الانتخابات النصفية الأميركية: "الدولة العميقة" تستعيد سيطرتها على المشهد؟

ليس من قبيل المبالغة القول إنّ إيران، وفلسطين، أسقطا مرشّحي ترامب، لأنّ ارتفاع تكلفة المعيشة مرتبط بحرب إيران أصلاً، ولأنّ الحرب على إيران تخاض بأثر صهيوني جزئياً، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة نصراً لإيران أو لفلسطين.

0:00
  • الدولة العميقة تستعيد سيطرتها على المشهد؟
    الدولة العميقة تستعيد سيطرتها على المشهد؟

في الولايات المتحدة الأميركية، التي تتفاخر دوماً بـ "استثنائيّتها"، يسمح القانون الفيدرالي ببعض أشكال المراهنة، أي المقامرة بالمال والعملات المشفّرة، على نتائج الانتخابات عبر منصات مثل Kalshi وRobinhood وPredictIt.  

أما منصة Polymarket، فلا تسمح لعناوين البرتوكول (IP) الأميركية بالمضاربة على التوقّعات الانتخابية الأميركية، في حين لا تسمح منصة Kalshi إلا للأميركيين بأن يراهنوا عليها، بعد التحقّق من هوياتهم.  

كما تضع بعض الولايات قيوداً، صارمة أو مخفّفة، على المشاركة في تلك المراهنات. تحظر ولاية نيفادا مثلاً، التي تقع فيها مدينة لاس فيغاس، عاصمة القمار في العالم، المقامرة بالمال على التوقّعات الانتخابية، على الأرجح لتخفيف المنافسة الخارجية على صناعة القمار فيها، لكنها تقدّم ذلك الحظر إعلامياً كـ "دفاع عن الديمقراطية"!  

وتحظر ولاية يوتاه، المحاذية لولاية نيفادا، في المقابل، المراهنات على التوقّعات الانتخابية انطلاقاً من دوافع دينية، وثقل نزعات المحافظة الاجتماعية تاريخياً فيها.  

وتحظرها ولاية مينيسوتا "دفاعاً عن الديمقراطية"، إذا تغاضينا عن الضغوط التي يمارسها القائمون على نحو 20 كازينو للقمار في معازل السكان الأصليين في الولاية!  

كما تحظرها ولاية نيوجيرسي، بدورها، "دفاعاً عن الديمقراطية"، إذا تغاضينا عن صناعة القمار المترنّحة في مدينة "أتلانتِك ستي" التي صودف وقوعها في تلك الولاية.  

تفرض عشرات الولايات، في المقابل، حظراً كلياً أو جزئياً على المضاربة مالياً على التوقّعات الانتخابية من دون أن يكون لديها صناعة قمار. 

على الرغم من تلك القيود، بلغ حجم المراهنات (القانونية) في سوق التوقّعات على الانتخابات النصفية الأخيرة 1.9 مليار دولار، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" في 3/11/2026.

رأس المال المالي يتوقّع نتيجة الانتخابات بدقة

إنها "الديمقراطية الأميركية"، بأنقى صورها، المستندة إلى تراث، أو أسطورة، "رأسمالية الكاوبوي" غير المقيّدة خلال التوسّع غربي الولايات المتحدة في القرن الـ 19، The Old West، والتي يصطنع رأس المال المالي اليوم، بذريعتها، سوقاً، ما برحت تزداد اتساعاً في السنوات الفائتة، للمضاربة مالياً على التوقّعات الانتخابية. 

وهو موضوع صراعات قضائية محتدمة حالياً بين الحكومة المركزية وسلطات عشرات الولايات التي تقيّد المضاربة على نتائج الانتخابات، هذه القيود التي يعدّها رأس المال المالي "تدخّلاً حكومياً فظاً في عمل الاقتصاد الحرّ، وخصوصاً في عصر الإنترنت"، الأمر الذي يعوق نمو تلك السوق إلى أقصى مداها.

تعدّ كثيرٌ من القوى المحلية، في المقابل، السماح بالمضاربة على التوقّعات الانتخابية تدخّلاً من طرف رأس المال في آلية عمل الديمقراطية، إذ سيميل الناخب مع المرشّح الذي قد يحقّق له بضعة دولارات إضافية من عقود المضاربة، بغضّ النظر عن توجّهاته وسجله.  

