالإيجاب مكرراً ما قاله سابقاً، إن "كندا وأوروبا قويتان كل على حدة لكن أقوى معاً". وجاء رد ترامب حاداً، بالتهديد بالانتقام الاقتصادي من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن أي خطوة "معادية للمصالح الأميركية" ستؤدي إلى قيود تجارية كبرى أو وقف التجارة بالكامل في مجالات محددة، واصفاً عضوية كندا المنتسبة في الاتحاد الأوروبي بالمضحكة.
واللافت أن خطاب رئيس الوزراء الكندي أمام البرلمان الأوروبي حمل نبرة نقدية للنظام الدولي، تتماسّ بوضوح مع رفض سياسات إدارة ترامب. وقدّم تشخيصاً للاضطرابات الحادة التي "تهدد الديمقراطيات الدستورية الحديثة" وفق قوله، وهي استخدام التجارة للحرب الاقتصادية، وتآكل قواعد النظام الدولي وانهيار المؤسسات، و" منصات التكنولوجيا المتوحشة"، التي تسيطر على البيانات وتتصرف باعتبارها كيانات ذات سيادة، تفرض القواعد أو تتحايل عليها لمصلحتها، وذهب إلى الأبعد، مبادراً باقتراح للتعاون الملموس في مجموعة من المجالات والقدرات الاستراتيجية.
وكانت الاستجابة لمبادرة فون دير لاين لاحقاً مبادرة كندية طرحها رئيس الوزراء، تمثل ما يمكن اعتباره مشروعاً اندماجياً نوعياً. تنص على شراكة في استخراج ومعالجة وتخزين أكثر من 34 راسب معدني، منها أكبر عشرة معادن مرتبطة بالتحول للطاقة النظيفة، ودمج القدرات الصناعية العسكرية، والمشاركة في برنامج SAFE للمشتريات الدفاعية التابع للاتحاد الأوروبي، ما يتيح لمصنعي الدفاع الكنديين الانضمام إلى سلاسل الإمداد الأوروبية، وتصدير الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الكنديين، ببنية تحتية جديدة للموانئ على الساحل الشرقي وفي أقصى شمال كندا.
وتشمل المبادرة تطوير التجارة الرقمية للسلع والخدمات غير الزراعية، ووضع بروتوكولات لسلامة استخدام الذكاء الصناعي، وانضمام كندا إلى برنامج Erasmus+ لتبادل الشباب والطلاب والعاملين، وبرنامج Horizon البحثي الأوروبي، الذي يتيح للباحثين تدبير الموارد والتعاون في التكنولوجيات المتقدمة والذكاء الصناعي والحوسبة الكمية، ومناقشة إقامة سوق متكامل للخدمات المالية، والاستفادة من رؤوس أموال صناديق التقاعد الكندية.
يمكن قراءة المشروع الكندي في إطار ما طرحه كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي ــ دافوس، في وقت سابق من العام الحالي: فكرة تعاون القوى المتوسطة، وفحواها أن الدول المتوسطة في النظام الدولي لا تستطيع البقاء فرادى، مع التنافس الجيوسياسي الحاد بين أكبر قوتين، الولايات المتحدة والصين، والحروب التجارية وغياب دور المؤسسات "الدولية". ما يفرض على القوى المتوسطة تعديل الاصطفافات الدولية، من الكتل التقليدية الحالية القائمة على الجغرافيا، إلى تحالفات وظيفية بأهداف وملفات محددة، مثل الأمن والمعايير التكنولوجية وتحقيق "القدرة الاقتصادية الجماعية على البقاء". ومن هنا على كندا التكامل بقدراتها مع ديمقراطيات تشاركها التوجهات، في ضوء تمدد ما يسمّيه بالقوة الأحادية الصلبة للقوى العظمى، بحيث لا تتمكن الأخيرة من إضعاف سيادة كندا أو فرض خيارات سياسية عليها.
في الجهة المقابلة، لم تقدم رئيسة المفوضية الأوروبية إطاراً قانونياً ملموساً للعضوية المنتسبة، وهي فكرة طرحها المستشار الألماني ميرتس في العام الحالي بشأن أوكرانيا، ولا تمثل فئة قائمة معترفاً بها بموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي الحالية. وإن طُرحت ملامح عامة، مثل إمكانية استفادة الدولة المنتسبة جزئياً من ميزانية الاتحاد، وتعيين ممثل لها في المفوضية، وحضور قمم الاتحاد من دون حق تصويت كامل. وأقرّ كارني بضبابية الشكل القانوني، مؤكداً تركيز بلاده على المضمون لا التسمية، واعتبر الأخيرة تخص أوروبا وحدها.
لكن المضمون السياسي محل الاتفاق واضح، وهو إقامة اندماج بدرجة أعلى عبر الأطلسي، يحصّن الجانبين من التحولات الاستراتيجية والاقتصادية القائمة والمرتقبة، على أن يُناقش المضمون القانوني والعملي للشراكة في القمة الثنائية بمونتريال الشهر القادم. ولا يخلو المشروع من صعوبات وعقبات (مؤسسية وغيرها) أمام تحويل التصور المشترك إلى آليات واتفاقيات، مثل تطلّب إقرار أي إطار رسمي للشراكة موافقة بالإجماع من الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، وحدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية في كندا مقابل صلاحيات المقاطعات، مع حقائق مثل امتعاض منتجين زراعيين هناك من معايير الاتحاد الأوروبي، ومعارضة قطاع من المجتمع الزراعي الفرنسي المنافسة الكندية بالمجال.
وتشير استطلاعات رأي في كندا إلى أغلبية تؤيد إقامة علاقات اقتصادية وأمنية وثقافية أوثق مع أوروبا، وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة YouGov في نيسان - أبريل 2025 أن 44% من الكنديين يؤيدون "عضوية كاملة" في الاتحاد الأوروبي، وهو عنوان افتراضي للقياس، يُقرأ الآن بصفته دعماً شعبياً مبكراً لفكرة العضوية المنتسبة الوليدة. وقال المعلق السياسي البريطاني البارز ألاستير كامبل، معلقاً على استقبال كارني في ستراسبورغ، إن نظاماً عالمياً جديداً يتشكل وهو ليس ما تخيلته الولايات المتحدة في عهد ترامب، و"كان مسلّماً به أن رئيس الولايات المتحدة يقود العالم الحر لكن لم يعد الأمر كذلك".