الحرب على إيران... أميركا توزع الخسائر على حلفائها
في الوقت الذي تعاني فيه دول كثيرة من الأزمات الناتجة عن العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، وتداعياته على أسواق الطاقة. تتجه الولايات المتحدة للاستفادة من حلفائها من خلال توزيع الخسائر بدل أن تسعى لوضع سياسة تحمي اقتصادهم من آثار حرب هي التي تتحمّل مسؤوليتها، ومسؤولية ما ينتج عنها.
-
الحرب على إيران... أميركا توزع الخسائر على حلفائها
في سوقٍ اعتادت لعقود أن تكون مرادفاً للفائدة المنخفضة، اخترق عائد السند الحكومي الياباني لأجل عشر سنوات، في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، حاجز 3% للمرة الأولى منذ 1996. ولم تكن هذه الحركة معزولة، فقد بلغ، في الآن نفسه، عائد الـ5 سنوات مستوى قياسياً عند 2.265%، فيما صعد عائد السنتين إلى 1.795%، الأعلى في 31 عاماً. ولأنّ أسعار السندات وعائداتها تتحرّك عكسياً، فإنّ القفزة تعني أنّ المستثمرين يبيعون الدين الياباني، أو يطلبون عائداً أكبر للاحتفاظ به؛ أي إنّ كلفة المال ترتفع على الحكومة، ثمّ تمتدّ إلى الرهون العقارية وتمويل الشركات.
أزمة فوائد السندات اليابانية: الأسباب والآثار
دخلت السوق اليابانية إلى الأزمة العالمية التي نتجت عن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران مثقلة بتحوّل نقدي ومالي، سابق عليها. إذا عانت من تضخّم وتوقّعات برفع بنك اليابان الفائدة، إلى جانب التقليص التدريجي لمشترياته الضخمة من السندات، ومخاوف من توسّع مالي جديد. لذلك وصف محللون بلوغ عائد العشر سنوات 3% بأنه مزيج من صدمة التضخّم العالمية والقلق المالي الداخلي وتطبيع السياسة النقدية.
وأضافت الحرب وقوداً سريع الاشتعال إلى هذه العناصر. ففي الأول من أيلول/سبتمبر قفز خام برنت 4.6% في جلسة واحدة إلى 94.65 دولاراً للبرميل بعد تجدّد الضربات المتبادلة الأميركية والإيرانية، ثمّ أغلق في اليوم التالي عند 95.63 دولاراً. والأهمّ أنّ المشكلة لم تعد سعر الخام وحده، بعد أن بلغ سعر الـ"غازأويل" في سنغافورة 155.15 دولاراً للبرميل مطلع أيلول/سبتمبر، بزيادة تقارب 70% عن 27 شباط/فبراير، عشية اندلاع الحرب.
وتظهر هشاشة الوضع الحالي في اليابان من خلال اعتماد 93.5% من وارداتها النفطية في 2025 على "الشرق الأوسط"، فيما تشير تقديرات إلى أنّ نحو 70% من النفط المستورد كان يعتمد على المرور عبر هرمز. وهو ما يتجاوز اليابان، إذ كان المضيق يحمل قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط المتداولة عالمياً، بينما كانت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية الوجهات الرئيسية لنفطه.
فتعطّل هرمز يقلّص الإمدادات ويرفع كلّاً من أسعار النفط وكلفة الشحن والمنتجات المكرّرة، وبما أنّ اليابان تستورد هذه الزيادة في الأسعار فلا بدّ كنتيجة أن ترتفع توقّعات التضخّم، ثمّ يصبح تشديد السياسة النقدية أكثر احتمالاً، فتتراجع أسعار السندات وترتفع عائداتها.
وهذا ما أقرّ به محافظ بنك اليابان كازو أويدا، في حزيران/يونيو الفائت، حين صرّح بأنّ "صدمة النفط تضغط على النمو عبر تدهور شروط التجارة، وفي الوقت نفسه تدفع الأسعار صعوداً"، متوقّعاً أن يصل التضخّم إلى أكثر من 3% خلال السنة المالية الحالية إذا انتقلت الكلفة إلى بقية السلع والخدمات.
ولذلك يقف بنك اليابان أمام خيارين كلاهما مكلف:
- التساهل النقدي: وهو ما قد يعيد الضغط على الـ"ين" ويغذي التضخم المستورد.
- رفع الفائدة لكبح الأسعار ما يزيد كلفة الاقتراض ويضغط على النمو والمالية العامة.
وبين الخيارين باتت الأسواق تراهن بقوة على تشديد إضافي، فيما تحاول كلّ من طوكيو وواشنطن منع تقلّبات الـ"ين" من التحوّل إلى مصدر آخر لعدم الاستقرار.
"الولايات المتحدة الأميركية ترى أنّ الحرب الروسية الأوكرانية قد تتمدّد إلى البحر الأسود".. هل يؤثّر ذلك على قطاع الطاقة عالمياً؟
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 6, 2026
الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان في #آخر_طبعة #الميادين @tawfikchouman pic.twitter.com/mcHTzDZgiI
أبعد من اليابان.. أميركا توزّع كلفة الحرب على حلفائها
ولا تتوقّف المسألة عند حدود اليابان. فارتفاع العائد المحلّي يجعل السندات اليابانية أكثر جاذبية للمستثمر المحلي، ويقلّل نسبياً الحافز لإرسال المدخرات اليابانية إلى الخارج. ولا توجد حتى الآن أدلة على عودة جماعية لرؤوس الأموال، لكنّ الخطر يكمن في تغيّر الهامش: أن يقلّ طلب المؤسسات اليابانية على السندات الأميركية والأوروبية، أو أن تعيد جزءاً من محافظها إلى الداخل. ومع تضييق فارق الفائدة وتعافي الـ"ين"، يضاف احتمال تفكيك بعض صفقات الـ"Yen Carry Trade"، التي قامت لسنوات على الاقتراض بعملة يابانية رخيصة واستثمار الأموال في أصول عائدها أعلى. عندها تستطيع الصدمة التي بدأت في هرمز أن تعبر، بطريقة غير مباشرة، من سوق الطاقة إلى أسواق المال العالمية.
لكنّ هذه الحلقة تكشف جانباً آخر من اقتصاد الحرب: كيفيّة توزيع كلفة امتصاص الصدمة بين الولايات المتحدة وحلفائها. فواشنطن لا تواجه الأزمة منفردة، بل داخل منظومة واسعة من الدول المستهلكة للطاقة، بما يسمح بتحويل الاستجابة من عبء وطني أميركي خالص إلى استجابة جماعية. المثال الأوضح جاء في آذار/مارس، عندما اتفقت الدول الـ32 الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على أكبر عملية سحب جماعي من مخزونات النفط الطارئة في تاريخ الوكالة، بإتاحة 400 مليون برميل لمواجهة اضطراب الإمدادات الناجم عن الحرب. وبحسب خطط التنفيذ الأولية، توزّعت الكميات على أميركا وآسيا وأوقيانوسيا وأوروبا، قبل أن ترتفع الالتزامات التفصيلية لاحقاً إلى نحو 426 مليون برميل. وكانت مساهمة الولايات المتحدة وحدها 172.2 مليون برميل، فيما جاءت بقية الكميات من مخزونات حكومية وتجارية لدى الدول الأخرى.
"الاقتصاد الأميركي والعالمي يعانيان من مشكلة، وما يحصل مع العملة في #اليابان دليلٌ على هذا الضعف"
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) August 14, 2026
الخبير في الشؤون الاستراتيجية، محمد مرندي لـ #الميادين pic.twitter.com/uwAmHdVhkl
وهنا تظهر آلية "تقاسم الكلفة" بصورة أكثر دقة، فقواعد وكالة الطاقة الدولية تجعل مساهمة الدول في التحرّك الجماعي متناسبة مع حصتها من استهلاك النفط بين أعضاء الوكالة، فيما تفرض أصلاً على الدول المستوردة الاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يوماً على الأقل من صافي وارداتها. أي إنّ جزءاً من شبكة الأمان المستخدمة لمواجهة تداعيات الحرب لا يأتي من الاحتياطي الأميركي وحده، وإنما من مخزونات راكمتها اليابان وكوريا الجنوبية والدول الأوروبية على نفقتها طوال سنوات. وفي الأزمة الحالية استُخدمت هذه الشبكة المشتركة لزيادة المعروض، وتهدئة الأسعار ومنع نقص الإمدادات من التحوّل إلى اختناقات أوسع.
وبذلك لا تبدو إدارة واشنطن للكلفة عملية "تعويض" للحلفاء بقدر ما هي بناء طبقات دفاع متعاقبة حول السوق: استخدام المخزونات الأميركية ومخزونات الحلفاء، زيادة الإمدادات الممكنة من خارج منطقة الأزمة، إعادة توجيه صادرات الخليج عبر مسارات تتجاوز هرمز، وحماية جزء من الملاحة لمنع الاختناق الكامل. وهي إجراءات تستطيع تخفيف الصدمة وتوزيعها على مساحة اقتصادية أوسع، لكنها لا تستطيع إزالة أصلها ما دام المضيق مضطرباً. وكالة الطاقة الدولية نفسها، رغم السحب التاريخي من الاحتياطيات، شدّدت على أنّ العامل الحاسم لاستقرار السوق يبقى عودة الحركة الطبيعية للسفن عبر هرمز، وأنّ التأمين والحماية الفعلية للشحن شرطان لذلك.
ومن هنا أيضاً يمكن قراءة التحرّكات الأميركية باعتبارها محاولة لإدارة اقتصاد الحرب على مستويين: إبقاء الطاقة متاحة بالقدر الذي يمنع حدوث انهيار في الإمدادات، وتوسيع قاعدة الدول والمؤسسات التي تمتصّ الصدمة كي لا تقع كاملة على الاقتصاد الأميركي. لكنّ هذا النظام له حدود. فالمخزونات تنضب، والمسارات البديلة لهرمز محدودة، وارتفاع الأسعار يفرض على كلّ بنك مركزي حساباته الخاصة، فيما يمكن لصعود العائدات اليابانية والأوروبية أن يعيد تصدير الصدمة إلى الولايات المتحدة نفسها عبر أسواق السندات العالمية.
وهكذا يصبح حاجز الـ3% في عائد السند الياباني أكثر من رقم على شاشة تداول. إنه أحد المواضع التي تظهر فيها الكلفة غير المباشرة للحرب: تبدأ من مضيق ضيّق بين إيران وعُمان، ثم تتوزّع عبر ناقلات النفط والمخزونات الاستراتيجية والموازنات وأسعار المستهلكين والبنوك المركزية وأسواق الدين. وتستطيع الولايات المتحدة، بما تملكه من طاقة واحتياطيات وتحالفات ومؤسسات دولية، إدارة هذا الانتشار وتخفيف حدّته؛ لكنّ السؤال الأصعب هو ما إذا كانت تستطيع فعل ذلك إلى أجل غير محدّد. فإذا طال تعطيل هرمز واستمرت أسعار الطاقة والعائدات مرتفعة، فقد لا يعود السؤال مقدار ما يستطيع الحلفاء تحمّله اقتصادياً فقط، بل متى تتحوّل الفاتورة التي يدفعونها إلى قيد سياسي على استمرار الحرب وعلى تماسك التحالف الذي يدير كلفتها؟