معادلة مضيق هرمز: حدود المناورة الأميركية تضيق

إيران تفرض واقع سيطرة ميدانية ودبلوماسية ملموسة على مضيق هرمز عبر استراتيجية الحرب غير المتناظرة والتنسيق الثنائي الثابت مع سلطنة عُمان، ما يعوق الخيارات العسكرية الأميركية ويضع أسواق الطاقة الحيوية تحت ضغط بالغ بانتظار العودة لتنفيذ تفاهمات التهدئة.

  •  مئات  السفن كانت عالقة في هرمز؟! (جيتي)
    معادلة مضيق هرمز: حدود المناورة الأميركية تضيق (أرشيف)

لم يستطع السوق العالمي، حتى اللحظة، تعويض إغلاقات مضيق هرمز، أو رسم مسارات بديلة مناسبة.

كان المضيق يمرر 34% من النفط المنقول بحراً، و30% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، و20% من إجمالي النفط المتداول دولياً، ولا يمكن لخطوط الأنابيب نقل أكثر من ثلث الكمية المطلوبة. والآن يعود الصراع عليه إلى الواجهة، منذراً بانهيار مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، بعد تنسيق الولايات المتحدة مساراً ملاحياً لم تصرح به إيران، في خرق للإجراءات محل الاتفاق في المذكرة. ومن هنا عاد التصعيد العسكري مؤخراً، وأُعلن إغلاق المضيق مرة أخرى، ما يعرّض قطاع الطاقة والنفط عالمياً والاقتصاد الأميركي لضغط بالغ الأثر، دفع ترامب من قبل لوقف الحرب والذهاب إلى التفاوض.

بعد "مهلة" أعطاها ترامب للإعلان عن فتح المضيق بالكامل، جاء الرد الإيراني بإعلان الإغلاق حتى إشعار آخر، في محصلة منطقية تعكس تعطّل مفاوضات ما بعد المذكرة، في سويسرا، وبقاء القدرات والقوات الأميركية في محيط إيران، من دون مؤشرات للالتزام بتفكيكها وسحبها. ومع الإغلاق، وتجدد استهداف القدرات الأميركية في الأردن والكويت وعُمان، والانتهاء من مراسم دفن قائد الثورة الإسلامية السابق، يعبر خطاب إيران الرسمي مؤخراً عن نية للتصعيد، ويقول مندوبها في الأمم المتحدة إنها لن تواصل الالتزام بمذكرة التفاهم إذا استمرت الانتهاكات الأميركية. وسط تقارير أميركية عن تواصل إنتاج الصواريخ، والاحتفاظ بنفس القدرات الصاروخية.

اللافت في هذا الإغلاق بالتحديد، انطلاق مسار تفاوض فرعي بين إيران وسلطنة عُمان، يسعى للتفاهم على أمن الملاحة ومسارات المرور بالمضيق، وقدمت خلاله السلطنة مسودة اتفاق يسمح بالمرور في المسار المستحدث، وتتخلى طهران بموجبه عن تحصيل رسوم عبور، مع الاحتفاظ بحق الموافقة المسبقة. بموازاة تصريح مصدر إيراني لوكالة تسنيم أن إدارة المضيق والقرار السيادي عليه تعود حصراً إلى إيران وعُمان، نافياً ما تردد عن "تفاهمات نهائية" بشأنِه. ما يشير إلى مقاربة دبلوماسية لمواجهة الالتفاف على مضمون المذكرة، واحتواء سيناريو المسار البحري البديل، في إطار تكريس السيادة على المضيق، مع التمسك بالشراكة الموثوقة مع عُمان ومنع تجاوز دور إيران في الوقت ذاته.

يبلغ عرض الممر المائي حوالي 30 كيلومتراً عند أضيق نقطة، ما يُفقد السفن الحربية الأميركية الكبيرة مزيتها، ويسمح بالتعرّض للصواريخ المضادة للسفن، إذ تنتشر البطاريات البرية على طول الساحل الإيراني على الخليج، فضلاً عن المسيرات الان الانتحارية القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة. ويبدو أن الاستهدافات الأخيرة للسفن غير المصرح لها من إيران رسالة لصانعي القرار دولياً، مفادها تمسكها بالبند الخامس من مذكرة التفاهم، وينص على أن "تتخذ إيران الترتيبات اللازمة لتوفير ممر آمن للسفن التجارية من الخليج إلى بحر عمان وبالعكس لمدة 60 يوماً، وتُنظم حركة السفن بالتنسيق مع عُمان والدول المشاطئة الخليج". والرد على عدم الالتزام الأميركي بالبندين الأول والرابع كذلك، ومضمونهما وقف الحرب على جميع الجبهات، خاصةً لبنان، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد به، ورفع الحصار البحري وسحب القوات من محيط البلاد والمضيق.

فضلاً عن معضلة الألغام البحرية، التي لا تلعب دوراً حاسماً في سيناريو الاشتباك المباشر، والصواريخ والمسيرات، تطبق إيران مبدأ الحرب غير المتناظرة على مستوى الحرب البحرية، مثل البرية. إذ تعتمد على أسراب من زوارق الهجوم السريع، عالية القدرة على المناورة، يمكن استخدامها لتحقيق إغراق، مشابه للإغراق بصواريخ أرض- أرض، للوحدات البحرية المهاجِمة، بهجوم متزامن كثيف. وفي المقابل، ومع القدرات التقليدية للبحرية الأميركية، لا يضمن الاستهداف الجوي للمواقع الإيرانية الساحلية تحييد التهديد، بفعل المساحة الكبيرة والتضاريس، مع التعقيدات التي أثبتتها الوقائع لاستخدام حاملات الطائرات، التي قد تُستهدف بدورها.

مشهد يترك الولايات المتحدة من دون خيارات حاسمة تجاه مسألة السيطرة على المضيق بالتحديد، ومحصّلته أن تنفيذ "اقتحام" بحري لقوس المضيق، وإبرار على جزيرة خارك أو قشم مثلاً، لتدمير بنية الدفاع أو النفط الإيرانيتين، مهمة خطرة ومكلفة تفتح الباب لخسائر أميركية أكبر، وتأثير أسوأ على قطاع الطاقة والنفط، يحوّل الحرب إلى عبء خالص، ويدفع المزيد من الأصوات للارتفاع تنويهاً بمكاسب المضاربين، المطّلعين على مواقيت وتفاصيل صناعة القرار الأميركي. مع مؤشرات مثل تصريح مسؤول أمريكي لصحيفة وول ستريت جورنال، أن إيران استعادت بعض قدراتها العسكرية حول مضيق هرمز منذ وقف إطلاق النار في نيسان- أبريل، واستخرجت أو أصلحت مئات الصواريخ ومنصات الإطلاق التي تضررت أو دُفنت جراء الضربات الأميركية، واحتفظت بأكثر من نصف مخزونها من الصواريخ.

ومن زاوية أخرى، يصعب على البحرية الأميركية مرافقة كل السفن التجارية المتزاحمة للمرور، في ظل هذا النمط من الاستهداف المحتمل، والنجاح العملي الإيراني في تنسيق عبور سفن تابعة لدول عديدة، بترتيبات ثنائية وقنوات للوساطة، ما يعني فرض إيران واقع سيطرة ملموس، لا يقتصر على السيطرة العسكرية، ويعكس علاقات دولية خاصة، ويصعب إزاحته باعتماد المسار البديل المحاذي لأراضي سلطنة عمان. ومع سحب بريطانيا كاسحات الألغام خاصتها، ورفضها "الانخراط في حرب"، وموقفها (وفرنسا) المحذّر من غياب خطة عسكرية قابلة للتنفيذ للسيطرة على المضيق، يتضح غياب الإجماع الغربي - ومن ورائه الدولي - بشأن الترتيبات الأمنية المطلوبة أميركياً، ما يعني أزمة شرعية تواجه أي عملية محتملة للسيطرة عليه.

يظل مطروحاً على الطاولة سيناريو استخدام قوات مشاة البحرية والقوات الخاصة، ضد هدف قريب من الساحل مثلاً، أو لإنزال يستهدف موقعاً نووياً، بصفته الخيار الوحيد الباقي، لـ"ردع إيران" بالتصور الأميركي والعودة إلى مفاوضات سويسرا، وهو ما يمكن اعتباره (وفق هذا التصور) ضغطاً ميدانياً لدعم الموقف السياسي، وتحسيناً لشروط التفاوض، لكنه يصطدم بضعف قدرة الولايات المتحدة وأسواق النفط على تحمل الكلفة والتداعيات، بعد احتساب الأثر الاقتصادي للإغلاق التام لعدة أشهر على الاقتصاد العالمي ومعه الأميركي. والخلاصة تأثير إيراني على أسعار الطاقة عالمياً إلى حين عودة المفاوضات، وتطبيق لمبدأ "التحكم الذكي" في المضيق، المعلَن، للتعامل مع المناورة الأميركية المتواصلة، ومن خلفها الإسرائيلية، بعدم الالتزام بالإجراءات الأساسية لتطبيق مذكرة التفاهم.

وفي نفس المعادلة الأمنية للمضيق، لا يحجّم الحصار على موانئ إيران والسفن المبحرة منها، وخسائرها جراء ذلك، سيطرتها عليه، وبالتالي تحكّمها في سفن دول أخرى، مع تثبيتها قابلية أي سفينة لا تستخدم نظام العبور للاستهداف. كما يستهدف الحصار الموانئ الإيرانية، لا السفن التي قبلت شروط إيران لعبور المضيق، طالما لا تبحر من أو إلى تلك الموانئ. ما يعني غياب فاعلية خطوة الحصار، التي يُفترض أن تمثل ضغطاً يؤدي إلى فتح المضيق، لكنها تزيد الموقف تعقيداً، وكذلك تنعكس سلباً على شركات النفط، إذ تفتح الباب - نظرياً - لتوقيع عقوبات على من يدفع رسوم عبور لإيران، حال عدم وجود حكومة تتوصل إلى اتفاق ثنائي يسمح بعبور السفينة من دون رسوم.

رغم إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في 7 تموز- يوليو قصف أكثر من 80 هدفاً في إيران، رداً على استهداف السفن العابرة للممر المستحدَث، يجمع المراقبون والخبراء العسكريون أن بحرية الحرس الثوري تستطيع السيطرة على المضيق، حتى بعد تعرض أهداف وردارات ساحلية للاستهداف. إذ تحملت البنية العسكرية الإيرانية غير التقليدية موجات قصف أعنف وأوسع من دون أثر سلبي معتبر، والدليل أن الحرس لم يزل قادراً على إعلان إغلاق المضيق بالكامل، متجاهلاً تهديدات ترامب، مع إصرار على استهداف المنشآت الأميركية الملاصقة جغرافياً، في رد عملي على تجاهل ترامب الالتزام بالمذكرة وإصراره على المناورة.

في ظل شح الخيارات العسكرية وكلفتها الخطرة، وغياب الإمكان العملي والشرعية لتنفيذ مهمة غامضة الملامح، وبطيئة بالضرورة، مثل فتح مضيق هرمز بالقوة، ومع الضغط غير المسبوق على قطاع الطاقة، وتأثير أسعارها، يكفل عامل الجغرافيا لإيران أساساً هاماً لرسم دورها في معادلة أمن الملاحة هناك. ويتكامل معه استخدام الحرب غير المتناظرة، بتنوع متطلباتها، والقدرة على الانفراد بإجراء ترتيبات عبور المضيق بمعزل عن الدور الأميركي. والنتيجة قدرة على صياغة تلك المعادلة بما يلائم ميزان القوى الذي عبرت عنه الحرب، وأقرّ به ترامب ضمناً، بتوقيع مذكرة التفاهم، التي تبدو الآن واحدة من محطات مناوراته المتواصلة.

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث في مضيق هرمز؟ ولماذا تتجدد الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة؟

اخترنا لك