حين تصبح الإنجيلية في أفريقيا حصان طروادة لـ"إسرائيل"

الإنجيلية الأفريقية تتمدد من الكنائس إلى السياسة والاقتصاد والجغرافيا السياسية. فهل أصبحت هذه الشبكات بوابة ناعمة لـ"إسرائيل" داخل القارة؟

  • حين تصبح الإنجيلية في أفريقيا حصان طروادة لـ
    حين تصبح الإنجيلية في أفريقيا حصان طروادة لـ"إسرائيل"

في أواخر القرن التاسع عشر، وصل المبشّرون الإنجيليون البروتستانت إلى أفريقيا واستقروا في مناطق لم تكن تعرف نشاطاً تبشيرياً كبيراً. ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت الإنجيلية بسرعة في عدة دول في غرب وشرق أفريقيا جنوب الصحراء، خصوصاً في نيجيريا وغانا وكينيا وجنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا سيما الكنائس الإنجيلية الخمسينية/العنصرة pentecôtisme والكاريزمية charismatique التي تركز على فعالية العمل الإلهي من خلال الشفاءات والظهورات الخارقة.

أفريقيا: القلب النابض الجديد للإنجيلية العالمية

تشكل سنوات 1950-1970 لحظة حاسمة في تاريخ الإنجيلية في أفريقيا. فالجيل الجديد من القساوسة الأفارقة الذين برزوا مع استقلال الدول الأفريقية، والذين تدربوا عند البعثات التبشيرية، سيقومون بتكييف هذه الإنجيلية مع الثقافات المحلية، وتطوير نهج يمزج بين اللاهوت الخمسيني وثقافة البلد. وخلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تحولت الكنائس التي كانت فروعاً محلية لكنائس أميركية أو أوروبية إلى مؤسسات أفريقية حقيقية يديرها أفريقيون.

وتُعد الكنيسة الإنجيلية النيجيرية أكبر وأقوى الكنائس الإنجيلية في أفريقيا، حيث تضم حوالى 80 مليون إنجيلي وخمسيني، بل أصبحت واحدة من أكبر القلاع العالمية لهذا التيار. وتتمتع بنفوذ كبير داخل الحركة الإنجيلية العالمية، وخصوصاً داخل الكنائس الإنجيلية الأمبركية المحافظة، ومن أهمها الكنيسة الإنجيلية في أميركا الشمالية (ACNA)، وبعثة كنيسة نيجيريا في أميركا الشمالية (CONNAM). وينبع هذا التأثير من حجمها الكبير عددياً، إذ تُعد الجالية النيجيرية في الولايات المتحدة أكبر جالية أفريقية (حوالي نصف مليون شخص أغلبهم مسيحيون).

الكنائس العملاقة: مدن صغيرة تحت سقف واحد

وقد تأسست كنائس ضخمة في لاغوس ونيروبي وكينشاسا، تستقبل كل أحد 20,000 أو 50,000، وأحياناً أكثر من 100,000 شخص. وهذه الكنائس لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل أصبحت مدنًا صغيرة تحتوي على مدارس وجامعات ومستشفيات ومتاجر ومساكن، وتلعب دوراً اجتماعياً رئيساً. أصبحت تعوّض القصور الذي تواجهه الدولة في التعليم والصحة وعلى المستوى الاجتماعي. بعض هذه الكنائس كان يدير برامج تمويل صغيرة لروّاد الأعمال، ويقوم آخرون بتنظيم تدريب مهني. هذا الحضور الملموس عزّز شرعيتهم ونفوذهم، وأعطى انطباعاً بأن الانضمام إلى هذه الكنائس العملاقة يعني الاندماج في نظام يمكن أن يغيّر واقع المنضمّ اجتماعياً ومهنياً.

وإذا كانت هذه الكنائس تستهدف في المقام الأول السكان الذين يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، فإن الطبقات الوسطى والنخب وجدت أن هذه الكنائس تقدم عرضًا جذابًا يفتح أمامها آفاقاً للصعود الاجتماعي والنجاح الفردي.

قساوسة مشاهير: بين المنبر والمال والسياسة

قساوسة هذه الكنائس أصبحوا مشاهير بنفس قدر شهرة السياسيين أو الموسيقيين: يملأون الملاعب، ويقدمون برامج تلفزيونية يشاهدها الملايين. وهم أيضاً رجال أعمال، يديرون إمبراطوريات مالية تشمل جامعات خاصة وشركات طيران ودور نشر وقنوات تلفزيونية. كما أصبح لهم وزن سياسي، ففي نيجيريا أو كينيا مثلًا، لا يمكن لأي مرشح رئاسي تجاهل القادة الإنجيليين الذين يؤثرون على أصوات ملايين أتباعهم.

كنائس بلا حدود: من القارّة إلى العالم

هذه الكنائس لا تعرف حدوداً، فالكنيسة النيجيرية فتحت فروعاً في غانا والكاميرون وساحل العاج، وكنيسة جنوب أفريقية انتشرت في زيمبابوي وبوتسوانا وزامبيا. هذه الحركة تخلق مساحة دينية أفريقية تتجاوز الانقسامات اللغوية والوطنية. بعض هذه الكنائس يتجاوز القارّة، فنجد القساوسة الأفارقة يبدعون في أوروبا وأميركا، عاكسين التيار التبشيري التاريخي.

في لندن وباريس ونيويورك، تجذب الكنائس الأفريقية الكبرى الشتات الأفريقي وكذلك الأوروبيين والأميركيين. إنها ثورة جغرافية في المسيحية العالمية. فأفريقيا تحولت من أرض تستقبل المبشّرين إلى أرض تصدّرهم.

العلاقة بين الإنجيلية الأفريقية والصهيو-إنجيلية و"إسرائيل"

لا يُخفي الإنجيليون الأفارقة حبهم وتعاطفهم وتأييدهم المطلق لليهود ولـ"إسرائيل" للأسباب التالية:

1)     الصهيونية المسيحية: الجذور الأميركية للتأييد الأفريقي

للدور الذي يلعبه التيار السياسي-الديني الأميركي المعروف بالصهيونية المسيحية تأثير كبير على الإنجيليين الأفارقة. لقد تطورت الصهيونية المسيحية كتيّار داخل المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، وأصبحت جزءاً من اليمين الإنجيلي المحافظ النافذ في إدارة ترامب. هذا التيار الذي يختلف حتى مع الطبيعة "غير الدينية" للصهيونية، ويختلف أيضاً في دعمه لـ"إسرائيل" وللصهيونية عن دعم الإنجيليين الآخرين. له تأويلاته الخاصة لقيام "إسرائيل"، إذ يعتقد أتباعه أن نشأة "إسرائيل" في عام 1948 تتوافق مع النبوءات التوراتية التي تهيئ لعودة يسوع المسيح في نهاية الزمان، حيث قاموا بمقارنة الإعلان عن قيام "إسرائيل" بالآيات 66: 7-8 من إشعياء التي تؤكد أن دولة لا يمكن لها أن تولد في يوم واحد، إلا دولة الشعب المختار.

2)     النبوءة والسياسة: قراءة توراتية لـ"دولة إسرائيل"

هؤلاء الصهاينة المسيحيون يعارضون التخلّي عن أي شبر من الأرض "الموعودة" من الله للشعب اليهودي. وهكذا، استقبلوا قرار أرئيل شارون القاضي بالانسحاب من قطاع غزة في عام 2005 بشكل سيئ جداً، ورأوا فيه تدميراً لمشروع كان يُفترض أن يسمح بعودة يسوع المسيح. كما ناهضوا قرار تقسيم فلسطين، واعتبروا اغتيال إسحاق رابين عقاباً إلهياً له لأنه قبِل بـ"حل الدولتين". عارضوا أي تدخل أميركي لدعم المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، وساندوا قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة موحدة أبدية لـ"إسرائيل"، واعترافه بشرعية ضم "إسرائيل" للجزء المحتل من الجولان السوري، كما عارضوا الاتفاق النووي مع إيران.

3)     الحب كواجب ديني: النصوص المؤسّسة

بالنسبة للمسيحيين الصهاينة، حب "إسرائيل" ودعمها واجب ديني ووطني، وهو ليس خياراً، بل استجابة لأوامر إلهية: يطلب الله من المؤمنين أن يصلوا من أجل سلام أورشليم (مزامير 122:6)، وألا يصمتوا من أجل حب صهيون (إشعياء 62:1)، وأن يواسوا الشعب اليهودي ("واوِسوا يا شعبي قال إلهكم" إشعياء 40:1)، ويؤكد يسوع أن "الخلاص يأتي من اليهود" (يوحنا 4:22).

4)     القراءة الحرفية للتكوين 12:3

القراءة الحرفية لبعض النصوص التوراتية، بدءاً من سفر التكوين 12:3، حيث يقول الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: "أبارك الذين يباركونك، وألعن الذين يلعنونك؛ وتبارك فيك جميع عشائر الأرض". فهم يعتبرون أن هذا النص يعني جميع اليهود و"دولة إسرائيل"، ونتيجة إيمانهم أن الوعود الإلهية المقدمة للشعب اليهودي أبدية. هذا التيار الإنجيلي الأفريقي يؤمن أنه يقوم بعمل إيماني "متوافق مع إرادة" الله حين يدافع عن الاعتراف بـ"إسرائيل" ويساند سياساتها العنصرية تجاه الفلسطينيين، ويدعم بشكل غير مشروط الكيان الصهيوني، دعمٌ زاد فعليًا بعد الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

5)     التراث اليهودي في الثقافة والطقوس الأفريقية

تأثرهم بالتراث اليهودي في أفريقيا، ويتجلّى هذا التأثير في الثقافة والطقوس والرموز اليهودية داخل الكنائس، وفي موسيقى الغوسبل الأفريقية المليئة بالمفردات العبرية وبالرجوع إلى إبراهيم وموسى ودانيال وكتب التكوين والمزامير. والنتيجة، تُفهم هذه الحماسة المحبّة لليهود و"إسرائيل"، في الأوساط الإنجيلية في أفريقيا جنوب الصحراء، على أنها تعبير عن وفاء لوصية وضعها الله نفسه في الكتاب المقدس من خلال الأنبياء، فضلًا عن بعض مقاطع العهد الجديد. أبعد من ذلك، يفتح هذا الوسط أحياناً جسوراً نحو تعزيز الهوية اليهودية السوداء بالمعنى الكامل للكلمة.

استثمار الاحتلال للورقة الإنجيلية

طبعًا لا يغفل كيان الاحتلال الصهيوني عن الدور الذي تلعبه الثقافات البروتستانتية الإنجيلية، خصوصاً الإنجيلية الصهيونية في أفريقيا جنوب الصحراء، في مواجهة الخطابات التي تحاول توجيه أصابع الاتهام لـ"إسرائيل" باحتلالها لأراضٍ فلسطينية وأجزاء من الأراضي السورية، والقيام بالإبادة الجماعية لسكان غزة، وارتكاب جرائم حرب في الضفة الغربية ولبنان وإيران، وفي الدفاع عن مواقف "إسرائيل" في سياستها الخارجية وتجاه الشعب الفلسطيني.

القوة الناعمة والتطبيع: إعادة توجيه البوصلة الأفريقية

وعلى المستوى الجيوسياسي، يمكن القول إن الشبكات الإنجيلية الأفريقية قد أصبحت عنصراً من عناصر القوة الناعمة لـ"تل أبيب" في أفريقيا لترسيخ التطبيع وتوجيه بوصلة الأفارقة نحو الاصطدام مع العرب والمسلمين. في هذا الصدد نفهم التحولات الملاحظة في مواقف بعض الساحات الأفريقية تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ونفهم إثارة خطابات تثير "ذكريات" الرق وتجارة العبيد في أفريقيا جنوب الصحراء ومقارنة محن العبودية بذكرى المحرقة.