ربما يضارب رأس المال السياسي بمبالغ كبيرة على مرشّح ما للإيحاء بأنّ فرصه في النجاح أكبر. وقد يراهن مرشّح ما بمبالغ كبيرة عمداً على خسارته ويخسر، أو يراهن على ربحه ويربح، ليجني مالاً وفيراً. وقد يتورّط القائمون على العملية الانتخابية في تزوير متعمّد دعماً للمرشّح الذي راهنوا على نجاحه أو خسارته. وقد يمتلك بعض كبار السياسيين والأمنيين معلومات خاصة يستخدمونها للتربّح في سوق المضاربات، وقد... وقد...

وكان رهان كبريات بيوت المضاربة، مثل Kalshi وPolymarket، في الانتخابات النصفية الأخيرة، أنّ فرص الديمقراطيين في اكتساح مجلس النواب تبلغ 94% على الأقل، وأنّ فرصهم في السيطرة على مجلس الشيوخ تبلغ 75% على الأقل، أي أنها تنبّأت بالصورة الكبيرة بدقة، على الرغم من التلاعب بالمضاربة لرفع فرص نجاح مرشّحين بعينهم خسروا السباق في النهاية.  

رأس المال السياسي يخسر رهاناته الانتخابية

هذا مهم، لأنّ رأس المال السياسي، المنخرط في الإنفاق بصورة مباشرة على حملات الانتخابات الأخيرة، والذي بلغ رقماً قياسياً هو 11.9 مليار دولار، بحسب صحيفة "ذا غارديان" البريطانية في 2/11/2026، خسر رهاناته بجدارة.

يشار إلى أنّ أكبر 40 متبرّعاً للحملات الانتخابية أنفقوا وحدهم 2.4 مليار دولار، وأنّ ذلك المال السياسي مالَ بنسبة 3 إلى 1 مع الجمهوريين، أي أنّ ثلاثة أرباع تلك المبالغ ذهبت لتمويل حملات جمهورية، وربعها لتمويل حملات مرشّحين ديمقراطيين.  

يوجد، كذلك، 699 مليون دولار مجهولة المصدر، لما يتمكّن أحد من تتبّعها بعد، مالت بقوة لمصلحة الجمهوريين.        

كان على رأس المتبرّعين هنا إيلون ماسك بتمويل يقدّر بـ 446 مليوناً على الأقل، أو 483 مليوناً بحسب تقديرات أخرى، ذهبت مع مئات الملايين من مال دونالد ترامب الخاصّ، دعماً للمرشّحين الجمهوريين.  

في المقابل، تبرّع جورج سورس مثلاً بـ 102 مليون دولار لحملات الديمقراطيين، والملياردير ورئيس بلدية نيويورك سابقاً، مايكل بلومبيرغ، مالك وكالة "بلومبيرغ" إياها، بما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار لحملات مرشّحين ديمقراطيين.  

بين مناهضة الصهيونية والصراعات في صفوفها

ليست العبرة هنا أنّ سورس وبلومبيرغ يهوديان، إذ هناك مثلاً الملياردير اليهودي جيف ياس Jeff Yass، الذي صنع أمواله في التجارة الدولية، والذي يمتلك حصة من تطبيق "تيك توك" إياه، والذي أنفق أكثر من 100 مليون دولار في دعم حملات المرشّحين الجمهوريين.

العبرة هي أنّ سورس وبلومبيرغ صهيونيان ليبراليان، في حين يُعَدّ جيف ياس "زلمة نتنياهو" و"من عظام رقبة" تيار الصهيونية المتشدّدة وأحد أهمّ مموّليه، وذلك هو الشقّ العميق الذي يؤجّج الصراعات في الحركة الصهيونية العالمية، من "تل أبيب" إلى نيويورك، والذي طفا على السطح السياسي منذ أزمة "التعديل القضائي" في الكيان الصهيوني، قبل عدة أشهر من عملية "طوفان الأقصى" المجيدة.

يختلط هذا الشقّ على البعض، في السياسة الأميركية، باعتباره صراعاً بين مناهضي الصهيونية وأنصارها، في حين أنه صراع داخلي في صفوف الحركة الصهيونية، تماماً مثل الصراع بين نتنياهو وأيزنكوت، صاحب "عقيدة الضاحية" لمسح غزة، على رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني، سوى أنّ أيزنكوت محسوب على وسط الموشور السياسي، في حين يشتد الصراع بين الليبراليين والمتشدّدين الصهاينة بصورة أشدّ في الولايات المتحدة.

