ما بين الجزائر والإمارات.. تباين وتصادم
يتكشّف جوهر التصادم بين الجزائر والإمارات، إذ تدافع الجزائر عن نموذج الدولة ذات الشرعية التاريخية والاستقلال القرار، بينما تتحرّك الإمارات بمنطق الدولة الشبكة التي توظّف المال والنفوذ والتحالفات لصناعة تأثير يتجاوز حدودها. وهذا التباين البنيوي في مصادر القوة والرؤية يجعل الخلاف بينهما أعمق من كونه خلافاً ظرفياً.
-
ما بين الجزائر والإمارات.. تباين وتصادم
جاء إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مصحوباً بوصف مفاده استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، وفقاً لما أعلنه بيان لوزارة الشؤون الخارجية الجزائرية. وأضاف البيان: "إزاء تزايد التصرّفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، تحلّت الجزائر بقدر كبير من ضبط النفس وبحسّ عالٍ من المسؤولية، ولم تدّخر، انطلاقاً من روح الاحترام الكامل للمبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول، أيّ جهد في لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تترتّب على سلوكياته المؤسفة وغير المبرّرة".
وأوضح البيان أنه "على الرغم من هذه التحذيرات العديدة، واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة تماديها في هذه التصرّفات التي بلغت حدوداً لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمّل في إطار العلاقات القائمة بين دولتين ذات سيادة، أو أن تبقى من دون ردّ". وأوضح البيان الذي صدر الخميس 10 أيلول/سبتمبر 2026 أنه، بعد استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، قرّرت الحكومة الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وإمهال سفيرها فرصة 48 ساعة للمغادرة.
الإمارات تتطلّع
قرار الحكومة الجزائرية، الذي وصفته دولة الإمارات بـ"المؤسف"، يأتي دلالةً على ما وصلت إليه خلافات البلدين، في ظلّ اتهامات جزائرية ظلّت تطال أبو ظبي بشأن أعمال وسياسات تنشط فيها الأخيرة. وكان ردّ فعل الإمارات العربية المتحدة إزاء قرار الجزائر بطرد سفيرها وقطع العلاقات الدبلوماسية هو "الإعراب عن الأسف". وكتب مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش على منصة إكس: "العلاقات الدبلوماسية تُدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح، لا بالألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فكّ شفراتها". كما انتقد أن تكون العلاقات "رهينة للاحتقان الداخلي أو العجز عن شرح المصالح وتحديد الأولويات"، معتبراً أنّ "الغموض ليس سياسة، والضجيج لا يعوّض غياب الرؤية".
وقالت وزارة الخارجية الإماراتية في بيانها إنّ الإمارات "تتطلّع إلى أن يكون هذا القرار مؤقتاً، بما يحفظ الروابط الأخوية بين الشعبين الشقيقين"، وأكّدت حرصها على استمرار هذه الروابط والمصالح المشتركة وتعزيزها. ولم يعلن الجانب الإماراتي في ردّ فعله الأوّلي عن أيّ تدابير انتقامية مضادّة، مثل طرد الدبلوماسيين الجزائريين، متبعاً مسار التهدئة النسبية بدلاً من المواجهة المباشرة.
اقرأ أيضاً: بعد قطع العلاقات.. الجزائر تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المرقمة بدولة الإمارات
اتهامات واحتقان
تأتي قضية الصحراء الغربية، والملف الليبي، ومنطقة الساحل، والموقف من "إسرائيل"، والملف السوداني في مقدّمة قضايا الخلاف بين الجانبين. وضمن ملفات التوتر الأكثر حساسية تبرز قضية الصحراء الغربية بوصفها أحد أهمّ ملفات الخلاف؛ فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو ومبدأ تقرير المصير الذي تطالب به الجبهة، بينما تناصر أبو ظبي بصورة واضحة الموقف المغربي بشأن الصحراء. ومع أنّ القرار الجزائري جاء مقتضباً ولم يشر إلى أيّ من هذه القضايا، إلّا أنّ نشاط دولة الإمارات، وما تشير إليه معطيات في دعم جماعات معادية للجزائر توصف بأنها إرهابية، مثل حركة "ماك"، وتدخّلاتها في الشأن الجزائري، أصبحا يشكّلان تجاوزاً يتعدّى الحدود إلى المساس بمصالح قومية، بحسب لغة الخطاب الجزائري.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد اتهم في تصريحات سابقة الإمارات بالتدخّل في الشؤون الداخلية الجزائرية، ومحاولة التأثير على الانتخابات الرئاسية في عامي 2019 و2024. وفي شباط/فبراير 2026، أكّد تبون وجود خلافات مع من سمّاها "دويلة"، اتهمها بضرب استقرار بلاده، في إشارة واضحة إلى الإمارات. ولم يصدر عن الجانب الإماراتي ردّ مفصّل على هذه الاتهامات، واكتفى في ردّه الأوّلي بالبيان الرسمي الذي أعرب عن الأسف.
وفيما يتعلّق بقضية الصحراء الغربية، كانت أبو ظبي قد افتتحت قنصلية في مدينة العيون بالصحراء الغربية عام 2020، لتصبح أول دولة عربية تفعل ذلك، وهو ما اعتبرته الجزائر استفزازاً، خاصة لما يشكّله ذلك من عداء تجاه موقفها الداعم لجبهة البوليساريو المطالبة بالاستفتاء لتقرير المصير. وكانت وسائل إعلام جزائرية قد اتهمت في وقت سابق مسؤولين إماراتيين بتزويد المغرب بأنظمة مراقبة متطوّرة تستهدف العمق الجزائري.
