الضريبة الاستعمارية والفرنك الأفريقي.. وسيلتا فرنسا للهيمنة على أفريقيا

رغم انتهاء الحقبة الاستعمارية، تتهم دول أفريقية فرنسا بالإبقاء على نفوذ اقتصادي ومالي واسع عبر اتفاقيات ما بعد الاستقلال ونظام الفرنك الأفريقي، وسط تصاعد الدعوات لإنهاء ما يُوصف بـ"الهيمنة النقدية".

  • الضريبة الاستعمارية والفرنك الأفريقي.. وسيلتا فرنسا للهيمنة على دول أفريقية
    الضريبة الاستعمارية والفرنك الأفريقي.. وسيلتا فرنسا للهيمنة على دول أفريقية

منذ القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قامت القوى الاستعمارية الأوروبية، بالسيطرة على الثروات الطبيعية والبشرية في القارة الأفريقية، بهدف خدمة اقتصادها الصناعي والتجاري، فنهبت الثروات الطبيعية والمواد الأولية كالذهب والماس والنحاس والحديد والمطاط والقطن والفوسفات والبترول..

كما أجبرت السلطات الاستعمارية السكان على زراعة محاصيل موجّهة للتصدير بدل الزراعات الغذائية، مثل: القهوة والكاكاو والقطن والفول السوداني، مما أدّى إلى اختلال الأمن الغذائي وحدوث مجاعات في بعض المناطق.

كما استغلّ الاستعمار الإنسان الأفريقي ففرض العمل الإجباري والضرائب القاسية والأجور المنخفضة. وحتى البنية التحتية التي أنشأها الاستعمار من طرق وسكك حديدية وموانئ كانت لنقل الثروات نحو الدول الاستعمارية، وليس لتنمية الاقتصاد الأفريقي الداخلي.

وحتى بعد خروج الاستعمار فقد حرص على الإبقاء على مصالحه ضداً على مصالح الدول والشعوب الأفريقية. ففرنسا التي قال عنها فرانسوا ميتران عام 1957: "من دون أفريقيا، فرنسا لن يكون لها تاريخ في القرن الحادي والعشرين"، ستسعى بكلّ قوة للحفاظ على سيطرة قوية على مستعمراتها السابقة، وستحرص أن تكون لها الأولوية على أيّ مورد خامّ أو طبيعي يتمّ اكتشافه في هذه المستعمرات السابقة، وأن يكون لشركاتها الأسبقيّة في الاستثمار في العقود العامّة حتى ولو حصلت المستعمرات السابقة على عروض أفضل من دولة أخرى، وأن يكون لها الحقّ الحصري في توفير المعدات العسكرية وتدريب الضباط العسكريين للدول المستقلة، إذ يجب على الأفارقة إرسال ضباطهم للتدريب في فرنسا حيث غالباً ما يتمّ استقطابهم واستعمالهم عند الحاجة لانقلاب أو لأغراض أخرى. 

كما ضمنت فرنسا أن يكون لها الحقّ في نشر القوات في مستعمراتها السابقة والتدخّل عسكرياً فيها للدفاع عن مصالحها، وفرضت امتناع الدول المستقلة عن الدخول في تحالف عسكري مع أيّ دولة أخرى إلا بموافقة فرنسا، والالتزام بالتحالف مع فرنسا في حالات الحرب أو الأزمات العالمية. كما فرضت فرنسا لغتها كلغة رسمية ولغة التعليم في البلاد المستقلة، وأنشأت منظمات لنشر الثقافة الفرانكوفونية.

اقرأ أيضاً: الفرنك الأفريقي أداة فرنسا الأخيرة للسيطرة والنهب

فرنسا والضريبة الاستعمارية

عام 1957 كانت حرب التحرير في الجزائر على أشدّها، اقترح الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول "الميثاق الاستعماري" ومضمونه أن تختار المستعمرات الفرنسية في أفريقيا بين: الانضمام إلى "مجموعة فرنسية-أفريقية" فتتمتع بحكم ذاتي واسع الصلاحيات مع الإبقاء على روابط قوية مع فرنسا في الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والاقتصاد، أو الاستقلال.

معظم المستعمرات اختارت ابتداءً الانضمام إلى المجموعة، بينما اختارت غينيا الاستقلال في 2 تشرين الأول/أكتوبر 1958، بعد رفض الغينيّين بقيادة أحمد سيكو توري الذي كان شعاره "نفضّل الحرية في الفقر على الثراء في العبودية"، عبر استفتاء البقاء ضمن المجموعة الفرنسية الأفريقية، وهو ما أغضب النخب السياسية الفرنسية الذين طالبوا من الإدارة الاستعمارية الفرنسية في غينيا بتدمير كلّ ما اعتبروه من إيجابيّات الاستعمار الفرنسي.