العامل الفلسطيني في الانتخابات النصفية

ليس المقصود هنا أنّ فلسطين، وغزة، لم تكونا عاملاً ضاغطاً على نتائج الانتخابات الأميركية النصفية، كما لم تؤثّر في انتخابات الكيان الصهيوني، بما أنّ الناخب "الإسرائيلي" مالَ فاشياً بصورة عامة. على العكس تماماً، كان ذلك عاملاً ضاغطاً على النتائج الأميركية بصورة مستقلة، لأنّ:

أ – 57% من الجمهوريين بين سن 18 إلى 49 باتوا ينظرون إلى "إسرائيل" بصورة سلبية، بحسب استطلاع لمركز "بيو" PEW، و53% من الناخبين الجمهوريين عموماً يفضّلون عدم تجديد المساعدة العسكرية الأميركية، والتي تبلغ 3.8 مليارات دولار سنوياً، للكيان الصهيوني، بحسب مركز استطلاع IMEU.  

ولا شكّ في أنّ تدهور شعبية "إسرائيل" بين الناخبين الجمهوريين، وشعبية نتنياهو شخصياً، كان خلف إعلان ترامب المفاجئ، في يوم الانتخابات النصفية ذاته، عن إيقاف المساعدة العسكرية السنوية لـ "إسرائيل" في نهاية العام الجاري، وهو أمر يفترض بالكونغرس أن يُقرّه بالمناسبة.      

ب – لأنّ معركة شعبية "إسرائيل" ونتنياهو شخصياً سبق خوضها في صفوف الحزب الديمقراطي، وما زالت تخاض في صفوف الجناح التقدّمي للحزب، المتمثّل في حركة "الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا" DSA، كما شرحت في مواد سابقة، ضمن مدى يراوح بين حدّين: الصهيونية الليبرالية المعادية لنتنياهو في الحدّ الأدنى، والجناح الأكثر جذرية في الـ DSA، والذي يتبنّى مقولة "من النهر إلى البحر".  

فائزون من الحزب الديمقراطي داعمون لـ "إسرائيل"

فليكن واضحاً أنّ عدداً لا بأس به من مرشّحي الحزب الديمقراطي الموالين تقليدياً لـ "إسرائيل" نجحوا في الانتخابات النصفية، ومنهم مثلاً لا حصراً، المرشّح الديمقراطي لمجلس الشيوخ لولاية ثانية، جون أوسوف، أول عضو مجلس شيوخ يهودي عن ولاية جورجيا منذ تأسست، والمرشّحة الديمقراطية لمجلس النواب عن المقاطعة 17 في ولاية نيويورك، كايت كونولي، الموالية لـ "إسرائيل" بشدّة، والتي هزمت منافسها الجمهوري، نائب المقاطعة ذاتها، الموالي لـ "إسرائيل" أيضاً. 

هناك ثُلة من النواب الديمقراطيين التقليديين، أي المحسوبين على الحرس القديم في الحزب الديمقراطي، من الموالين لـ "إسرائيل"، الذين نجحوا في الانتخابات الأخيرة، ومنهم السيناتور كرِس كوونز، والنائب براد شنايدر، ممن اضطروا لإبقاء بعض المسافة من سياسات حكومة نتنياهو حفاظاً على قاعدتهم الانتخابية، على الرغم من بقائهم عموماً داعمين لـ "إسرائيل".  

وتقول "تايمز أوف إسرائيل"، في 4/11/2026، إنّ حكيم جيفريز، المرشّح لرئاسة مجلس النواب بعد سيطرة الحزب الديمقراطي عليه في الانتخابات النصفية، والذي أعيد انتخابه نائباً عن نيويورك، والسيناتور اليهودي عن نيويورك تشاك تشُومر، المرشّح لرئاسة مجلس الشيوخ الآن، وكلاهما صديق لـ "إسرائيل" واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، سوف يواجهان ضغوطاً أكبر داخل حزبهما بعد الانتخابات النصفية من جرّاء دعمهما المتواصل للكيان الصهيوني، على الرغم من بعض الانتقادات الجانبية له هنا وهناك.

على الرغم من ذلك، تطمئن "تايمز أوف إسرائيل" قرّاءها بأنّ النواب المناهضين لـ "إسرائيل"، على الرغم من ازدياد عددهم في الكونغرس، يظلّ تأثيرهم أقلّ مما قد يبدو إعلامياً، لأنّ موجة الانتصارات الزرقاء، لون الحزب الديمقراطي، تميّع أثرهم سياسياً، وتترك القيادة التقليدية للحزب الديمقراطي، مثل حكيم جيفريز وتشاك تشومر، أقلّ حاجة إليهم، لأنّ السواد الأعظم من نواب وشيوخ الديمقراطيين إما مع "إسرائيل" أو وسطيّين. وهذا سيعوق تمرير القوانين "المعادية لإسرائيل"، بحسب الصحيفة، على الرغم من بعض الصخب.

نموذج الشيخة أليسا سلوتكِن المناهض لنتنياهو وترامب

أنهت "تايمز أوف إسرائيل" تقريرها ذاته بملاحظة إيجابية غريبة بشأن عضوة مجلس الشيوخ أليسا سلوتكِن Elissa Slotkin، بأنها فتحت أبواب تأييد الجناح التقدّمي لحملتها الرئاسية المحتملة في المستقبل بدعمها الحثيث لعبد الرحمن السيد، عن عضوية مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان.

يثير ذلك التساؤل: لماذا يتحمّس موقع وسطي صهيوني، مثل "تايمز أوف إسرائيل"، لعضوة مجلس شيوخ أميركية دأبت على نقد نتنياهو، ودعمت بعض القيود على مبيعات الأسلحة للكيان الصهيوني، وانتقدت الوضع الإنساني في غزة، وأيّدت بشدة عبد الرحمن السيد لعضوية مجلس الشيوخ، وهو المرشّح الذي رفض أن يعترف بوضوح، حتى الآن، بـ "حقّ إسرائيل" في الوجود؟

أليسا سلوتكِن لم تكن مرشّحة في الانتخابات النصفية الأخيرة بالمناسبة، لأنها انتخبت إلى مجلس الشيوخ سنة 2024، وأعضاء مجلس الشيوخ يُنتخَبون كلّ 6 سنوات، وقد بدأت دورتها في مجلس الشيوخ سنة 2025.  

عند البحث في سيرتها، نجد أنها يهودية، بدأت كضابط في وكالة المخابرات المركزية CIA، وخدمت 3 جولات في العراق بتلك الصفة بين عامي 2003-2007، وأنها تولّت مناصب قيادية في البنتاغون، لتصبح نائب وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، ثمّ أصبحت موظفة كبيرة في مجلس الأمن القومي، وتولّت ملف العراق بين عامي 2007-2009، وملفات أخرى في البيت الأبيض، حيث شكّلت حلقة وصل بين إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما.

صبراً، لأنّ هذا بعض ما يُقدّم لنا كـ "معادين للصهيونية"!  المهم، ترشّحت سلوتكِن، التي تتحدّث العربية واللغة السواحلية، لعضوية مجلس النواب عن ولاية ميشيغان سنة 2017، عن الحزب الديمقراطي، ونجحت ثلاث دورات في ذلك المنصب قبل ترشّحها لمجلس الشيوخ.

وتقول سلوتكِن إنها صهيونية، ولا تعدّ تأييد الصهيونية "تطرّفاً"، بحسب موقع Jewish Insider، في 12/5/2026.  ويدل سجلها أنها مع الحلف الأميركي-"الإسرائيلي"، وتدعم الأنظمة "الدفاعية" وتمويلها، مثل "القبة الحديدية"، وتقديم الدعم الأمني للكيان الصهيوني، وتعارض حركة مقاطعة "إسرائيل"، وكانت من رعاة قانون "مناهضة السامية" في الكونغرس.  

لكنها، على الرغم من تأييدها لـ "إسرائيل"، و"حقّها في الدفاع عن نفسها"، لا تؤيّد سياسات حكومة نتنياهو العسكرية في غزة، ولا طريقة ترامب في إدارة الدولة الأميركية. وهي، على الرغم من تأييدها لـ "إسرائيل" كـ "دولة يهودية"، تريد تسوية تفاوضية توصل إلى "حلّ الدولتين"!           

وبرأيي المتواضع، يحيط مثل أولئك "المناهضين للصهيونية"، الذين ترعرعوا في أكناف الدولة العميقة، بمناهضيها الحقيقيين، دعاة "النهر إلى البحر"، لتخفيض سقوفهم إلى مستوى "تسوية متفق عليها"، تحت عنوان "تكتيك"، تماماً كما جرى في الساحة الفلسطينية.  

ماذا تعني نتائج الانتخابات النصفية الأخيرة بالنسبة لترامب؟

عند لحظة كتابة هذه السطور، لم تكن النتائج النهائية للانتخابات النصفية الأميركية قد اكتملت أو أعلنت رسمياً بعد، وخصوصاً بالنسبة لمجلس النواب. لكنّ الواضح، مما جرى فرزه وإعلانه حتى الآن، أنّ الحزب الديمقراطي اكتسح المقاعد، بفارق عشرات المرشّحين أكثر مما يحتاجه لتأمين غالبية في مجلس النواب. أما مجلس الشيوخ، فقد أمّن فيه الديمقراطيون غالبية نسبية، وأمّنوا غالبية أكبر بالنسبة لحكّام الولايات.

