من جدار "جابوتنسكي" الحديدي إلى مقابر غزة: تحالفات الصهيونية الفاشية آنذاك والآن
تقرير لموقع "CounterPunch" يرى أنّ الحرب على غزة ليست حدثاً منفصلاً، بل امتداد لمشروع استيطاني استعماري تاريخي يحظى بدعم غربي سياسي وعسكري متواصل.
-
زئيف جابوتنسكي في المؤتمر الصهيوني
يرى موقع "CounterPunch" أنّ الصهيونية نشأت كمشروع استيطاني استعماري مرتبط بالإمبريالية الأوروبية، وأنّ السياسات الإسرائيلية الحالية تجاه الفلسطينيين تمثّل امتداداً تاريخياً لهذه الرؤية القائمة على الهيمنة والإقصاء.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
لم تكن الصهيونية مُجرَّد حركة لهروب اليهود من الاضطهاد، وظهرت في أواخر القرن 19 كأيديولوجية استيطانية استعمارية غربية أوروبية بامتياز، تشكّلت في أحضان الإمبريالية ذاتها التي قسمت أفريقيا وآسيا. وعلى هذا النحو أعلن مؤسسو الصهيونية من تيودور هرتزل، وماكس نوردو، وغيرهما عن أن الاستعمار الأوروبي يُشكّل نموذجهم.
ولقد وصف هرتزل أبو الصهيونية السياسية الدولة اليهودية المستقبلية بأنها "جزء من سور أوروبا في مواجهة آسيا، ومعقل للحضارة في مقابل البربرية". وسعى جاهداً للحصول على تراخيص من القوى الاستعمارية لإنشاء مستعمرة يهودية في فلسطين. لم يكن الهدف أبداً التعايش مع السكان الأصليين، بل كان الغزو واقتلاعهم من أرضهم خطتهم الوحيدة.
وفي بيان للهيمنة الاستيطانية الاستعمارية التي جسدها أحد التيارات الأكثر عدوانية للأيديولوجية الصهيونية يقول زئيف جابوتنسكي، مؤسس الصهيونية التحريفية والأب الروحي لليمين المتطرف الإسرائيلي الحديث، في مقالته المحورية عام 1923 بعنوان "الجدار الحديدي" بأن الفلسطينيين العرب لن يقبلوا طواعية تحويل وطنهم إلى دولة يهودية، وزعم أن الحل الوحيد هو بناء "جدار حديدي" من التفوق العسكري، وحاجز قوة هائل لا يمكن للسكان الأصليين اختراقه، وأن الاستعمار يجب أن يستمر "بغض النظر عنهم".
وبهذه الرؤية المتعصبة، سعى جابوتنسكي جاهداً لكسب رضى القوى الفاشية الصاعدة في أوروبا. وفي عام 1934، وبموافقة حماسية من بينيتو موسوليني، أسَّس أكاديمية بيتار البحرية في مدينة تشيفيتافيكيا الساحلية الإيطالية، حيث تدرب طلاب صهاينة شباب على يد ضباط فاشيين إيطاليين، وارتدوا زياً عسكرياً مُستوحى من زي القمصان السوداء لموسوليني، واستوعبوا الروح العسكرية الاستبدادية للفاشية.
ولقد كان الهدف واضحاً، وهو تشكيل قوة قتالية يهودية لا ترحم قادرة على فرض "الجدار الحديدي" الذي صوره جابوتنسكي على الشعب الفلسطيني، بينما استمرت الأكاديمية في العمل حتى عام 1938، حين أنهى تحالف إيطاليا المتنامي مع ألمانيا النازية وسن قوانين عنصرية معادية لليهود هذه الشراكة، بينما شكَّل العديد من خريجي الأكاديمية لاحقاً العمود الفقري للبحرية الإسرائيلية في بداياتها.
كذلك كان الأكثر إدانة هو التعاون مع ألمانيا النازية. ففي عام 1933، وقعت المنظمات الصهيونية "اتفاقية هافارا" سيئة السمعة مع نظام هتلر، التي سمحت لعشرات الآلاف من اليهود الألمان بالهجرة إلى فلسطين مقابل نقل ممتلكاتهم على شكل سلع ألمانية. بالنسبة للنازيين، كانت هذه آلية ملائمة لطرد اليهود وتعزيز الصادرات. أما بالنسبة للصهيونيين، فكانت حسابات دقيقة لترسيخ الاستيطان اليهودي في فلسطين. وبينما كان اليهود العاديون يواجهون اضطهاداً متصاعداً، كان بعض القادة الصهاينة يعقدون صفقات براغماتية مع النظام نفسه الذي سيُضرم نيران "الهولوكوست" قريباً.
