صحافي لبناني يقود جهداً دولياً لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.. هل تنتصر العدالة الدولية؟
الصحافي اللبناني علي شهاب، أخو الشهيد محمد شهاب، يطلق عريضة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.. إليكم تفاصيلها ورابط التوقيع عليها.
-
ذاكرة اللبنانيين في مواجهة الإجرام الإسرائيلي
صادق لبنان الرسمي منذ أيام، على تجاهل حقّ المعاقبة القانونية على المجازر التي ارتكبتها "إسرائيل" -وما زالت- في البلاد، سعياً إلى سلب حقّ كل مواطن في مطالبة المحافل الدولية بمحاكمة مجرمي الحرب الذين قتلوا فرداً من عائلته أو عزيزاً عليه.
وعليه، كان أمام المواطن اللبناني خيارٌ واحد، هو القيام بدور المؤسسات الفعليّ في حماية المواطنين والتصدي للمعتدين، ومطالبة الأمم المتحدة بمحاكمة المجرمين، وجمع الأدلة والوثائق والوقائع، ومتابعة المسارات القانونية، والمطالبة بالعدالة للشهداء، بوصفه حقاً أصيلاً بيد أخٍ أو أب أو ابن، يسعى لتوثيق حقيقة قتلِ الاحتلال فرداً من عائلته.
ولأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم - بموجب القانون الدولي الإنساني - وأن المعاهدات السياسية الثنائية لا يمكنها أن تسلب الضحايا الأفراد حقهم في المحاسبة، كان لا بد من تحرك مدني إنساني يحاسب القاتل على توحشه.
وعليه، قرر الصحافي اللبناني علي شهاب، أن يطالب بحق أخيه محمد -بعدما قام جيش الاحتلال الإسرائيلي في الـ 12 من آذار/مارس من هذا العام، باستهدافه، ما أسفر عن استشهاده وبرفقته ابنته الطفلة تالين - وبحق آلاف المدنيين، الذين تُعد الجرائم التي مورست بحقهم نقضاً واضحاً للمبادئ الإنسانية والقانون الدولي.
تحرك شهاب انطلق من نشر عريضة لتشكيل جبهة موحدة ومستقلة لأهالي الضحايا تطالب بمحاكمة قادة الاحتلال وعناصره على جرائمهم بحق المدنيين اللبنانيين، ناقلاً المعركة إلى المحاكم الأوروبية تحت مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، الذي يسمح بمحاكمة مجرمي الحرب بغض النظر عن جنسيتهم أو تضارب ذلك مع أي "اتفاق سياسي".
مطالب العريضة الدولية
ولخّص شهاب مطلبه - ومطالب عموم اللبنانيين الذين شاركوا في التوقيع على العريضة - الموجّهة للأمين العام للأمم المتحدة، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، والمدعين العامين في أوروبا، بالآتي:
-رفض أي اتفاق سياسي يمنح الحصانة لمجرمي الحرب.
-فتح أبواب محاكمهم للملفات القانونية لذوي الضحايا بموجب "الولاية القضائية العالمية".
-حماية عائلات الضحايا من الترهيب الممنهج محلياً.
وعليه، دعا شهاب اللبنانيين عموماً، إلى التوقيع على هذه العريضة، مؤكداً بذلك أن دماء المدنيين الأبرياء ليست عملة سياسية للمقايضة.
للتوقيع على العريضة
ما دافع المبادرة؟
وفي حديثه للميادين أونلاين، قال شهاب إن الدافع الأولي الذي قاده لإطلاق المبادرة كان "شخصياً جداً"، انطلاقاً من فقده أخاه محمد وابنة أخيه تالين (4 سنوات)، في الاعتداء الإسرائيلي.
وأردف شهاب أن همّه آنذاك انصبّ في طرحه سؤالاً واحداً: "كيف يمكن لعائلة فقدت أبناءها أن تحافظ على الحقيقة بطريقة يمكن أن تكون ذات قيمة قانونية في المستقبل؟"
من هذه النقطة بالذات، أكد الصحافي اللبناني وأخو الشهيد، أن مبادرته ليست سياسية، ولا تستهدف أي طرف داخلي، وإنما تمثّل محاولة لـ "بناء نموذج مهني يساعد عائلات الضحايا على حفظ الأدلة وفق معايير يمكن الاستفادة منها أمام أي جهة قضائية أو حقوقية مستقبلاً".
ما مسار المبادرة الزمني؟
أما عن مسار المبادرة، فذكر شهاب أنه عمل خلال الأشهر الماضية على أكثر من مسار بالتوازي.
-أولًا، بدأ بإعادة بناء تسلسل زمني دقيق لما جرى، دقيقةً بدقيقة، اعتماداً على الصور والفيديوهات والبيانات الرسمية والأرشيف الإعلامي والمصادر المفتوحة وشهادات الشهود.
-ثانياً، بدأ التواصل مع منظمات دولية متخصصة بالتوثيق والعدالة الانتقالية، إضافة إلى صحافيين وباحثين وخبراء في القانون دولي.
-ثالثاً، أتيحت له فرصة عرض قصة أخيه محمد والطفلة تالين ضمن فعالية في الأمم المتحدة في جنيف، تناولت حماية الصحافيين والمدنيين، إذ ركز في كلمته على تجربة العائلات التي تجد نفسها مضطرة لأن تصبح هي بنفسها المحقق والموثق والأرشيف.
-رابعاً، أشار في حديثه للميادين إلى أنه لقيَ تجاوباً مهماً من عدد من المسؤولين والخبراء الدوليين الذين أبدوا استعدادهم لتقديم المشورة، وربط ذلك بجهات متخصصة في التوثيق وفق المعايير الدولية.
وعند سؤاله عن حيثيات المبادرة اليوم، قال شهاب إنه يعمل على تحويل هذا الجهد كله إلى ملف قانوني متماسك، لا مجرد قصة إعلامية، معتبراً أن الضغط الذي قد تولّده هذه المبادرة هو ضغط باتجاه الحقيقة والتوثيق المهني واحترام القانون الدولي، وليس ضغطاً سياسياً بالمعنى الحزبي أو الاصطفافي.
ما مستقبل المبادرة؟
وعن مستقبل المبادرة، قال: "لا أستطيع أن أعد الناس بنتيجة قانونية محددة، لأن العدالة الدولية بطبيعتها قد تستغرق سنوات، لكنني مؤمن بأن أي قضية تبدأ أولاً بحفظ الأدلة، فإذا ضاعت الأدلة اليوم، قد تضيع الحقيقة إلى الأبد".
أما إذا جرى التوثيق بطريقة صحيحة، فـ "إن أي تطور قانوني مستقبلي، سواء بعد سنوات أو حتى عقود، سيكون مبنياَ على وقائع مثبتة"، وفقاً لشهاب.
وعن طموحه من خلال طرح المبادرة، قال الصحافي اللبناني إنه لا يقتصر على متابعة قضية محمد وتالين، وإنما يمتد نحو المساهمة في إنشاء ثقافة توثيق يستفيد منها كل من فقد قريباً خلال الحرب، مشدداً على أن حفظ الحقيقة بحد ذاته قيمة إنسانية وتاريخية وقانونية، حتى لو تعذّر الوصول إلى محاسبة فورية.
وربط ما يقوم به -وغيره من عائلات المدنيين الأبرياء- بأبعاد عميقة ترتبط بإمكانية قيام دولة حقيقية في لبنان بالاستناد إلى ثقافة القانون، مردفاً: "أنا أتلقى يومياً عشرات الاتصالات والرسائل التي تطلب مني نقل التجربة والمساعدة في فهم سياق هذه القضايا وأهميتها، وهذا يدل على أن الناس متعطشة للقانون".
هل تلقى المبادرة تجاوباً شعبياً؟
وانطلاقاً من مسار المبادرة الإنساني البحت، قال الزميل علي إنه وجد تجاوباً كبيراً من مختلف المناطق والانتماءات، إذ تواصل معه عدد كبير من العائلات التي فقدت أبناءها، وكذلك صحافيون ومحامون وأطباء نفسيون وباحثون وخبراء تقنيون.
هؤلاء -وفقاً لشهاب- لا يجمعهم الموقف السياسي، وإنما شعورهم بأن العائلات تحتاج إلى من يساعدها على حماية حقوقها وحفظ ذاكرة أحبائها، وهذا ما يحاول التركيز عليه دائماً، مؤكداً أن القضية ليست قضية عائلة واحدة، ولا منطقة واحدة، بل قضية أي مدني فقدَ حياته أو فقدَ أحد أفراد عائلته.
هل هناك تواصل مع جهات حكومية؟
وفي الإطار، أبدى شهاب ترحيبه بأي تعاون مؤسساتي يلتزم بالقانون ويحترم استقلالية التوثيق، مذكراً بأنه سبق أن دعا إلى قيام الدولة اللبنانية بكل ما يسمح به القانون الدولي من أجل حماية حقوق الضحايا، مؤكداً أن مسؤولية الدولة تبقى أساسية في هذا المجال.
وأضاف: "أؤمن بأن المجتمع المدني، والجامعات، والنقابات، والمنظمات الحقوقية، والخبراء المستقلين، يمكنهم أن يلعبوا دوراً مهماً في دعم العائلات"، مردفاً: "لا أنظر إلى الأمر باعتباره مواجهة بين الدولة والمجتمع، بل أرى أن حماية الحقيقة مسؤولية مشتركة".
وعمّا يتمناه في هذا السياق، قال شهاب: "أن يصبح توثيق معاناة المدنيين قضية وطنية جامعة، بعيدة عن الانقسامات السياسية، لأن كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم يجب أن تبقى فوق أي خلاف".
كذلك، أشار إلى أن التواصل مع عدد من النواب والوزراء مستمر في هذا الصدد، بالتوازي مع إبداء رئيس مجلس النواب نبيه بري اهتماماً شخصياً بهذا الأمر، واستمرار تنسيق الجهود جميعها لخدمة القضية الأكبر.
لحفظ الذاكرة والحقيقة
مبادرة الصحافي اللبناني علي شهاب انطلقت من وجعٍ شخصي يطال وجع لبنانَ الجماعي، الذي يلتقي بكلّه عند منعطف واحد، وهو الإطار الإنساني القانوني الذي لا يمكن إنكاره أو تخطّيه، ولو استُكمل السعي لاتفاقات سياسية موازية.
وعليه، فإن التوقيع على العريضة، وتسجيل الموقف، ودعم المبادرات، والسعي لخلق أخرى، وحفظ الأرشيف والوثائق والصور، وتوثيق الجرائم الإسرائيلية وحملها نحو المحافل الدولية، هي هدفٌ منطلق من أوجاع اللبنانيين جميعاً، الذين لم يبقَ منهم فردٌ لم يفقد حبيباً، صديقاً، قريباً، أخاً، أو على الأقل... مواطناً لبنانياً مثله.