تتوقّع وسائل الإعلام الأميركية أن تبلغ الغالبية الديمقراطية في مجلس النواب نحو 259، من أصل 435 نائباً، وهي أكثر من الــ 218 مقعداً للسيطرة على المجلس، لكنها أقلذ من نسبة الثلثين اللازمة للتغلّب على الفيتو الرئاسي على مشاريع قراراته.  

كذلك الأمر في مجلس الشيوخ المكوّن من 100 عضو، والذي سيطر فيه الحزب الديمقراطي على 54 مقعداً حتى الآن، يمكن أن تصبح 55 أو 56، تبقى غالبية أقل من نسبة الثلثين أيضاً.  

وعلى الرغم من أنّ ترامب نشر أنه سيعالج الغالبية الديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ باستخدام حقّ النقض، أو "الفيتو"، فإنّ ذلك يذهب بالاتجاهين، أي أنّ ترامب لم يعد يستطيع أن يمرر عبر مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، القرارات والقوانين التي تعكس مشروعه السياسي، والتي تهزّ أركان الدولة العميقة.

وهنا زبدة الموضوع: لقد دخلت الإدارة الأميركية في حالة شلل سياسياً بعد الانتخابات النصفية.  وهي حركة تصحيح من طرف الدولة العميقة وظّفت النقمة الشعبية من جرّاء ارتفاع الأسعار، سواء كانت تكاليف معيشة أو معدلات فائدة أو أسعار بنزين وديزل، كما وظّفت النقمة الشعبية من جرّاء الحرب على إيران، واستطالتها وعدم القدرة على حسمها، والنقمة على دعم حكومة نتنياهو، والخلافات في صفوف الجمهوريين وتيار "ماغا" ذاته، في تنفيذ تلك الحركة التصحيحية من أجل كبح جماح ترامب وإضعاف قدرته على متابعة حربه ضدّ الدولة العميقة داخلياً.          

بإمكان رؤساء اللجان في الكونغرس الآن أن يجروا تحقيقات عدوانية مع الجهاز التنفيذي، وأن يعقدوا جلسات عامّة ومتلفزة، وأن يطالبوا بتسليم وثائق محدّدة، وأن يدقّقوا بصورة أشدّ بطريقة إدارة ملف إيران، أو ملف أوكرانيا وروسيا (وبوتين ليس سعيداً الآن).

بإمكان لجان الكونغرس الآن أن تتحكّم بصورة مختلفة بمخصصات الخارجية والمساعدات الخارجية والموازنات العسكرية، كي تعيد برامج تمويل الجمعيات غير الحكومية مثلاً، وتمنع الارتفاع المهول في الإنفاق العسكري، وتلغي الشروط السياسية الملحقة بتلك الموازنات وتضيف غيرها.

بإمكان الكونغرس الآن أن يعدّل بنية المساعدات الأميركية لـ "إسرائيل"، وأن يضيف شروطاً على مبيعات الأسلحة لها، وبإمكانه أن يتحدّى الإعفاء الرئاسي الممنوح للديزل الروسي، وأن يشرّع عراقيل كبيرة أمام سياسات ترامب الجمركية، وبإمكانه أن يعرقل تعيين السفراء أو كبار موظفي الأمن القومي الذين ترشّحهم إدارة ترامب.  

حتى تجاوز الفيتو الرئاسي لم يعد أمراً مستبعداً، بالنظر إلى أن تجاوزه يتطلّب ثلثي النواب والشيوخ الحاضرين، مع توافر النصاب، لا ثلثي أعضاء كلٍ من المجلسين.  

وبالنظر إلى الخسائر، فإنّ أحد مخرجات الانتخابات النصفية هو تقوية يد القيادة التقليدية للحزب الجمهوري في مواجهة تيار "ماغا". وإذا أخذنا بالاعتبار أنّ جمهوريين بارزين، مثل رون ديسانتِس ونيكي هيلي ومِت رومني وغيرهم، انتقدوا مسار ماغا، و"فرض الجمارك عشوائياً"، و"الحرب المتهورة على إيران"، يكفي نظرياً أن يتغيّب نصف النواب الجمهوريين عن الجلسة حتى يجري تجاوز الفيتو الرئاسي بسهولة.

ليس من قبيل المبالغة القول إنّ إيران، وفلسطين، أسقطا مرشّحي ترامب، لأنّ ارتفاع تكلفة المعيشة مرتبط بحرب إيران أصلاً، ولأنّ الحرب على إيران تخاض بأثر صهيوني جزئياً، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة نصراً لإيران أو لفلسطين، لأنّ النقمة الشعبية الناتجة عن هذين العاملين جرى توظيفها انتخابياً كي تستعيد الدولة العميقة بعضاً من سيطرتها على مسار السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً.