اللواء عباس إبراهيم: التجربة العسكرية والسياسية (2-2)
من الحيّز العسكري إلى الشأن الوطني، يستعرض الدكتور غسان ملحم، التجربة السياسية والعسكرية للمدير العامّ الأسبق للأمن العامّ، اللواء عباس إبراهيم، ويكشف عن المهمات الصعبة التي تولاها اللواء بين التجربتين.
-
اللواء عباس إبراهيم.. المديرية العامّة للأمن العامّ.
عندما يعود اللواء عباس إبراهيم بشريط الذاكرة إلى الوراء، يستذكر ويستحضر العديد، إن لم يكن الكثير، من السياقات والمحطات والأحداث والمواقف، منذ بدايات مسيرته الوظيفية وحياته المهنية، وحتى حينه، من الجيش إلى الأمن، ومن الحيّز العسكري – الأمني إلى حيّز الشأن السياسي، أو لنقل بالأحرى إلى حيّز الشأن الوطني.
وعليه، فإنّ هذه المقالة الثانية، للدكتور غسان ملحم، أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، تُعنى بإماطة اللثام عن الكثير مما لديه، بالعودة إلى تجربته العسكرية والسياسية، والتي تمتد زهاء أربعة عقود من الزمن، كان أمضاها في كنف الدولة ومؤسساتها، ما بين الجيش والأمن العامّ، بعد المقابلة التي أجراها معه كاتب المقالة – وهي تقع في جلستين اثنتين – في مكتبه في بيروت بتاريخ 22 و25 أيار/مايو 2026.
بداية الحياة العسكرية
حين يبدأ اللواء عباس إبراهيم بسرد سيرته ومسيرته، يستذكر ويستحضر في البداية كيف أنّ الوالد الراحل لم يكن متحمّساً، بل كان يعارض ويرفض فكرة التحاقه بالجيش، وذلك بعد أن كان قد استشهد أخوه الأكبر. وقد حاول والده أن يثنيه عن نيّته وقراره بأن يصبح ضابطاً في الجيش، وأن يقنعه بخيارات أو مسارات أخرى؛ بيد أنه كان مقتنعاً ومتحمّساً، وقد حسم أمره، ذلك أنه يؤكد أنه يجد نفسه في هذا المكان وفي هذه المؤسسة.
واللافت أنّ عباس إبراهيم، لدى محاولته إقناع والده بالفكرة وبالعدول عن اعتراضه ومعارضته على الأمر، قطع وعداً وعهداً له عليه، بأن يجعله يفتخر ويعتز به!
هو لا ينسى تلك اللحظة وذلك الموقف. يتأمّل ويتفكّر بهما، حين يعود به الزمن إلى الوراء، حيث كانت بداية حياته العسكرية. الأمر الذي لا يعكس سوى حقيقة واحدة، مفادها ومؤدّاها أنه كان لديه الإصرار والتصميم إلى الحدّ الذي جعله يقطع هذا الوعد وهذا العهد، ويلزم نفسه بهما، وكأنها الإرادة، المُولِّدة للطاقة والعزيمة والقدرة، دفعته لذلك، بكلّ ثقة، بلغة السيكولوجيا السياسية.
هكذا تطوّع عباس إبراهيم في المدرسة الحربية بصفة تلميذ ضابط سنة 1980، ليتخرّج منها ضابطاً برتبة ملازم، اختصاصه المشاة، سنة 1982. وكانت ملؤه القناعة بصوابية خياره وقراره اللذين رسما وصنعا مستقبله.
بدأت خدمته العسكرية من منطقة الجنوب في أصعب الظروف التي شهدها البلد إبّان الاجتياح والاحتلال الإسرائيليين والحرب اللبنانية. وتنقّل بين العديد من القطع والوحدات العسكرية؛ ومن أبرزها، على سبيل المثال لا الحصر: التنسيق مع اليونيفيل، معسكر خدمة العلم، معهد التعليم، لواء المشاة الثالث ولواء المشاة الرابع، ثم الفوج المجوقل بين عامي 1982 و1989، كما القوة الضاربة عامي 1993 و1994...
فوج المغاوير البرية في الجيش
تولّى عباس إبراهيم، وكان حينها لا يزال ضابطاً في الجيش برتبة عقيد، قيادة فوج المغاوير البرية، وهو – كما فوج المغاوير البحرية – من القوات الخاصة. واستمر بقيادته للفوج ما بين عامي 2003 و2005، حيث كان الرئيس العماد ميشال سليمان قائداً للجيش والرئيس العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية.