وهكذا كان، إذ لم يغادر المستعمرون الفرنسيون غينيا إلا بعد أن أخذوا معهم كلّ ما استطاعوا حمله وخرّبوا كلّ ما لم يستطيعوا حمله: مدارس، بنايات الإدارة العمومية، سيارات، كتب، أدوية، جرّارات. كما قاموا بقتل الخيول والأبقار وسمّموا المحاصيل الزراعية أو أحرقوها، تاركين غينيا في وضعية اقتصادية صعبة. كان الهدف من هذه الأعمال التخريبية الإجرامية، إرسال رسائل واضحة لباقي الدول المستعمرة من مغبّة التفكير في الانفصال عن فرنسا. 

في العام نفسه أي 1958، وخوفاً من عواقب اختياره الاستقلال عن فرنسا، صرّح ليوبولد سيدار سنغور: "اختيار الشعب السنغالي هو الاستقلال، لكنهم يريدون أن يحدث ذلك فقط في صداقة مع فرنسا، وليس في نزاع".

انتشرت عدوى استقلال الدول الأفريقية مع مطلع الستينيات فتفكّكت "مجموعة فرنسية-أفريقية"، لكنّ نخب الدول الأفريقية المستقلة كانت تستحضر الدرس الغيني القاسي لهذا بحثت عن تسويات مع فرنسا. فكان سيلفانوس أوليمبيو، أول رئيس لجمهورية توغو، سبّاقاً إلى اقتراح دفع بلاده ضريبة استعمارية سنوية لفرنسا مقابل ما تدّعيه أنه فوائد تمّ الحصول عليها خلال استعمارها للطوغو. وبناءً على هذا الاقتراح طالبت فرنسا بمبلغ سنوي كبير جداً لسداد ما يُسمّى بـ "الدين الاستعماري" (ما يقارب 40% من ميزانية الطوغو في عام 1963). 

العديد من الدول التي استعمرتها فرنسا أدّت وتؤدّي ضريبة الاستعمار التي يحلو لبعض الفرنسيين أن يسمّوها بضريبة التمدّن أو التحضّر. في المغرب أثارت الأستاذة الجامعية والنائبة البرلمانية السابقة، خديجة مفيد، ضجة حينما صرّحت في برنامح بإحدى القنوات التلفزيونية المغربية، أنّ فرنسا تستفيذ من عائدات الموارد الطبيعية المغربية وخاصة الفوسفات بنسبة تتراوح بين 60 إلى 80% بناءً على اتفاقيات "إيكس ليبان" التي وقّعت عام 1956 وحصل بموجبها المغرب على الاستقلال. مُدة الاستفادة بحسب الاتفاقية تمتدّ لنحو 100 عام أي حتى 2050.

ومن المفارقة أنّ هايتي أفقر دولة في الكاريبي قد فرضت عليها فرنسا دفع ما يعادل اليوم 21 مليار دولار من عام 1804 إلى 1947 مقابل الخسائر التي تكبّدها تجّار العبيد الفرنسيون بعد إلغاء العبودية وتحرير العبيد الهايتيين.

اقرأ أيضاً: الفرنك الأفريقي في خدمة فرنسا.. عن آخر عملة استعمارية في العالم

النظام المالي الاستعماري.. الفرنك الأفريقي

أنشأت فرنسا الفرنك الفرنسي الأفريقي CFA في كانون الأول/ديسمبر 1945. ومعظم الدول في منطقة الفرنك عبارة عن مستعمرات سابقة للإمبراطورية الفرنسية التي حصلت في الغالب على استقلالها الوطني في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.

وإذا كانت بعض المستعمرات أو الحمايات الفرنسية السابقة قد اختارت عملاتها كما هو حال غينيا كوناكري، بعد استقلالها في عام 1958، والمغرب في عام 1959، والجزائر في عام 1963 ومدغشقر عام 1972 وموريتانيا عام 1973، فإنّ 14 دولة أفريقية (12 دولة كانت سابقاً مستعمرات فرنسية هي: البنين، بوركينا فاسو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توغو، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، الكونغو برازافيل، والغابون إضافة إلى غينيا بيساو (مستعمرة برتغالية سابقة) وغينيا الاستوائية (مستعمرة إسبانية سابقة) اختارت التعامل بالفرنك الأفريقي.

ويعتمد قانون العملة رمز XAF للعملة المتداولة في وسط أفريقيا وXOF للعملة المتداولة في غرب أفريقيا. هذه العملة كانت لها قيمة ثابتة مقابل الفرنك الفرنسي واليوم لها قيمة ثابتة مقابل اليورو.

مالي، جرّبت عملة وطنية لمدة 22 عاماً لكنها عادت للانضمام إلى فرنك أفريقيا (FCFA) في عام 1984 بعد أن شهدت انهيار اقتصادها.

فرضت فرنسا على الدول التي تتعامل بالفرنك الأفريقي وضع 85% من احتياطاتها في البنك المركزي الفرنسي (على كلّ بنك مركزي للدول المتعاملة بالفرنك الفرنسي الأفريقي الاحتفاظ بما لا يقلّ عن 65% من احتياطياته من العملة الأجنبية في "حساب عمليات" مُدار لدى الخزانة الفرنسية، إضافة إلى 20% أخرى لتغطية الالتزامات المالية)، وتسمح للدول الخاضعة لنظامها المالي بالوصول إلى 15% فقط من أموالها سنوياً. وإذا احتاجت إلى أكثر، يجب على الدول الأفريقية الاقتراض بأسعار تجارية على الـ 65% من أموالهم المحتجزة في الخزانة الفرنسية.

كما تفرض فرنسا سقفاً على مبلغ الأموال الذي يمكن للدول اقتراضه من الاحتياطي في حدود 20% من إيراداتها العامّة في السنة السابقة. وإذا احتاجت الدول إلى اقتراض أكثر من 20% من أموالها الخاصة، لفرنسا حقّ النقض.

في الطوغو حاول الرئيس أولومبيو التغلّب على الوضعية المالية الصعبة التي خلّفتها ضريبة الاستعمار التي فرضتها فرنسا على هذا البلد حديث العهد بالاستقلال، فانسحب من نظام الفرنك الأفريقي، وأنشأ عملة التوغو. لكنّ الفكرة لم ترقَ لأصحاب القرار الفرنسيين، وفي 13 كانون الثاني/يناير 1963 وبعد ثلاثة أيام من بدء طباعة الأوراق النقدية الجديدة، حصل انقلاب مدعوم فرنسياً وأعدم أولومبيو على يد جندي سابق في الفيلق الفرنسي، الرقيب إتيان غناسينغبي. 

بعد إقرار نظام الأورو، وبالرغم من رفض الاتحاد الأوروبي لنظام الفرنك الأفريقي إلا أنّ فرنسا ظلّت متشبّثة به لأنه يوفّر لها سيولة مالية تبلغ نحو 500 مليار دولار سنوياً من أفريقيا. وقد قال الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك عن هذا النظام: "يجب أن نكون صادقين ونعترف بأنّ جزءاً كبيراً من الأموال في بنوكنا يأتي بالضبط من استغلال القارة الأفريقية".

موضوع الفرنك الأفريقي CFA، يثير نقاشات حول السيادة الاقتصادية في الدول العاملة به، خصوصاً بعد صدمة عام 1994، حينما فرضت باريس تخفيضاً في قيمة هذه العملة بنسبة 50%. مما كانت له عواقب فورية حيث انهارت القوة الشرائية للمواطنين نتيجة الارتفاع المفاجئ للأسعار وأدّت إلى فقدان الثقة في النظام.

يقول أمادو ديوب، أحد الاقتصاديين السنغاليين عن الفرنك الأفريقي CFA "إنه يشبه قلادة ذهبية تخنقنا"... "يُخبروننا أنه يحمينا، لكن في الواقع، إنه يحدّ من سيادتنا". هذا الرأي يتقاسمه الكثيرون في غرب أفريقيا، الذين يرون في هذه العملة عائقاً أمام التنمية الاقتصادية والاستقلال السياسي.

ووفقاً لاستقراء للرأي أجراه مرصد الاقتصاد الأفريقي في عام 2023، فإنّ 68% من مواطني الدول المعنية يرون أنه يجب استبدال الفرنك الأفريقي (CFA) بعملة أفريقية حقيقية. وقد اقترحت عملة جديدة، الإيكو، تدعمها الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (CEDEAO) لتحلّ محلّ الفرنك الأفريقي في بداية عام 2020، لكن تمّ تأجيل العمل بهذه العملة عدّة مرات. 

اليوم تبدو فرنسا أقلّ قوة مما كانت عليه قبل خمسين عاماً، فبالتزامن مع تراجع وجودها العسكري في دول الساحل، أصبحت فرنسا تواجه منافسة من دول أوروبية منذ اعتماد الأورو كما تواجه منافسة شرسة من الصين والهند والولايات المتحدة وتركيا، وأصبح من الصعب عليها التحكّم في التوجّهات الاقتصادية لمستعمراتها السابقة، وهذا ما فرض عليها منذ كانون الأول/ديسمبر 2019، البدء في إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية مع مستعمراتها السابقة، ولا سيما بعد الانتقادات الحادّة التي وجّهها قادة بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد لعملة الفرنك الفرنسي التي وصفوها بالعملة الاستعمارية وبأنها أداة للهيمنة الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: "فورين بوليسي": هل شارفت "أفريقيا الفرنسية" على نهايتها؟

اخترنا لك