لم تكن هذه التحالفات حالات شاذة، بل عكست المنطق الأساسي لمشروع استيطاني استعماري أعطى الأولوية للغزو الذي يحرك "إسرائيل" اليوم، بدلاً من بناء الدولة على الأخلاق والتضامن مع الشعوب المضطهدة الأخرى. فالإبادة الجماعية التي تُبث مباشرة من غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، هي ذروة هذا المشروع الاستعماري المروع. وما بدأ بأوهام هرتزل الإمبريالية وعقيدة جابوتنسكي عن "الجدار الحديدي"، تطور إلى نظام متطور للفصل العنصري والتطهير العرقي والقتل الجماعي، والتجويع المتعمد، والتدمير المنهجي للمستشفيات والمدارس، واستهداف المدنيين. وهذه ليست تجاوزات الصهيونية فحسب، بل النتيجة الحتمية لحركة تأسست على الاعتقاد بضرورة إخضاع السكان الأصليين أو إبعادهم لكي تزدهر دولة الاستيطان.
ويتجلى هذا الاستمرار التاريخي في المشهد السياسي الراهن. ففي إيطاليا، ما تزال حكومة جورجيا ميلوني اليمينية المتطرفة، التي تستمد جذورها السياسية من التقاليد ما بعد الفاشية، تُوفر غطاء سياسياً وحماية دبلوماسية ودعماً مادياً لجرائم "إسرائيل"، مُكررة بذلك التحالفات الانتهازية التي سعى إليها جابوتنسكي مع موسوليني. أما في ألمانيا، الدولة التي تزعم مواجهة ماضيها النازي، فقد حوّلت هذا الشعور التاريخي بالذنب إلى دعم غير مشروط للدولة الصهيونية، ومنعت فرض عقوبات جادة على "إسرائيل"، وزودتها بالسلاح.
وفي الولايات المتحدة، يكشف التاريخ المضطرب لعائلة ترامب، من اعتقال والد الرئيس فريد ترامب عام 1927 خلال أعمال شغب لجماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية، وصولاً إلى احتضان دونالد ترامب للصهيونيين الإنجيليين والمتطرفين المؤيدين ل"إسرائيل" عن مدى تشابك النفوذ الأمريكي مع هذا المشروع الاستعماري. و"مجلس السلام" المشوه الذي شكلته إدارة ترامب، وهو عبارة عن زمرة من المليارديرات المضاربين العقاريين، والصهاينة المتشددين، والمتطرفين الإنجيليين، وهو يجسد تماماً المزيج المنحرف من رأسمالية العصابات والتعصب "المسياني".
وما يُسمى "مبادرة سلام" المكلفة بإعادة تشكيل غزة بعد الإبادة الجماعية، فالطموح واضح بتحويل أنقاض منازل الفلسطينيين إلى فنادق فاخرة، ومرافئ، ومنتجعات شاطئية، "ريفييرا الشرق الأوسط" المشوهة المبنية فوق مقابر جماعية. هذه ليست دبلوماسية. بل التعبير النهائي عن النهب الاستعماري الذي يمول توسيع المستوطنات والتطهير العرقي، بينما تلهفهم يشتد الآن للاستيلاء على العقارات بمجرد اكتمال عمليات القتل.
نتنياهو، سموتريتش، وبن غفير ليسوا حالات شاذة. فهم النتاج الطبيعي للتطرف في الفكر الصهيوني، والورثة المنطقيون لرؤية جابوتنسكي للهيمنة القمعية. دعواتهم الصريحة للضم، وإعدام السجناء، والهندسة الديموغرافية ليست انحرافات عن الصهيونية، بل هي تجسيد لها. وما يزال الإفلاس الأخلاقي للغرب مذهلاً. فالحكومات الأوروبية التي تُحاضر على العالم بحقوق الإنسان، ما زالت تُسلح "إسرائيل"، وتحميها من المساءلة، وتعرقل أي عقوبات فعّالة ضد جرائمها، مما يكشف تواطؤ قارة لا تزال أسيرة أنماط قديمة من القوة والولاء والأخلاق الانتقائية والتفكير الاستعماري.
رغم إنفاق "إسرائيل" مئات الملايين على الدعاية الإسرائيلية، فقد سقط القناع، وباتت الحقيقة السادية للصهيونية من فصل عنصري وتطهير عرقي وإبادة جماعية واضحة للعيان أمام الملايين. وكلما ازدادت "إسرائيل" غطرسة ووحشية، تسارعت وتيرة الصحوة العالمية. كما أن السجل التاريخي يدينها، حيث عقدت الصهيونية صفقات مع الفاشيين والنازيين عندما ناسبت مصالحها. واليوم، ترتكب "إسرائيل" الإبادة الجماعية بدعم كامل من القوى الغربية.
وبينما استمرار هذا النهج لا لبس فيه. فيجب على الغرب أن يكف عن التظاهر بأن هذا مُجرَّد "صراع". ولكي تتحقق العدالة، يجب الاعتراف بأن الإبادة الجماعية للفلسطينيين هي استمرار وحشي لمشروع استيطاني استعماري مُتجذّر في الهيمنة الأوروبية ويُحافظ عليه من خلال القوة المتواصلة.
مع ذلك، تتصاعد المقاومة في البر وفي أعالي البحار، ضمن حركة دولية متنامية تطالب بالعدالة. فالنضال من أجل تحرير فلسطين هو خط المواجهة في معركتنا ضد الاستعمار والفصل العنصري والإمبريالية في عصرنا، لنجعل "إسرائيل" فلسطين مرة أخرى.