تجدر الإشارة، عند هذا الموضع أو المقام من هذا العرض التاريخي لتجربته العسكرية، من منظور المراقب ومن زاوية المراقبة، إلى أنّ العديد من المسؤوليات العسكرية التي تولاها والمهمات العسكرية التي اضطلع بها كانت في عداد القوات الخاصة أو قوات النخبة، من مثل القوة الضاربة وفوج المجوقل، كما أشرنا أعلاه، إضافة إلى فوج المغاوير البرية، وكذلك القوات العملانية أو القوات المنتشرة عملانيّاً، من مثل اللواء الثالث للمشاة الثالث واللواء الرابع للمشاة، في إشارة إلى طبيعة خدمته العسكرية على امتداد مسيرته العسكرية.
مديرية المخابرات في الجيش
أما بالنسبة لمديرية المخابرات، فكانت له عدة أدوار، حيث اضطلع بمسؤوليات مهمة. لقد اندلعت حرب سنة 2006 مع العدو الإسرائيلي، كما شهد البلد أزمة سنة 2007، مع شغور سدّة رئاسة الجمهورية، بانتهاء ولاية الرئيس العماد إميل لحود لحين انعقاد مؤتمر الدوحة وانتخاب الرئيس العماد ميشال سليمان سنة 2008، وكان رئيساً لفرع مخابرات الجنوب.
تولّى إبراهيم رئاسة قسم المكافحة ضمن فرع المكافحة في مديرية المخابرات بين عامي 1994 و1998، وكان العماد إميل لحود قائداً للجيش والرئيس الراحل إلياس الهراوي رئيساً للجمهورية.
وتسلّم إبراهيم رئاسة فرع المكافحة في مديرية المخابرات بين عامي 1998 و2002، حيث أصبح العماد ميشال سليمان قائداً للجيش والرئيس إميل لحود رئيساً للجمهورية.
وتسلّم إبراهيم رئاسة فرع الجنوب في مديرية المخابرات بين عامي 2005 و2008، وكان لا يزال العماد ميشال سليمان قائداً للجيش والرئيس إميل لحود رئيساً للجمهورية، حيث غادر الأخير سنة 2007.
ثم أصبح المساعد الأول لمدير المخابرات، واستمر بمنصبه بين عامي 2008 و2011، عندما أصبح الرئيس ميشال سليمان رئيساً للجمهورية والعماد جان قهوجي قائداً للجيش. وقد تمّت ترقيته، في هذه الفترة، إلى رتبة عميد سنة 2010.
وطيلة مدة خدمته العسكرية في مديرية المخابرات، ينوّه اللواء عباس إبراهيم بالعلاقة الممتازة مع كلّ من مديرَي المخابرات العميد ريمون عازار والعميد جورج خوري، وكذلك العلاقة الممتازة مع قائدَي الجيش العماد ميشال سليمان والعماد جان قهوجي.
المديرية العامّة للأمن العامّ
بعد انقضاء ما يزيد على العقود الثلاثة من الخدمة العسكرية في الجيش، ابتداء من سنة 1980، انتقل إلى المديرية العامّة للأمن العامّ، ابتداء من سنة 2011، إذ تمّ تعيينه مديراً عامّاً للأمن العامّ، مع ترقيته إلى رتبة لواء. واستمر في منصبه إلى سنة 2017، حين بلغ سن التقاعد القانونية بصفته العسكرية (59 سنة)؛ واستمر في منصبه إلى سنة 2023، حين بلغ سن التقاعد القانونية بصفته المدنية (64 سنة).
في هذا الصدد، يرى اللواء إبراهيم، على ضوء التجربة، أنّ منصب مدير عامّ الأمن العامّ في البلد في غاية الأهمية تاريخيّاً، أنّ في حقبة الجمهورية الأولى، أو في حقبة الجمهورية الثانية، وأنّ دوره مركزي ومحوري على صعيد الأمن السياسي والمهمات الوطنية ذات الصلة ضمن إطار الأمن القومي. وهو يعتبر أنّ المدير العامّ للأمن العامّ في الدولة اللبنانية كان، ولا يزال حتى الآن، بمثابة المستشار السياسي لرئيس الجمهورية.
ويضيف اللواء عباس إبراهيم أنّ علاقته برئيسي الجمهورية كانت ممتازة، سواء كان الرئيس العماد ميشال سليمان بين عامي 2011 و2014 أولاً، أو كان الرئيس العماد ميشال عون بين عامي 2016 و2022 ثانياً، بالعودة إلى كيفية فهمه لدور المديرية العامّة للأمن العامّ في لبنان لدى رئاسة الجمهورية اللبنانية، وبالتالي خصوصية علاقة المدير العامّ للأمن العامّ في لبنان برئيس الجمهورية اللبنانية.
وفي هذا المضمار، يجب الإشارة إلى أنّ الأزمة السورية أوّلاً، ومن ثمّ الحرب السورية ثانياً، فرضت نفسها على الدولة اللبنانية والحكومات اللبنانية التي تعاقبت على السلطة والقرار.
هنا، يؤكّد اللواء إبراهيم أنّ الأحداث السياسية والأمنية والعسكرية في سوريا ألقت بثقلها على المديرية العامّة للأمن العامّ، كما المدير العامّ للأمن العامّ، نظراً لحراجة الموقف وحساسيته، وكذلك تداخل وتشابك الملفات السياسية والأمنية على جانبي الحدود، وماهية وطبيعة مهمات المديرية العامّة للأمن العامّ، ومسؤوليات المدير العامّ للأمن العامّ، إن على خط الحدود، أو في قضايا الجرائم الإرهابية والمفاوضات الدبلوماسية والوساطات السياسية.
ويكشف اللواء إبراهيم عن عدد من المهمات اضطلع بها إبّان تولّيه المديرية العامّة للأمن العامّ، في سياق الاتصالات والمراسلات الدولية والإقليمية وعلى خط العديد من القوى الدولية والإقليمية، وبعضها بمبادرة من تلك الجهات الخارجية والأجنبية، أو بطلب منها. قد لا يتسع المجال للإضاءة عليها والإحاطة بها. وقد لا يجوز الكشف عن العديد منها لاعتبارات، ليست شخصية، وإنما تتصل بالحسابات الداخلية والخارجية، ذات الصلة بأمن الدولة ومصلحة البلد، وكذلك مصالح العديد من الشركاء والأصدقاء الدوليين والإقليميين.
ربما يأتي الوقت الذي تتمّ فيه إماطة اللثام عنها أو عن بعضها على الأقل. بيد أنّ سبر هذه الملفات وهذه المهمات مع اللواء إبراهيم يقود إلى تشكّل قناعة بأنه كان السفير فوق العادة، المعتمد من قبل المجتمع الدولي، والعديد من القوى الغربية والعربية، في الدولة اللبنانية، على خط المسألة السورية. وهو أدى، من موقع المسؤولية، بكثير من الاحتراف المهني، هذا الدور، في خدمة الأهداف المشتركة والمصالح المتبادلة بين الفاعلين الدوليين والإقليميين المعنيين.
في المهمّات الصعبة والمهمّات الحساسة بين التجربتين العسكرية والأمنية
لدى سؤاله عن المهمات التي قام بها، ولا سيما المهمّات الصعبة في الجيش والأمن، المهمّات الخاصة في السياسة والدبلوماسية، والمهمّات السرية في الأروقة والكواليس، فإنّ لائحة المهمّات والعمليات التي يعرض لها اللواء إبراهيم تطول.
وهي تنطوي على شيء من السرية والأهمية والخطورة، مع الإشارة إلى أنه تعرّض لأربع محاولات اغتيال أمنية، وأنه أصيب خمس مرات أثناء قيامه بمهامه العسكرية.
تمّ تكليفه بمهمّة تأمين الحماية والأمن الشخصي لموفد جامعة الدول العربية الأخضر الإبراهيمي بين عامي 1987 و1989. واستمرت هذه العلاقة الودية والطيبة بينهما بعد انتهاء هذه المهمة وطيلة السنوات الماضية.
وتمّ تكليفه بمهمّة تأمين الحماية والأمن الشخصي لرئيس الجمهورية إلياس الهراوي منذ انتخابه وبين عامي 1989 و1991. فكان في عداد لواء الحرس الجمهوري في مقر الإقامة المؤقتة للرئيس الهراوي في ثكنة أبلح العسكرية أولاً، ثم في بناية الرئيس الحريري في محلة الجناح في بيروت ثانياً.
ثمّ تمّ تكليفه بمهمّة تأمين الحماية والأمن الشخصي للرئيس الشهيد رفيق الحريري، قبل تكليفه رئاسة الحكومة وبعدها، بين عامي 1992 و1993، من قبل رئيس الجمهورية إلياس الهراوي. بقي في الحرس الجمهوري، يؤدّي هذه المهمة، فجمعتهما علاقة ودية وطيبة جدّاً، حتى بعد أن أنهى مهمته الأمنية لديه وإلى جانبه، كرئيس للحكومة. واستمرت هذه العلاقة الدافئة بينهما، رغم الظروف والأحوال والأوضاع التي شهدتها البلاد وأحاطت بهما.
كذلك، تم تكليفه سنة 1994 بمهمة توقيف سمير جعجع في غدراس وسوقه إلى سجن وزارة الدفاع الوطني في اليرزة، من قبل العماد إميل لحود، قائد الجيش، وكان حينها رئيساً لقسم المكافحة في فرع المكافحة في مديرية المخابرات في الجيش. وقد قام بأداء المهمة إلى جانب العقيد رئيس فرع المكافحة بأمر من قيادة الجيش.
أما وقد تولّى المديرية العامّة للأمن العامّ، وحيث إنّ الأوضاع الأمنية في سوريا كانت مضطربة وغير مستقرة، فقد تمكّن اللواء إبراهيم من إنجاز العديد من العمليات لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين واسترداد الجثامين؛ منها: تحرير راهبات دير معلولا والجنود العسكريين، واسترداد جثامين قتلى خلية تل كلخ؛ ما يشير إلى دوره الوازن والفاعل على خارطة التموضعات، الاصطفافات، الاشتباكات والتقاطعات الدولية والإقليمية، المركّبة والمعقّدة.
في العلاقة مع الثنائي الشيعي للمقاومة
لدى سؤاله عن العلاقة مع الثنائي الوطني، الحركة والحزب، وكيفية التعامل والتعاطي معهما ومن قبلهما، يجيب، بطريقة بديهية، لا فصال فيها، ولا لبس فيها، بأنه ابن هذه البيئة، والمقصود هذا المكوّن الأساسي. ثم يردف بأنه يفتخر بأنه ينتمي لهذا الوسط. ولا يخفي أثر الإرث الثقافي الذي تركه الإمام السيد موسى الصدر في شخصه وعائلته وبين أهله وناسه، ولا سيما نهائية الكيان اللبناني، كثابتة مصيرية بالنسبة له، وبالنسبة للشيعة، وفقاً لوجهة نظره.
ويجاهر بتأييده لمقاومة العدو الإسرائيلي، في الوقت الذي باتت المقاومة، النظرة إليها والموقف منها، مسألة تحتمل النقاش بين الساسة وعامة الناس.
ويتوجّه إلى اللبنانيين بالمعايدة لمناسبة عيد المقاومة والتحرير، ويرى فيها فرصة لتأكيد أهمية تحرير الأرض من الاحتلال، وتحرير الإنسان من العبودية. مع ذلك، يحتفظ لنفسه بشيء من الخصوصية بالماهية والحيثية. وهو حقه بطبيعة الحال.
وقد لا يتسع المجال للخوض والغوص بالكثير من الأفكار التي يسعى من خلالها لرفع الحصار عن الشيعة في البلد، الحفاظ على حضورهم ودورهم فيه، ودخولهم وإدخالهم إلى الدولة على أساس المساواة والإنصاف والتوازن.
في النظرة إلى الطبقة السياسية والموقف منها
في العلاقة مع الطبقة السياسية على وجه العموم، وفي العلاقة مع السلطة السياسية على وجه الخصوص، يتحدّث اللواء عباس إبراهيم عن العديد من الشخصيات العامة، السياسية والعسكرية، والكثير من المناسبات والمحطات.
هو لا يزال على اتصال بالرئيس العماد إميل لحود، ويعتبر أنه كان موضع ثقته، لدى قيادته للجيش. كما أنه لا يزال على اتصال بالرئيس العماد ميشال عون، ويعتبر أنّ التنسيق بينهما كان لمصلحة الدولة والبلد، لدى رئاسته للجمهورية.
ولا ينسى اللواء إبراهيم أن ينوّه بالعلاقة التي جمعته بالرئيس الراحل الدكتور سليم الحص، فيشير إلى عدة مواقف بينهما، تعكس نزاهة الرجل الذي استحق لقب ضمير لبنان، وكذلك العلاقة المستمرة والمتواصلة مع الرئيس السابق نجيب ميقاتي، إذ نشأت حين كان وزيراً في الحكومة، واستمرت بعد أن أصبح رئيساً للحكومة.
ثم يأتي على ذكر الزعيم الوطني سليمان بك فرنجية، بين العديد من الشخصيات، فيعبّر عن احترامه وتقديره لخطابه ودوره الوطنيين. هو يراهن عليه، وربما يكون رهانه بمحله للمستقبل، فيما لو أردنا التأسيس لمشروع لقاء وطني.
أما بالنسبة للنظرة إلى السلطة السياسية القائمة والموقف منها، فيتحدّث بلغة مسؤولة، هادئة ورصينة، ولا يخفي ملاحظاته، ولكنه يحرص على البحث عن المخارج الممكنة لإنقاذ البلد، فيجدّد الدعوة للعودة إلى التوافق الوطني للخروج بالبلد من غياهب الأزمة والحرب.
في المستقبل السياسي بين الرؤية والخطة
في ختام الإحاطة بتجربة اللواء عباس إبراهيم العسكرية والسياسية، من البديهي السؤال عن المستقبل السياسي. هو أنهى فترة خدمته العسكرية والأمنية، مع بلوغ سن التقاعد القانونية؛ لكنه لا يتردّد بالتعبير، بكلّ جرأة وشجاعة، عن عزمه المضي والاستمرار بممارسة اهتمامه بمتابعة الشؤون العامّة، كما الانخراط بالشؤون الوطنية كافة، السياسية، الاستراتيجية، الأمنية والعسكرية.
ويبدي، بكلّ وضوح وصراحة، استعداده لاستئناف واستكمال دوره في حيّز الحياة العامّة على وجه التعميم وحيّز الحياة السياسية على وجه التخصيص.
من هنا، لدى سؤاله عن النيابة في البرلمان، يكشف عن نيّته المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، مع العلم أنه يرصد المستجدّات الداخلية والخارجية، ولا سيما التطورات التي يشهدها البلد، ويرى أنّ القرار النهائي يرتبط بالظروف الأمنية والأحوال السياسية في البلد والمنطقة، عندما يقترب ويحين موعد إجراء الاستحقاق.
كذلك، لدى سؤاله عن الوزارة في الحكومة، يمكن القول إنه لا يمانع المشاركة بالوزارة في الحكومة المستقبلية، مع العلم أنه لا يتوقّف عند الحقيبة الوزارية، بل إنه لا يتمسّك بالوزارة، ما لم تكن هناك رؤية للحكومة، تتمثّل وتتجسّد في السياسة العامّة للنهوض بالبلد مما هو فيه وعليه، كأن يتمّ صوغ ورسم السياسة الخارجية، بمقاصدها وأهدافها، لإعادة بناء التوازن في العلاقات الخارجية، بل ترميم العلاقات الخارجية، وإخراج أو تأمين خروج البلد من الحصار، لاستعادة مكانته ووضعيته، بعد إعادة تحديد موقعه وتعريف دوره، أو أن يتمّ التفكير والتخطيط في كيفية إعادة بناء الدولة، من دون أن ننسى أن نلفت إلى أننا نرى إمكانية الاستفادة من تجربته في الداخلية والدفاع الوطني، نظراً لخبرته التي تجمع بين الثبات على الثوابت الوطنية والحكمة والمرونة بحسب مقتضيات المصلحة الوطنية.
يبقى أن نضيف أنه لا يريد ويرفض فكرة التنظيم أو الانتظام السياسي بالمعنى الحزبي. ويتمسّك بفكرة الحرية الفردية والاستقلالية الشخصية في الحركة والمبادرة والمشاركة في العملية السياسية والحياة السياسية.
وهو لا يمانع تأطير عملية الاتصال والتواصل السياسيين مع الناس، كأن يُصار لإطلاق منصة وطنية جديدة ولقاء وطني جديد، برؤية سياسية وطنية، جديدة ومتجدّدة، تعيد إحياء وإنعاش الصيغة والنموذج والتجربة.
تقود الإحاطة بتجربة اللواء عباس إبراهيم العسكرية والسياسية في المقالة الثانية، بعد الإضاءة على رؤيته السياسية والاستراتيجية في المقالة الأولى، إلى ملاحظة هي مهمة، من حيث التقييم والتقدير لشخصه، في الجانبين العامّ والخاصّ على حدّ سواء، مفادها ومؤدّاها أنه – من دون مبالغة – شخصية عامّة، هي وطنية بامتياز، وغير فئوية على الإطلاق، في خطابها وفي ممارستها؛ وهي مركّبة؛ سياسية وعسكرية ودبلوماسية، أي متعدّدة الجوانب والمضامين والأبعاد؛ كما أنها "مرجعية" أيضاً، وقد تصبح "قيادية"، وقد كانت "ريادية"، بوصفه ولكونه من أهمّ وأبرز الشخصيات على الساحة اللبنانية عموماً والساحة الشيعية خصوصاً؛ مع التنويه، بحسب فنّ التواصل (Communication Art) ولغة الجسد (Body Language) وتعابير الوجه، بأنه يتمتع ويمتاز بكاريزما القيادة السياسية.
الجزء الأول: اللواء عباس إبراهيم: الرؤية السياسية والإستراتيجية (1-2)