"بلومبرغ": "ماغا" تبخّرت للتو
كشفت الانتخابات النصفية عن تصدّعات في القاعدة الأساسية لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (ماغا).
-
"بلومبرغ": "ماغا" تبخّرت للتو
شبكة "بلومبرغ" الأميركية تنشر مقالاً يتناول الهزيمة القاسية التي مُني بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، والتحوّلات التي كشفتها النتائج في الخريطة الانتخابية الأميركية.
ويعتبر المقال أنّ الهزيمة الانتخابية لا تمثّل مجرّد انتكاسة عابرة لترامب، بل تكشف عن تصدّعات في قاعدته الشعبية وتراجع التحالف الانتخابي الذي أوصله إلى السلطة، ما قد يمهّد لعودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض عام 2028.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
وجّه الناخبون الأميركيون، في انتخابات التجديد النصفي التي جرت هذا الأسبوع، وحقّق فيها الديمقراطيون انتصاراً كاسحاً، ضربة قاسية للرئيس دونالد ترامب، في تعبير عن رفض شعبي لم يواجه مثله سوى قلّة من الرؤساء الأميركيين خلال العقود الأخيرة.
وقضت النتائج على آمال الجمهوريين في أن يكون ترامب قد نجح في إعادة تشكيل الخريطة السياسية الأميركية من خلال توسيع قاعدة تأييده بين ناخبي الأقليات من الطبقة العاملة، كما كشفت عن تصدّعات في القاعدة الأساسية لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (ماغا)، ولا سيما بين الناخبين البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية وسكان المناطق الريفية، الذين شكّلوا عماد قوته الانتخابية منذ عام 2016.
وقد تحدّد طريقة تعامل ترامب مع هذه الانتكاسة مستقبل "الحزب الجمهوري"، ليس خلال العامين المقبلين فحسب، بل أيضاً في الانتخابات الرئاسية عام 2028، التي ستُجرى لاختيار خلف له. وكان ترامب قد ناشد الناخبين التعامل مع الانتخابات وكأنّه مرشّح فيها شخصياً، وتشير استطلاعات آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع إلى أنّهم فعلوا ذلك بالفعل.
ففي استطلاع وطني أُجري لمصلحة مجموعة من المؤسسات الإعلامية، لم تتجاوز نسبة الراضين عن أداء ترامب 38%، مقابل 62% أعربوا عن عدم رضاهم، وهي نتيجة أسوأ بكثير من تلك التي سجّلها في انتخابات عام 2018.
كما رأى نحو ثلثي المشاركين أنّ الرسوم الجمركية وبرنامج ترامب السياسي عموماً أضرّا بالاقتصاد، فيما اعتبر نحو ثلاثة أخماسهم أنّه يقدّم مصالحه المالية الشخصية على مصالح البلاد، وأنّ ارتفاع الأسعار ناتج مباشرةً من سياساته، وليس من عوامل خارجة عن سيطرته.
وخلال ولايته الأولى، تركّزت معارضة ترامب على شخصيته وسلوكه أكثر مما تركّزت على قراراته. أمّا اليوم، فقد اتّسعت المعارضة لتشمل خياراته السياسية والاقتصادية نفسها. ولم تكمن خطورة تراجع شعبيته في حجمه وحده، بل أيضاً في امتداده إلى شرائح ومناطق كانت تُعدّ معاقل انتخابية للجمهوريين.
وفي انتخابات عام 2018، احتفظ ترامب بنسبة تأييد تجاوزت 50% في معظم الولايات المائلة إلى الجمهوريين، ما أتاح للحزب انتزاع مقاعد في مجلس الشيوخ من الديمقراطيين في داكوتا الشمالية وميزوري وإنديانا وفلوريدا.
أمّا هذه المرة، فقد واجه رفضاً من غالبية الناخبين حتى في ولايات كان قد حصل فيها على 55% من الأصوات أو أكثر قبل عامين، ومنها أوهايو وتكساس وكارولاينا الجنوبية وأيوا وكانساس.
والأكثر دلالةً أنّ نحو نصف الناخبين البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية، وهم الركيزة الأساسية لقاعدته الانتخابية، أعربوا عن عدم رضاهم عن أدائه في ولايات حاسمة. وفي المقابل، عادت فئات انتخابية متأرجحة إلى تأييد الديمقراطيين، وفي مقدّمتها المستقلون والرجال البيض الحاصلون على شهادات جامعية.
كما استعاد الديمقراطيون بعض نفوذهم بين العمال البيض، وخصوصاً في ولايات الوسط الأميركي والحزام الصناعي المعروف باسم "حزام الصدأ". لكنّ التحوّل الأكثر أهميةً على المدى البعيد في موازين القوى بين الحزبين تمثّل في تراجع الجمهوريين بين الفئات التي حقّق ترامب أكبر مكاسبه داخلها خلال انتخابات عام 2024.
وفي تلك الانتخابات، وسّع ترامب قاعدة "الحزب الجمهوري" بين الناخبين غير البيض الذين لا يحملون شهادات جامعية، وكاد يضاعف نسبة تأييده داخل هذه الفئة مقارنةً بعام 2016، لتصل إلى نحو 40%، وفق دراسات الناخبين التي أجراها مركز "بيو" للأبحاث.
وكان هذا التقدّم واضحاً خصوصاً بين الناخبين من أصول لاتينية وآسيوية، رجالاً ونساءً، وكذلك بين الرجال السود. واكتسب هذا المكسب أهميةً استراتيجيةً بالنسبة إلى الجمهوريين، لأنّه بدا مخرجاً من المأزق الديموغرافي الذي يواجهونه مع تراجع الوزن السكاني للفئات الأكثر ولاءً لهم، وفي مقدمتها روّاد الكنائس الإنجيلية البيض، ومن ضمنهم غير الحاصلين على شهادات جامعية.
وقد دفع ذلك استراتيجيين جمهوريين إلى إعلان أنّ ترامب نجح في بناء تفوّق انتخابي طويل الأمد، عبر تشكيل ما وصفوه بأنّه "ائتلاف عمالي متعدّد الأعراق". لكنّ نتائج الانتخابات كشفت أنّ هذه التوقّعات كانت سابقة لأوانها إلى حدّ بعيد.
ووفق استطلاعات آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع، التي رصدت التصويت في انتخابات مجلس النواب على المستوى الوطني، حصل الديمقراطيون على تأييد 61% من الناخبين اللاتينيين، و69% من الأميركيين ذوي الأصول الآسيوية، و88% من الناخبين السود، بمن فيهم 83% من الرجال السود، إضافةً إلى 71% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً.
أمّا الناخبون غير البيض الذين لا يحملون شهادات جامعية، فقد فضّلوا الديمقراطيين على الجمهوريين بنسبة 67% مقابل 29%، في تحسّن كبير مقارنةً بنتائج عام 2024. وأعادت هذه النتائج الديمقراطيين إلى مستويات تأييد قريبة من تلك التي حقّقوها بين هذه الفئات عام 2020، ما يعني أنّ الجمهوريين خسروا عملياً معظم المكاسب التي أحرزها ترامب قبل عامين.
وأكّدت النتائج الفعلية للانتخابات هذا التحوّل. فقد كانت مقاطعات وادي ريو غراندي، الممتدة على طول الحدود بين تكساس والمكسيك، مركز المكاسب الكبيرة التي حقّقها ترامب بين الناخبين اللاتينيين عام 2024. لكنّ الديمقراطيين نجحوا هذه المرة في الاحتفاظ بمقعدين يشغلهما نائبان من حزبهم، رغم محاولات الجمهوريين انتزاعهما عبر إعادة رسم الدوائر الانتخابية لمصلحتهم، كما انتزعوا مقعداً جمهورياً في جنوب تكساس بفضل ترشيح مغنّي التيخانو بوبي بوليدو.
وكان ترامب قد حقّق تقدّماً هائلاً في مقاطعتَي هيدالغو وكاميرون عام 2024، وفاز فيهما بعدما كان قد خسر كلتيهما بفارق لا يقلّ عن 30 نقطة مئوية في انتخابات عام 2016. كما فاز المرشّح الديمقراطي لمجلس الشيوخ جيمس تالاريكو في المقاطعتين بفارق مريح، في طريقه إلى تحقيق انتصار على منافسه الجمهوري كين باكستون.
ومع ذلك، لا تشير النتائج إلى أنّ ناخبي الأقليات عادوا إلى تأييد الديمقراطيين بالثبات نفسه الذي ميّز سلوكهم الانتخابي خلال سنوات رئاسة باراك أوباما. فعلى الرغم من استعادة الحزب مستويات الدعم التي تمتّع بها عام 2020، أظهر الاستطلاع الوطني أنّ تأييده بين هذه الفئات لا يزال أدنى مما كان عليه عام 2018 والسنوات السابقة.
وتشير خسائر الجمهوريين إلى واقع انتخابي جديد، يتمثّل في أنّ الناخبين غير البيض، وخصوصاً المنحدرين من أصول لاتينية، أصبحوا أكبر كتلة انتخابية متأرجحة في الولايات المتحدة، قادرة على الانتقال بين الحزبين وفقاً للظروف والمرشّحين والسياسات.
ولا تضمن المكاسب الواسعة التي يحقّقها أيّ حزب في انتخابات التجديد النصفي فوزه في الانتخابات الرئاسية التالية، مهما بلغ حجم انتصاره. لكنّ التاريخ الانتخابي الأميركي يكشف عن مؤشّر مقلق للجمهوريين؛ فمنذ عام 1900، كلّما غادر رئيس البيت الأبيض وهو يعاني تراجعاً في شعبيته بمستوى مماثل لما يواجهه ترامب اليوم، انتقلت الرئاسة إلى الحزب المنافس في الانتخابات التي اختارت خلفه.
وقد حدث ذلك مع وودرو ويلسون عام 1920، وهاري ترومان عام 1952، وليندون جونسون عام 1968، وجورج دبليو بوش عام 2008، وجو بايدن عام 2024. وكانت خبيرة استطلاعات الرأي الديمقراطية المخضرمة سيليندا ليك قد قالت لي في وقت سابق من هذا الخريف إنّ ترامب يواجه "أوسع شعور عامّ بفشل رئيس أميركي" شهدته طوال مسيرتها المهنية.
وأضافت: "هذا الشعور أوسع مما كان عليه تجاه ترامب عام 2018، وحتى مما واجهه جورج دبليو بوش عام 2006". وقد جاءت النتائج لتؤكّد تقديرها إلى حدّ كبير. وإذا لم يتمكّن ترامب من استعادة جزء على الأقل من التأييد الذي خسره، فإنّ السوابق التاريخية ترجّح أن يدخل الديمقراطيون الانتخابات الرئاسية عام 2028 بوصفهم الطرف الأوفر حظاً.
وربما تكون هذه الحقيقة أكثر ما يثير قلق الجمهوريين، وهم يحاولون استيعاب حجم هزيمتهم، إذ يجدون أنّ مصيرهم في الانتخابات المقبلة قد يتوقّف أيضاً على الطريقة التي يستجيب بها دونالد ترامب لهذه الموجة الواسعة من الرفض الشعبي.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.