أفريقيا جنوب الصحراء في مرمى نيران العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران
إذا بقيت القارة الأفريقية تبيع "سيادتها وترابها" وتشتري حياة نظّمها ونخبها، ستظل دائماً الطرف المتأثّر بصراعات لم تخترها، في عالم لا يحترم إلا من يملك استقلاله ومفاتيح اكتفائه الذاتي وأمنه الاستراتيجي.
-
أفريقيا جنوب الصحراء في مرمى نيران الحرب "الإسرائيلية" الأميركية على إيران
في مشهد دولي بالغ التعقيد، أشعلت "إسرائيل" والولايات المتحدة "الشرق الأوسط" بعدوانهما على إيران، وفي خضمّ هذه الحرب، تجد أفريقيا جنوب الصحراء نفسها في موقع المتأثّر لا المؤثّر، والجارة التي تدفع ثمناً غالياً من أثمان الحرب. فبينما تنشغل أنظار العالم بالخسائر البشرية المباشرة في مراكز الصراع، تعيش عواصم أفريقية حالة استنفار صامت؛ إذ تدرك أنّ ما يحدث في "حوض الخليج" وما خلفه، سيعيد رسم ملامح اقتصاداتها الهشّة، ويعبث بتكاليف المعاش فيها، ويهدّد استقرارها عبر ارتدادات جيوسياسية عابرة للقارات.
المؤسّسات الأفريقية والبحث عن توازن وحائط صدّ
منذ بداية العدوان الثنائي الإسرائيلي الأميركي على إيران، بدأت المواقف الأفريقية المتباينة في التشكّل. وبرغم تباين مواقف دول القارة، اشتركت مؤسساتها القارية في موقف واحد: الخوف من أن تتحوّل القارة إلى حلبة يستعر فيها هذا الصراع المحتدم.
ففي أديس أبابا، لم يتأخّر الاتحاد الأفريقي في إصدار بيانه الأول، محذّراً من تصعيد خطر قد ينذر بكارثة إقليمية ودولية، داعياً إلى توفير ممرات آمنة للمغتربين الأفارقة في منطقة الحرب. كما أبدى الاتحاد مخاوف على تحويلاتهم المالية وتأثير ذلك على اقتصاديات أوطانهم وأوضاعها الاجتماعية، وحذّر من خطر اضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما ركّزت عليه المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس".
وقد عبّرت مواقف المنظّمتين عن إدراك لمخاطر أيّ اهتزاز في الممرات المائية الحيوية، والعواقب الوخيمة لذلك على قارة تعاني من فجوات في أمنها الاقتصادي، ولا سيما أنّ معظم وارداتها تمرّ عبر طرق تجارية قريبة من مناطق التوتر.
اقرأ أيضاً: ارتدادات الحرب على إيران في أفريقيا: التداعيات الخفية
القرن الأفريقي والرهانات البراغماتية
على وقع طبول الحرب، لم تترك بعض دول القرن الأفريقي مجالاً للشكّ في تحديد موقعها وفق منطق براغماتي متحرّر من منطق القانون الدولي، ناهيك عن لغة المبادئ. إذ سارعت كينيا إلى إدانة إيران المعتدى عليها، في موقف يعكس التحالف الوثيق مع واشنطن و"تل أبيب" وأبو ظبي، بينما وجدت إدارة أرض الصومال "صوماليلاند" في هذا الصراع فرصة للتكسّب، تعزّز به تطلّعها إلى شرعية دولية عبر بوابات الإمارات و"إسرائيل" اللتين تديران ميناء بربرة الاستراتيجي وغيره من الموانئ والمطارات التي تحوّلت إلى قواعد ومراكز عمل عسكري ومخابراتي إقليمي.
أما إثيوبيا، فقد أجرى رئيس وزرائها، آبي أحمد، اتصالاً هاتفياً مع بعض قادة دول الخليج، مديناً ما أسماه "الهجوم الشنيع على سيادتها"، وهو موقف يتجاوز المجاملة الدبلوماسية ليعبّر هو الآخر عن ارتباطه بأجندة مشعّلي أوار الحرب في ظلّ طموحات أديس أبابا الإمبراطورية التي يُعتبر وصولها السيادي للبحر شرطاً من شروط استعادتها.
صوت القانون الدولي وسياسة التحوّط
في مقابل منطق المحاور، اختارت عواصم مثل بريتوريا وداكار التمسّك بمسطرة القانون الدولي؛ حيث أعلنت جنوب أفريقيا رفضها لمبدأ "الدفاع الاستباقي" الذي تعتبره تقويضاً للتوازن العالمي، بينما حذّر رئيس الوزراء السنغالي، عثمان سونكو، من خطورة ضرب الدول من دون قرار أممي.
وفي غرب القارة، برزت "سياسة التحوّط" النيجيري "كضرورة أمنية قومية" بعد تظاهرات التنديد بأميركا و"إسرائيل" والتأييد لإيران التي انتظمت شوارع أبوجا بسبب العدوان عليها. فنيجيريا التي ترتبط بعلاقات أمنية وسياسية مع الغرب ومصالح تجارية مع الخليج، تدرك أنّ أيّ انحياز علني قد يشعل فتيل استقطاب داخل المجتمع النيجيري، ما جعل دعوتها إلى "أقصى درجات ضبط النفس" يتيح لها المناورة بشكل فعلي في ظلّ تنوّع داخلي حسّاس يجعل من أيّ انحياز مخاطرة داخلية جسيمة وفق تقدير دوائرها الرسمية.