ويأتي ضمن أهمّ خلافات الجانبين التطبيع مع "إسرائيل" والاتفاقات الإبراهيمية التي تبنتها الإمارات؛ حيث يمثّل التباين حول التطبيع مع "إسرائيل" سبباً جوهرياً من أسباب الخلافات والتوتر، إذ أعلنت الإمارات تطبيع علاقاتها مع "إسرائيل" عام 2020 ضمن "الاتفاقيات الإبراهيمية"، وهو ما رفضته الجزائر بشدّة، باعتباره يتعارض مع الموقف العربي والإسلامي الموحّد المناصر للقضية الفلسطينية.
اقرأ أيضاً: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات لـ"تدخلها في شؤونها الداخلية"
أحداث ومواقف
إلى جانب ذلك، تباينت مواقف البلدين في عدة ملفات إقليمية تُوجّه فيها الاتهامات إلى الإمارات بتأجيج أزماتها، وهي:
- الحرب الليبية: دعم الإمارات اللواء المتمرّد خليفة حفتر في هجومه على طرابلس عام 2019، بينما عارضت الجزائر أيّ حلّ عسكري وطالبت بتسوية سياسية للمشكلة.
- السودان: ترى الجزائر في الحرب الجارية عدواناً على السودان يؤثّر على جملة الأوضاع الإقليمية، بما فيها الأمن القومي الجزائري، في حين أفادت تقارير بدعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع بقيادة المتمرّد حمدان دقلو "حميدتي".
- مالي: اتهمت الجزائر الإمارات بتمويل وتزويد المجلس العسكري الحاكم في مالي بالأسلحة، مما زاد التوتر في العلاقات بين الجزائر وباماكو.
ويأتي هذا إلى جانب التهم الموجّهة إلى القيادة الإماراتية بدعم العديد من الحركات الانفصالية، من بينها حركات جزائرية، وهو ما لا يتماشى مع الأعراف الدولية.
ولم يكن القرار الجزائري بقطع العلاقات مع دولة الإمارات مفاجئاً للأوساط السياسية، لما جرى من خطوات تصعيدية عديدة، أبرزها:
- في شباط/فبراير 2026، أعلنت الجزائر إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي الموقّعة مع الإمارات في أيار/مايو 2013، مما أنهى رحلات الطيران بين البلدين بصورة كاملة.
- وظلت وسائل إعلام رسمية جزائرية تنتقد السياسات الإماراتية التي وصفتها بالعدائية للأمة العربية وببثّ بذور الفتن بين الشعوب.
- دعم الإمارات لحركة تقرير مصير القبائل المسماة "ماك" الانفصالية، التي تصنّفها الحكومة الجزائرية حركة إرهابية، هو ما أكدت صحيفة "الخبر" الجزائرية أنّ أبو ظبي ضالعة فيه.
مفارقات
تُعدّ الجزائر واحدة من أهمّ الدول العربية والأفريقية، وثقلاً سياسياً وجيوستراتيجياً في أفريقيا وحوض المتوسط. وهي دولة ارتبط اسمها تاريخياً بالتحرّر الوطني ومقاومة الاستعمار، حتى غدت "بلد المليون شهيد" رمزاً لشرعية ثورية ممتدة. وتمتد أراضيها من سواحل البحر المتوسط إلى أعماق الصحراء الكبرى، ما منحها موقعاً استراتيجياً يربط بين الفضاء العربي والمغاربي والأفريقي والمتوسطي، ويجعلها فاعلاً لا يمكن تجاوزه في أيّ ترتيب إقليمي.
أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فتقع جنوب شرق شبه الجزيرة العربية على الساحل الجنوبي للخليج. وهي نموذج مختلف في مصادر القوة والتأثير؛ فبينما تمثّل الجزائر قوة عربية وأفريقية ذات عمق تاريخي وجغرافي وثقل سياسي متوارث، تمثّل الإمارات نموذج الدولة الصغيرة مساحةً وسكاناً، لكنها نجحت في تحويل الفائض المالي والاقتصادي إلى حضور سياسي ودبلوماسي يتجاوز حجمها الجيوسياسي. وقد أسهمت في ذلك بنية اقتصادية قائمة على التجارة والاستثمار والطيران والخدمات اللوجستية، وشبكة تحالفات مع "إسرائيل" وقوى دولية، وتبنٍّ مبكر لسياسات التطبيع والانفتاح على مراكز النفوذ العالمية.
وترى دوائر سياسية أنّ الدور الإقليمي الفاعل للإمارات ليس نابعاً فقط من قدراتها الذاتية، بل هو دور مصطنع في جزء منه، إذ تعتمدها قوى دولية كنفوذ إقليمي للقيام ببعض المهام الموكلة إليها، ومنها أدوارها في العديد من المناطق والقضايا، بما في ذلك شمال أفريقيا. وهنا يتكشّف جوهر التصادم: الجزائر تدافع عن نموذج الدولة ذات الشرعية التاريخية والاستقلال القرار، بينما تتحرّك الإمارات بمنطق الدولة الشبكة التي توظّف المال والنفوذ والتحالفات لصناعة تأثير يتجاوز حدودها. وهذا التباين البنيوي في مصادر القوة والرؤية يجعل الخلاف بينهما أعمق من كونه خلافاً ظرفياً، ويجعل قطع العلاقات تعبيراً عن تصادم إرادات واستراتيجيات، لا مجرّد ردّ على واقعة عابرة.