إيران ورفع نسبة تخصيب اليورانيوم.. هل تغيّر طهران عقيدتها النووية بعد العدوان؟

بعض التصريحات الإيرانية مؤخراً تلوّح باحتمال رفع تخصيب اليورانيوم إلى 90% حال تكرر العدوان عليها وتضع الخصوم أمام معادلة ردع جديدة، فهل تغيّر من عقيدتها النووية وفق مقتضيات المواجهة؟

  • إيران ورفع نسبة تخصيب اليورانيوم.. هل تغيّر طهران عقيدتها النووية بعد العدوان؟
    إيران ورفع نسبة تخصيب اليورانيوم.. هل تغيّر طهران عقيدتها النووية بعد العدوان؟ (الميادين نت)

تحت وطأة التهديدات المستمرة ومن خلف ستار الحصار، تعيد طهران اليوم رسم موازين القوى في المنطقة، لا بلغة الوعيد فحسب، بل بمنطق السيادة الذي يفرض نفسه كواقع على الأرض.

ففي الوقت الذي يسعى فيه أعداء إيران لفرض معادلات الاستسلام عبر الحصار والتلويح المستمر بالعدوان، تبرز إيران كقوة لا تكتفي بالصمود، بل تمتلك القدرة على تحويل الضغوط إلى مواقف تضع الطرف الآخر أمام خيارات صعبة.

وتزامناً مع العدوان على إيران انتقل برنامجها النووي في الحسابات الوطنية من كونه ملفاً تقنياً معلّقاً على رفوف المفاوضات، ليصبح ركيزة أساسية في حماية استقلال القرار الوطني، وثابتة من ثوابت الأمن القومي التي لا تقبل التراجع أو المساومة.

التخصيب: "خط أحمر" يحميه القرار السيادي

لطالما اعتبرت طهران برنامجها النووي السلمي جزءاً أصيلاً من سيادتها الوطنية. وفي هذا السياق، أعاد رئيس منظمة الطاقة الذرية، محمد إسلامي، التأكيد على الثوابت الإيرانية بقوله إن "تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض"، وأن هذا الملف سيبقى خارج أي مقايضات سياسية أو ضغوط خارجية.

هذا الموقف المدعوم بقرار سياسي، شدّد عليه أيضاً رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، إبراهيم عزيزي، قبل أيام، والذي أكد أن رئيس منظمة الطاقة شدد خلال الاجتماع مع اللجنة البرلمانية على ضرورة الحفاظ على حق إيران في التخصيب. 

ولم يقف الأمر عند الثبات السياسي، بل ترافق مع إجراءات ميدانية كشف عنها إسلامي، حين أكد اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأصول والمراكز النووية وتحصينها، لتضع طهران المعتدين أمام واقع تقني عصيّ على الاختراق.

هذه المواقف تعكس قناعة راسخة في دوائر صنع القرار بطهران، وهي أن التنازل عن أي جزء من هذا المكتسب الوطني هو تنازل عن الأمن القومي نفسه. إيران اليوم لا تدافع عن منشآت نووية فحسب، بل تدافع عن حقها في امتلاك التكنولوجيا المتقدمة التي حاول الخصوم، عبر سنوات من الحصار والضغوط، تجريدها منها، لكن الرد الإيراني جاء بمزيد من التمسك بالحقوق المشروعة تحت مظلة القانون الدولي.

خيار الـ 90%: رسائل الردع في مواجهة العدوان

لكن النقلة النوعية والموقف الإيراني الأكثر حزماً، والذي رسم حدوداً جديدة كلياً للمواجهة، جاء على لسان المتحدث باسم لجنة الأمن القومي، إبراهيم رضائي.

فقد وضع رضائي العالم أمام حقيقة استراتيجية صادمة حين أعلن صراحةً أن خيار رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 90% بات مطروحاً بقوة على الطاولة "في حال أقدم الأعداء على أي عدوان جديد ضد البلاد".

هذا الرقم - 90% -  ليس مجرد زيادة في الكفاءة التقنية، بل هو العتبة الحرجة التي تنقل البرنامج النووي من الاستخدامات السلمية أو المتوسطة إلى المستوى الذي يُصنف دولياً بأنه "مستوى الأسلحة" (Weapon-Grade).

هذا التلويح لا يتحرك في فراغ سياسي، بل يستند إلى واقع تقني صلب تدركه مراكز الأبحاث الدولية جيداً. إذ يشير تحليل معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS) لبيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى أن وصول إيران لتخصيب نسبة 60% يعني عملياً أنها أنجزت الجزء الأكبر والأصعب من المسار.

فمن الناحية التقنية، يتطلب الوصول من اليورانيوم الطبيعي إلى نسبة تخصيب 60% جهداً يفوق بكثير ما يتطلبه الانتقال من 60% إلى 90%. وهذا يعني أن القفزة الأخيرة نحو "المستوى العسكري" باتت مجرد مسألة قرار سياسي وتعديلات تقنية يسيرة في سلاسل أجهزة الطرد المركزي، وهو ما يجعل من التصريح الإيراني واقعاً استراتيجياً مقدوراً عليه وليس مجرد احتمال بعيد.

وفي السياق ذاته، توضح بيانات مركز الحد من الأسلحة (Arms Control Association) أن الانتقال من نسبة 60% إلى 90% هو "خطوة فنية قصيرة جداً، حيث أن نحو 99% من العمل المطلوب لتخصيب اليورانيوم قد أُنجز بالفعل بمجرد الوصول لنسبة الـ 60%.

كذلك، فإن التلويح بالوصول إلى نسبة 90% يتجاوز كونه رداً تقنياً، إذ إنه قد يؤشر على تحوّل جذري في العقيدة الأمنية الإيرانية، فوفقاً لتحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) لعام 2026، فإن الاستهداف المستمر للمنشآت الإيرانية لم يؤدِ لتراجع البرنامج، بل دفع طهران لتبني استراتيجية "إعادة التشكيل والردع"، حيث أصبح المنجز النووي هو إحدى أوراق المفاوضات المهمة والبالغة التأثير.

هذا التحول، وفقاً للتصريحات، يعني أن أي عدوان جديد لن يُقابل برد عسكري تقليدي فحسب، بل بتسريع وتيرة الوصول للعتبة النووية الكاملة.

تحصين المنشآت النووية وتوزيعها الجغرافي، بالتوازي مع التلويح برفع التخصيب، يهدف إلى خلق حالة من "الشلل الاستراتيجي" لدى مخططات العدو. فالغرب يدرك تماماً أن تكلفة منع إيران من الوصول لنسبة 90% عبر القوة العسكرية قد أصبحت باهظة جداً، وأن أي مغامرة قد تسرّع من وتيرة التحول الذي يخشونه بدلاً من تعطيله، وهو ما يفسر لغة الثقة التي يتحدث بها المسؤولون الإيرانيون اليوم.

"مفاجآت على خطى هرمز"

بموازاة ذلك، وجّه المستشار والأكاديمي محمد مرندي، في حديثه للميادين، رسائل مباشرة لواشنطن، مؤكداً أن إيران قادرة على رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، وأنه يتوجّب على الأميركيين أن يأخذوا ذلك بعين الاعتبار.

كما أشار إلى قدرة طهران على القيام بـ "أمور لا يتوقعها الأميركيون تماماً، كما حصل في مضيق هرمز"، في إشارةٍ واضحة إلى امتلاك أوراق قوة ميدانية غير نمطية قادرة على إرباك حسابات الخصوم.

هل تدفع الضغوط إيران لتغيير عقيدتها النووية؟

تثبت هذه المواقف المتكاملة أن إيران لم تعد تتعامل بمنطق "رد الفعل"، بل كقوة إقليمية تمتلك زمام المبادرة وتفرض إيقاعها الخاص على خارطة التوازنات. القدرة على الجمع بين التحصين التقني، والجرأة السياسية والقدرة الميدانية على خلق مفاجآت مباغتة، جعلت من طهران رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص أمن غرب آسيا.

هذا الصعود كقوة إقليمية يفتح الأفق أمام تساؤل جوهري حول مستقبل العقيدة النووية الإيرانية. فبينما كانت الفتوى والسياسة الرسمية ترتكز لسنوات على الاستخدام السلمي، فإن الضغوط المتزايدة والعدوان المباشر قد يدفعان القيادة الإيرانية لإعادة تقييم شاملة.

والإجابة على سؤال إمكانية تحقيق هذا التحول في العقيدة النووية الإيرانية أمر صعب، خصوصاً أن إيران تحتفظ بالكثير من الأوراق من أجل رحلة التفاوض الصعبة، وهي تتوجس الغدر الأميركي الذي خبرته مرتين بالحد الأدنى.

ورغم أن المسؤولين الإيرانيين يذكرون إمكانية مناقشة تغيير العقيدة النووية، إلا أن الأمر رهن بقرار القيادة الإيرانية ورغبة الشارع التي قد تدفع نحو تبني خيارات جديدة، وكذلك هي رهن بمسار المفاوضات أو العودة إلى الحرب، بكل تأكيد.

الواقع يشير إلى أن إيران باتت تضع العالم أمام خيارين: إما الاعتراف بمكانتها كقوة إقليمية فاعلة ومحترمة السيادة، أو مواجهة تحول استراتيجي في عقيدتها قد يغير وجه المنطقة وتوازنات القوى العالمية للأبد.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك