"فورين بوليسي": أساطير الانتصار في ساحة المعركة تدمّر الجيش الأميركي
لقد أتاح الاعتقاد بأنّ القوة العسكرية هي العنصر الوحيد اللازم لتحقيق النجاح في انتهاج سياسة خارجية كسولة ومدمّرة، تتجاهل إرادة الحلفاء والخصوم ودوافعهم على حدّ سواء.
-
ترامب يؤدّي التحية العسكرية لجنود أميركيين قُتلوا من جراء ضربات إيرانية استهدفت قواعد أميركية في الكويت.
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها العسكرية في حربها على إيران، رغم تفوّقها العسكري والتكنولوجي الهائل، منتقداً العقيدة العسكرية الأميركية التي تقوم على الاعتقاد بأنّ زيادة القوة النارية وتصعيد العنف كفيلان بتحقيق النصر.
ويرى الكاتب أنّ حرب ترامب على إيران تكشف استمرار واشنطن في تكرار الأخطاء نفسها التي ارتكبتها في فيتنام وأفغانستان، حيث حقّقت انتصارات تكتيكية في ساحات القتال، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والسياسية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
عندما شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حربه على إيران، وعد بتحقيق نتائج سريعة وحاسمة. وبعد مرور أكثر من ستة أشهر، وعلى الرغم من آلاف الغارات الجوية، ومقتل آلاف الإيرانيين، وتدمير القوات الجوية والبحرية الإيرانية، لم تنحنِ إيران. بل إنّ قادتها الجدد أكثر تشدداً وأقل استعداداً لتقديم التنازلات من أولئك الذين قتلتهم الولايات المتحدة و"إسرائيل" في بداية الحرب. ومن خلال تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تُبقي إيران الاقتصاد العالمي رهينةً لديها، في ظلّ استمرار التقطّع في إمدادات النفط والغاز والوقود المكرّر القادمة من الخليج. أمّا إدارة ترامب والدائرة المتقلّصة من مؤيّديها المخلصين، فقد بدأت تبحث عن ذرائع لتبرير الفشل.
هناك سردية جاهزة تلجأ إليها واشنطن لتفسير إخفاقاتها العسكرية، ومن المرجّح جداً أن يتبنّاها ترامب، ما لن يؤدّي إلا إلى تعميق فشله. إنها سردية "النصر المهدور"، التي تفترض أنّ الولايات المتحدة لا تزال قادرة على هزيمة إيران، لو توافرت لديها الإرادة والقدرة على الصمود. فكلّ ما عليها فعله هو تحمّل المزيد من الألم وإطلاق المزيد من الصواريخ. وقد تبنّى الجنرال المتقاعد في الجيش الأميركي جاك كين هذا الحلّ المزعوم، قائلاً: "نحن نمتلك بالفعل القدرة على إنهاء هذه الحرب عسكرياً إذا أردنا ذلك".
تُعدّ فكرة "النصر المهدور" من السرديات القديمة المتكرّرة في التاريخ العسكري الأميركي. بل إنّ إحدى أبرز الروايات التاريخية التحريفية عن حرب فيتنام تحمل هذا العنوان تحديداً. وينبع الاعتقاد من أنّ أيّ هزيمة ليست سوى انتصار ضائع من هوسٍ بالظروف المادية والحسابات الرقمية للقوة العسكرية النسبية، وهو ما يمكن تسميته بمدرسة إحصاء الأرقام في التحليل العسكري.
فمنذ الحرب العالمية الثانية، قبل أكثر من 80 عاماً، لم تخض الولايات المتحدة حرباً ضدّ خصم يضاهيها أو يقترب منها في القوة العسكرية أو الاقتصادية. وفي حالات كثيرة، كما في أفغانستان، كان التفاوت في القوة بين الجيش الأميركي وخصمه هائلاً إلى حدّ العبث. ومع ذلك، ورغم هذا الاختلال الضخم في موازين القوى، خسرت واشنطن حروباً بصورة واضحة ومتكرّرة. وكرّر مهندسو الحرب في أفغانستان إخفاقات صنّاع القرار والمخطّطين العسكريين الأميركيين في فيتنام، إذ تجاهلوا العقبات السياسية التي تحول دون تحقيق النصر، من أجل الترويج لفكرة أنّ استراتيجية معيبة يمكن أن تنجح إذا مُنحت مزيداً من الوقت وقوة الإرادة.
وعلى الرغم من أنّ ثروة الولايات المتحدة وتفوّقها التكنولوجي وقدراتها على إسقاط القوة العسكرية خارج حدودها لا تزال تتصدّر العالم، حتى الآن، فإنّ النزاعات المسلّحة لا تُحسم أبداً بمجرّد إحصاء الأصول العسكرية. وفي حالات متكرّرة، تحوّلت قوة واشنطن نفسها إلى عامل يعمل ضدّها. فقد أتاح الاعتقاد بأنّ القوة العسكرية هي العنصر الوحيد اللازم لتحقيق النجاح انتهاج سياسة خارجية كسولة ومدمّرة، تتجاهل إرادة الحلفاء والخصوم ودوافعهم على حدّ سواء.
كما يُعلي هذا النمط من التفكير شأن التكتيكات على حساب الاستراتيجية، ويمنح الأولوية للانتصارات السريعة في ساحة المعركة على حساب عوامل الاستنزاف والإنهاك والإرادة. ونتيجةً لذلك، كثيراً ما تمكّن الطرف الذي يُفترض أنه الأضعف من تحقيق النصر، على الرغم من تفوّق الجيش الأميركي عليه تفوّقاً حاسماً.
وكان أحد العناصر الأساسية في هذا الانتصار الأخير للأمل على حساب التجربة، أي الاعتقاد بأنّ حرب ترامب على إيران ستكون مختلفة بطريقة ما، يتمثّل في إعادة صياغة دموية لسردية "النصر المهدور". وتقوم هذه الصياغة على فكرة أنّ الجيش الأميركي أخفق في التخلّي عن القيود المفروضة عليه في العراق وأفغانستان، كي يتمكّن من خوض هاتين الحربين بالقدر الكافي من الوحشية.
وكان وزير الدفاع بيت هيغسيث من أبرز مروّجي هذه الأسطورة بلا هوادة. ففي كتابه الصادر عام 2024 بعنوان "الحرب على المحاربين" (The War on Warriors)، كتب قائد الفصيلة السابق في الجيش الأميركي أنه طلب من جنوده في العراق تجاهل قواعد الاشتباك التي فُرضت عليهم. وخلال ولاية ترامب الأولى، تمثّلت أبرز مساهمات هيغسيث في الضغط على الرئيس لإصدار عفو عن عسكريَّين بارزَين أُدينا بارتكاب جرائم حرب، وإلغاء الإجراءات التأديبية المتّخذة بحقّ عسكري ثالث.
وقد لخّص هيغسيث هذا النهج القائم على خوض الحرب من دون قيود، بأسلوبه الخطابي الذي يعكس خلفيته مقدّماً تلفزيونياً، قائلاً: "أقصى درجات الفتك، لا قانونية فاترة".
ولم يكتفِ هيغسيث بهذا الخطاب، بل دعمه بإجراءات تهدف إلى تسهيل تجاوز القوات الأميركية قواعد الاشتباك وقوانين الحرب، أو حتى تجاهلها من دون التعرّض للعقاب. وكان من أولى خطواته إقالة المستشارين القانونيين العسكريين الذين يعتمد عليهم القادة في تفسير القيود القانونية المفروضة على استخدام العنف وتطبيقها، ثم قطع التمويل عن المكتب التابع للبنتاغون والمكلّف بالحدّ من الأضرار التي تلحق بالمدنيين الأبرياء خلال النزاعات.
لكنّ التخلّي عن هذه القيود لم يُسهم إطلاقاً في هزيمة إيران. بل على العكس، أدّى إلى نتائج معاكسة تماماً. فقد عزّز المقتل المروّع لأكثر من 100 تلميذ في ميناب، في اليوم الأول من الحرب، عزيمة الإيرانيين، ودفع حتى بعض المعارضين الشرسين للنظام إلى التعبير علناً عن مشاعرهم الوطنية.
ويظلّ الالتفاف حول العلم الوطني نتيجةً متوقّعة للعمل العسكري، وغالباً ما يكون هذا التأثير أقوى لدى الطرف الذي يتعرّض للهجوم مقارنةً بالطرف المهاجم. وينبغي ألّا تكون الوحدة الوطنية مفاجئة حين يهدّد المهاجم بتدمير ليس فقط قوات العدو، بل حضارة بأكملها.
وقد أجرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أخيراً مقابلات مع إيرانيين انتقلوا من معارضة الحكومة إلى تأييدها بحماسة. وكان أحدهم رجل أعمال شاباً تعرّض للضرب المبرح خلال احتجاجات عام 2022، وللغاز المسيل للدموع على أيدي قوات الأمن في كانون الثاني/يناير. أمّا اليوم، وبعد تدمير منزل عمّه في طهران وخشيته من أن تكون صديقته قد قُتلت، فقد انضمّ إلى الجيش للدفاع عن إيران في مواجهة ما يراه تهديداً حضارياً وجودياً.
ومع تنامي عزيمة الإيرانيين، واصل ترامب نهجه القائم على إعلان النصر، بالتزامن مع التهديد بتصعيد الصراع، وكان آخر هذه التهديدات التلويح بشنّ حملة قصف واسعة النطاق بعد انتخابات التجديد النصفي.
وعلى الرغم من المخاطر الواضحة التي قد ينطوي عليها مثل هذا التصعيد بالنسبة إلى المنطقة، فإنّ تهديدات ترامب لا تستند إلى أيّ منطق واضح، باستثناء إيمانه الراسخ بأنّ المزيد من العنف سيؤدّي، بطريقة سحرية، إلى تحقيق النصر.
وقد تبنّى آخرون هذا التفكير الخاطئ والمألوف. فعلى سبيل المثال، قال عضو مجلس النواب الأميركي ريتش ماكورميك: "كان ينبغي لنا أن نتخلّى عن القيود منذ البداية ونوجّه إليهم ضربات ساحقة. يجب أن نجعل حياة سكانهم بائسة إلى أقصى حدّ".
وهذه هي النتيجة المنطقية النهائية لما سمّاه محلّل شؤون مكافحة الإرهاب جوناثان شرودن "ملاذ الفتك".
وبصرف النظر عن النتيجة النهائية لهذه الحرب مع إيران، يتّخذ هيغسيث خطوات لضمان ألّا يستخلص الجنرالات الأميركيون في المستقبل أيّ دروس ذات مغزى. ففي الشهر الماضي، وقّع مذكّرة من صفحة واحدة تُنهي نظام التثبيت الوظيفي لأعضاء هيئة التدريس المدنيين في الأكاديميات العسكرية الأميركية.
وتتولّى هذه الأكاديميات إعداد الضبّاط برتبة ملازم في القوات البرية وملازم بحري في القوات البحرية، وتُرسي الأسس التي ستطبع المسارات المهنية لكثير من كبار القادة العسكريين المستقبليين في البلاد.
إنّ تقويض التميّز الأكاديمي لهذه المؤسسات واستقلالية هيئاتها التدريسية باسم "مهمة خوض الحروب" يمنح الأولوية للتدريب على حساب التعليم، وسيُضعف قدرة الطلاب العسكريين على استيعاب الدروس الاستراتيجية خلال مرحلة إعدادهم ليصبحوا ضبّاطاً.
كما أنّ إلغاء الاستقلالية الأكاديمية سيُسهّل على هيغسيث وحلفائه غرس رؤاهم بشأن المؤسسة العسكرية في الأجيال المقبلة.
أمّا بالنسبة إلى أولئك الذين بلغوا أعلى المراتب في مسيرتهم المهنية، فقد فرض هيغسيث عقبة جديدة، تتمثّل في "تقييم المقاتل في العمليات المشتركة"، الذي سيُخضع جميع الجنرالات والأميرالات المستقبليين للتقييم بناءً على "قدرتهم على القتال والتكيّف وتحقيق النصر".
وسيتجلّى ذلك في سلسلة من الاختبارات الكتابية والمناورات الحربية التي تركّز على اتخاذ القرارات التكتيكية والقدرة على إيقاع الخسائر بالعدو.
لكن، كما تُظهر حرب ترامب الفاشلة على إيران، فإنّ الكفاءة التكتيكية تقع في مرتبة متأخّرة جداً في قائمة الأمور التي تحتاج إلى إصلاح داخل الجيش الأميركي. وهذا الواقع ليس جديداً.
فبحسب رواية العقيد في الجيش الأميركي هاري سامرز، الذي كان أحد المسؤولين الأميركيين المشاركين في المفاوضات الرامية إلى إنهاء حرب فيتنام في هانوي، فقد قال مصرّاً لأحد نظرائه من فيتنام الشمالية: "أنت تعلم أنكم لم تهزمونا قطّ في ساحة المعركة". فأجابه خصمه السابق: "ربما كان ذلك صحيحاً، لكنه لا أهمية له أيضاً".
وقد تكون هذه الرواية عن الحوار، كما نقلها سامرز، غير موثّقة تاريخياً، لكنّ مضمونها ظلّ صحيحاً بصورة جوهرية في الحربين اللتين شارك فيهما هيغسيث.
ففي أفغانستان، انتصرت الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف في جميع المواجهات التكتيكية تقريباً. وقتلت القوات الغربية مقاتلين من حركة طالبان بنسبة تجاوزت 20 إلى 1. لكن، بعد أقلّ من عشرين عاماً على غزو البلاد، انسحبت الولايات المتحدة مهزومةً.
لقد أخفق الجيش الأميركي في أفغانستان، لكنّ افتقاره إلى القدرة على إيقاع الخسائر بالعدو أو إلى الكفاءة في ساحة المعركة لم يكن السبب وراء هزيمته.
وبعد سلسلة من الهزائم العسكرية المكلِفة منذ حرب الخليج عام 1991، باتت الولايات المتحدة تتبنّى نهجاً منحرفاً وغير قابل للاستمرار في تعاملها مع بقية العالم، يقوم على الجمع بين العدوانية المفرطة والعجز الاستراتيجي.
وكما لاحظ الكاتب الكندي ستيفن مارش بتهكّم لاذع، فإنّ "الجيش الأميركي يبتكر أنواعاً جديدة بالكامل من الهزائم".
وعادةً ما تؤدّي الهزائم العسكرية إلى إصلاحات كبرى في السياسات، لكنّ الولايات المتحدة خالفت هذا الاتّجاه. فقد حالت ثروة البلاد وأمنها الجغرافي وتمركزها حول ذاتها دون إجراء مراجعة جادّة لسياستها الخارجية وإصلاحها خلال السنوات الثلاثين الماضية.
لكن، مع تراكم الإخفاقات وتراجع القوة الأميركية، أصبحت الحاجة إلى تصحيح المسار ملحّة. وحتى في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة احتمال هزيمة أخرى في الشرق الأوسط، يبدو أنّ جيشها وقيادته المدنية مصرّان على عدم تعلّم أيّ شيء.
فخلال مراسم أُقيمت في آب/أغسطس لإحياء الذكرى الخامسة للانسحاب من أفغانستان، قدّم هيغسيث إلى ثلاثة من عناصر مشاة البحرية السابقين أوسمة شجاعة رُفعت درجتها تكريماً لهم. وقال لهم: "أنتم طليعة قوة فتّاكة وفخورة ولم تُهزم قطّ".
إنّ مثل هذه الأوهام ستُلحق بالأمن القومي الأميركي أضراراً تفوق بكثير ما قد يُلحقه به أيّ صاروخ إيراني.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.