هذه الخطابات بدأت تجد صدى متزايداً لها في أفريقيا، آخرها تصريحات إبراهيم واتارا رئيس الحكومة في بوركينا فاسو، والذي تحتضن بلاده كنيسة إنجيلية ضخمة (megachurch) في واغادوغو يقودها مامادو كارامبيري، وتضم المركز الدولي للتبشير الإنجيلي (CIE) والبعثة الداخلية الأفريقية (MIA) التي هي جمعية مسيحية إنجيلية دولية للكنائس الكاريزمية. في هذه الكنيسة يظهر العلم الإسرائيلي في مكان بارز. كما تحتضن واغادوغو منذ عام 2020 كنيسة الأمم"هيكل بيت إيل إسرائيل" التي تعني حرفياً "بيت الله"، وهذه التسمية يربطها البعض بموقع في المرتفعات في أرض فلسطين، وبعضهم بالقرية الفلسطينية بيتين، بينما يربطها آخرون بالمستوطنة الإسرائيلية "بيت إيل".

القادة السياسيون في أفريقيا جنوب الصحراء، سواء كانوا إنجيليين أم لا، يعرفون الشعور الإنجيلي تجاه "إسرائيل"، وأحياناً يحاول بعضهم الاستفادة منه، سواء في علاقتهم مع الكيان الصهيوني أم مع أميركا.

الظاهرة وآثارها

انتشار الإنجيلية في أفريقيا ظاهرة دينية بارزة، وخصوصاً منذ النصف الثاني من القرن العشرين. هذا الانتشار يهم بشكل خاص الكنائس الإنجيلية الخمسينية pentecôtisme والكاريزمية charismatique، في عدة دول في غرب وشرق أفريقيا، خصوصاً في نيجيريا وغانا وكينيا وجنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. هذا الانتشار والتوسع أصبح له آثار دينية واجتماعية وثقافية وجيوسياسية، حيث تنشئ الكنائس مدارس وجامعات وأعمالاً خيرية ووسائل إعلام، وبعضها يصبح منظمات اقتصادية كبيرة. كما تؤثر أيضاً على الموسيقى والثقافة الشعبية، وأحياناً على النقاشات السياسية.

التسلل الناعم والعلاقة مع الإنجيلية الأميركية

تتسلل "إسرائيل" إلى العديد من الدول الأفريقية جنوب الصحراء بشكل ناعم باستعمال عدة مداخل، منها مداخل الكنائس الإنجيلية، كما تستفيد من العلاقة بين الكنائس البروتستانتية الإنجيلية الأميركية النافذة في إدارة ترامب والكنائس الإنجيلية الأفريقية.

الضربة الأميركية لنيجيريا: السياق والدلالة

في هذا الصدد، لا بد من التذكير بالهجوم الذي شنّه الجيش الأميركي بقرار من ترامب في عام 2025 ضد من سمّاهم الرئيس الأميركي بالإرهابيين الأوغاد "داعش" شمال غربي نيجيريا، لأنهم "كانوا يقتلون بوحشية المسيحيين الأبرياء". كما هدد بالتدخل "بقوة" لحماية المسيحيين الذين يواجهون "تهديداً وجودياً" في هذا البلد كما قال. هذه الضربة التي جاءت نتيجة ضغوط مارسها الإنجيليون الأميركيون، وخصوصاً الإنجيليين الصهاينة منهم، وبتحريض من الإنجيليين النيجيريين، هي عربون انخراط كلي للإدارة الأميركية في دعم المسيحية الإنجيلية الخمسينية النيجيرية التي تعدّ نيجيريا من مراكزها العالمية الرئيسية.

بعد غزة: هل ينتقل التعاطف إلى أفريقيا؟

بعد المجازر التي ارتكبها الكيان الصهيوني في غزة، لوحظ نوع من التعاطف، إن لم نقل إنه نوع من التحول البسيط، لدى الشباب الأميركي البروتستانتي الإنجيلي في التعامل مع القضية الفلسطينية ومع الشعب الفلسطيني في محنته ومطالبه العادلة. فهل سينعكس هذا التعاطف على الإنجيليين في العالم، وخصوصاً في أفريقيا، بحكم تأثير الكنيسة الإنجيلية الأميركية على الكنائس الإنجيلية الأخرى في العالم؟

اخترنا لك