إدارة مؤسسات الدولة في سوريا بعد سقوط النظام: واقع محبط وتحديات مستمرة

تؤكد الشهادات والواقع أن أسلوب إدارة الدولة ومؤسساتها في سوريا لم يشهد تحسناً بعد سقوط النظام السابق، بل تراجع وأصبح يدار بعقلية الوصاة والمشرفين، وتبعاً لأهواء هؤلاء ومدى ولائهم للسلطة الحاكمة.

  • إدارة مؤسسات الدولة في سوريا بعد سقوط النظام: واقع محبط وتحديات مستمرة
    إدارة مؤسسات الدولة في سوريا بعد سقوط النظام: واقع محبط وتحديات مستمرة

بعد أكثر من عام على سقوط النظام السوري وتسلم نظام جديد الحكم، برزت معه قوى أمر واقع جديدة في مختلف المحافظات السورية، لا تزال عملية إدارة مؤسسات الدولة تواجه تحديات بنيوية عميقة، تتجاوز الجغرافيا أو الجهة المسيطرة، وتمس جوهر مفهوم الدولة بوصفها منظومة قوانين ومؤسسات لا أفراداً ونفوذاً. فرغم اختلاف المرجعيات السياسية والعسكرية بين محافظة وأخرى، فإن نمط الإدارة السائد يكشف قواسم مشتركة أبرزها "غياب الحوكمة المؤسسية، وضعف الأطر القانونية، وهيمنة الولاءات على حساب الكفاءة والخبرة".

عقلية إدارية مرجعيتها "الوصي" وقانونها "الولاء"

تشير شهادات موظفين وعاملين في مؤسسات عامة في عدة محافظات سورية إلى أن إدارة المرافق الحكومية لا تزال تُدار بعقلية "الوصي" أو "المشرف"، وليس بعقلية المدير التنفيذي الخاضع لقوانين وأنظمة واضحة. ففي كثير من الحالات، يتم تجميد دور الخبرات الإدارية والأكاديمية بذريعة "إعادة الهيكلة" أو "القضاء على بيروقراطية النظام السابق"، دون أن يقابل ذلك بناء منظومة بديلة واضحة المعايير.

هذا الواقع أدى عملياً إلى تغييب الشهادات العلمية والخبرات المتراكمة في إدارة الدولة، وتحويل المؤسسات إلى هياكل شكلية تُدار بقرارات فردية، تختلف من محافظة إلى أخرى، بل ومن مؤسسة إلى أخرى، وفق رؤية ومزاج القائم عليها.

وفي معظم المحافظات السورية التي تقع تحت سيطرة الحكومة الجديدة، باتت التعيينات في المناصب الإدارية الحساسة تتم على أساس الولاء السياسي أو الأمني أو الشخصي، لا على أساس المؤهل العلمي أو الخبرة المهنية. ويُلاحظ أن كثيراً من المسؤولين الفعليين لا يحملون مؤهلات تعليمية متخصصة، بينما يتم إقصاء أو تهميش موظفين ذوي خبرة طويلة، ليقتصر دورهم على تنفيذ أوامر لا يشاركون في صياغتها.

ورغم وجود مديرين يحملون شهادات جامعية في بعض المؤسسات، فإن صلاحياتهم غالباً ما تكون محدودة، إذ يعود القرار الحقيقي إلى جهة إشرافية أعلى، ما يضعف سلسلة اتخاذ القرار ويؤثر سلباً في الإنتاجية وجودة الأداء.

 غياب القوانين وتضارب الصلاحيات

حتى اليوم، لا توجد منظومة قوانين موحدة وواضحة تنظم عمل المؤسسات العامة في سوريا ما بعد  سقوط النظام، سواء على مستوى الإدارة المالية أو الموارد البشرية أو الرقابة والمساءلة. هذا الفراغ القانوني فتح الباب أمام قرارات متناقضة، وتضارب في الصلاحيات، وأوجد بيئة عمل غير مستقرة تُدار فيها المؤسسات وفق اجتهادات فردية لا مرجعيات مؤسسية. ويظهر أثر ذلك بوضوح في تعطّل المشاريع، وتأخر إنجاز المعاملات، وغياب آليات واضحة للتخطيط أو التقييم أو المحاسبة.

من أكثر القضايا التي تمس حياة الموظفين بشكل مباشر هو تأخير صرف الرواتب، إذ تشهد عدة مؤسسات حكومية، وفي محافظات مختلفة، تأخيرات متكررة قد تمتد إلى شهرين أو أكثر، غالباً بسبب أخطاء إدارية، أو تأخر في اللوائح الاسمية، أو حجج تقنية لا تُقدّم بشأنها تفسيرات شفافة.

وقد سُجّلت حالات مشابهة في قطاعات حيوية مثل التعليم والتموين والخدمات، ما يضع آلاف العائلات أمام ضغوط معيشية خانقة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية. ويرى موظفون في القطاع العام أن الجهات المشرفة على هذه المؤسسات تتجاهل الأثر الاجتماعي والنفسي لهذه التأخيرات، ولا تقدم حلولاً جذرية لتفادي تكرارها.

قرارات تعسفية وبيئة عمل طاردة

إلى جانب أزمة الرواتب، يشكو موظفون من قرارات إدارية تعسفية تشمل النقل القسري بين المحافظات دون مراعاة الوضع الأمني أو تكاليف السكن، إضافة إلى تشديد غير مبرر في الالتزام بالدوام، وفرض عقوبات مالية قاسية على أي تأخير دون ربط ذلك بالإنتاجية أو جودة العمل. في المقابل، تُترك مؤسسات كاملة شبه متوقفة عن الإنتاج، بينما يُجبر موظفوها على الالتزام الشكلي بالدوام، ما يعكس انفصالاً واضحاً بين مفهوم العمل ومفهوم الإنجاز.

يثير تفاوت الأجور داخل المؤسسات العامة جدلاً واسعاً، وخصوصاً مع استمرار صرف رواتب مرتفعة وبعملات أجنبية لبعض الموظفين الذين تم انتدابهم من حكومات أو إدارات سابقة (حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام)، مقابل رواتب متدنية وبالليرة السورية لغالبية موظفي الدولة. ويُنظر إلى هذا التفاوت على أنه عامل إضافي يكرّس الإحباط، ويقوّض مبدأ العدالة الوظيفية، لا سيما مع الالتزام المنتظم بصرف رواتب فئة دون أخرى.

على مستوى البلديات والخدمات أيضاً، صدرت قرارات وُصفت بأنها مرهقة للمواطنين مادياً، مثل رفع فواتير الكهرباء أو منح استثمارات خدمية للمقربين دون اتباع إجراءات شفافة أو قوانين إدارة محلية واضحة، بما في ذلك تأجير شوارع وأماكن عامة بشكل يخالف الأعراف الإدارية، ويضيف أعباء مالية جديدة إلى السكان.

أزمة مؤسساتية عميقة

تكشف التجربة الراهنة لإدارة مؤسسات الدولة في سوريا، عبر مختلف المحافظات، أزمة عميقة في "بناء الدولة بعد الصراع"، إذ لم ينجح تفكيك نموذج النظام السابق في إنتاج نموذج بديل قائم على القانون والكفاءة والمساءلة.

ويبقى التحدي الأساسي متمثلاً في الانتقال من إدارة قائمة على النفوذ والولاء إلى حوكمة مؤسسية حديثة، تعيد الاعتبار إلى القانون، وتحمي حقوق الموظفين، وتضع مصلحة المواطنين في صلب القرار العام. وحتى يتحقق ذلك، ستظل مؤسسات الدولة تعاني هشاشة الأداء، وستبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل الإدارة العامة في سوريا.

اخترنا لك