مفارقة الثروة الكامنة والتبعيّة الهيكلية
تتجلّى المفارقة الأفريقية الصارخة عند النظر إلى خرائط الطاقة؛ فبمجرّد إغلاق مضيق هرمز وقفز خام "برنت" بنسبة 21% متجاوزاً حاجز 97.6 دولاراً، وجدت الدول المصدّرة للنفط مثل نيجيريا وأنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية نفسها أمام زيادة في الإيرادات، لكنها زيادة مسمومة. فضعف الاستقلال السياسي وغياب الاستقلال الهيكلي في قطاع التكرير يجعل هذه الدول تستورد المشتقات البترولية بأسعار فلكية، ما يرفع أسعار المحروقات محلياً ويغذّي التضخّم.
وهنا تبرز مأساة دول أفريقية أخرى تمتلك ثروات خام هائلة وأمن طاقة كامناً، لكنها تظلّ عرضة للتصدّع بسبب عجزها عن تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة، بينما تواجه الدول المستوردة "الصافية" ككينيا وإثيوبيا وتنزانيا عجزاً تجارياً يلتهم احتياطياتها النقدية المحدودة.
اقرأ أيضاً: إدانات أفريقية للعدوان الإسرائيلي وتأكيد للتضامن مع إيران
الاستثمارات والأسواق المالية والهروب الكبير
مع تصاعد الحرب، بدأ المستثمرون الدوليون في التوجّه إلى "الملاذات الآمنة" كالذهب والدولار والسندات، ما أدّى إلى هروب رؤوس أموال من الأسواق الأفريقية الناشئة. ففي بورصة جوهانسبرغ، انخفض مؤشّر "نوب 40" بنسبة 0.8% وتراجعت السندات الحكومية، بينما ارتفع الذهب. وفي أبيدجان، قفزت أسهم شركات الطاقة بنسبة 7.4%، وتراجعت أسهم الطيران والسلع الاستهلاكية، لينخفض مؤشّر البورصة الإقليمية للأوراق المالية "BRVM" المركّب بنسبة 0.21% في تعبير صارخ عن حيرة المستثمرين. امتد هذا الضغط ليشمل العملات الأفريقية، حيث تراجع "الراند" الجنوب أفريقي أمام الدولار، ما زاد تكلفة استيراد السلع الأساسية وخدمة الدين الخارجي.
نزيف القطاعات الحيوية وتآكل القدرة الشرائية
لم يتوقّف النزيف عند حدود الأسواق المالية، بل امتدّ ليشمل قطاع الطيران والسياحة؛ فالخطوط الجوية الإثيوبية اضطرت إلى إلغاء 35% من رحلاتها، متكبّدة خسائر يومية تقدّر بـ8 ملايين دولار نتيجة تحويل المسارات. كما أنّ تعطّل حركة الملاحة هدّد سبل عيش أكثر من 2.5 مليون أفريقي كانوا يخطّطون للاستفادة من مناسك الحج والعمرة، بخسائر تقدّر بـ 1.2 مليار دولار للسياحة الدينية. وفي كينيا انخفضت حجوزات الفنادق بنسبة 40%، الأمر الذي يضع القارة أمام موجة تضخّم قد تكون الأشدّ منذ عقود خاصة إذا ما تطاول أمد الحرب.
حتميّة الاستقلال في عالم مضطرب
إنّ الدرس الأهمّ الذي تفرضه هذه الأزمة هو ضرورة بناء منظومات اقتصادية أكثر استقلالية وتنوّعاً. فطالما ظلّت أفريقيا رهينة لأسواق السلع العالمية، وطالما اعتمدت على استيراد بعض أهمّ احتياجاتها الضرورية من مناطق مضطربة، وظلّت تحويلات مغتربيها عرضة لتقلّبات السياسة، فإنها ستسمر في دفع الفاتورة مراراً.
إنّ الخروج من دائرة التصدّعات يتطلّب إرادة سياسية تستكمل الاستقلال السياسي للقارة ودولها، ويتطلّب شجاعة وجدراة تخطيطية للانتقال نحو "سيادة الموارد"؛ حيث تحوّل الثروات الخام في الدول المنتجة للبترول إلى مصدّات حقيقية عبر التصنيع المحلي والتوسّع في الإنتاج وزيادة الإنتاجية، وتبني شبكات ربط قارية تحمي الشعوب من تقلّبات النظام الدولي وتحقّق التكامل. وإذا بقيت القارة تبيع "سيادتها وترابها" وتشتري حياة نظمها ونخبها، ستظلّ دائماً الطرف المتأثّر بصراعات لم تخترها، في عالم لا يحترم إلا من يملك استقلاله ومفاتيح اكتفائه الذاتي وأمنه الاستراتيجي.