"Unherd": فرنسا لم تسقط.. على الأميركيين أن ينظروا في المرآة

الأنماط البنيوية التي أدّت إلى أعمال الشغب في فرنسا هذا الأسبوع قد تتكرّر في العديد من الأنظمة السياسية الغربية، لكنّ الخيارات السياسية الأنسب للاستجابة لها ستختلف من حالة إلى أخرى.

0:00
  • احتجاجات واسعة في فرنسا
    احتجاجات واسعة في فرنسا

موقع "Unherd" البريطاني، ينشر مقالاً يتناول ردود الفعل الأميركية والبريطانية على أعمال الشغب في فرنسا، وينتقد المبالغة في تصوير الاضطرابات الفرنسية بوصفها دليلاً على انهيار الدولة والمجتمع، في حين شهدت الولايات المتحدة نفسها أحداثاً مشابهة خلال احتجاجات جورج فلويد عام 2020.

ويركّز المقال على الهيمنة الأميركية على الفضاء الرقمي والخطاب السياسي العالمي، وكيف تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الصراعات السياسية والاجتماعية الأميركية إلى بلدان أخرى، وفرض مقاربات أميركية على قضايا داخلية تختلف في جذورها وظروفها. ويعتبر الكاتب أنّ الإنترنت، بوصفه أداة للقوة الناعمة الأميركية، يدفع المجتمعات الأوروبية إلى تفسير مشكلاتها من خلال منظور أميركي، بدلاً من معالجتها وفق خصوصياتها السياسية والتاريخية والاجتماعية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

انقسمت ردود الفعل في العالم الناطق بالإنكليزية على أعمال الشغب في فرنسا انقساماً حاداً وفقاً للتوجّهات السياسية. فقد تعامل اليسار إلى حدّ كبير مع الاضطرابات بوصفها مناسبة للتعليق على "النيوليبرالية"، فيما رأى يمين الوسط في الأحداث نوعاً من الظواهر المرضية الخاصة بفرنسا وحدها. أما اليمين، فتمحور موقفه العام حول فكرة أنّ الحضارة الفرنسية برمّتها تحترق، وأنّ الوضع بلغ من الخطورة حدّاً قد يجعل من الأفضل للجميع أن تنقل أميركا جميع الأعمال الفنية الفرنسية إلى أراضيها لحفظها في مكان آمن. وخلف كل ذلك، يسود شعور عام بأنّه ما لم يُتَّخذ إجراء ما، فإنّ مستقبل فرنسا سيصبح واقع أميركا أيضاً.

وعندما تابعت هذه المواقف، خطر ببالي سؤال: لكن أليس هذا هو الماضي القريب لأميركا، وليس مستقبلها؟ ألا يتذكّر أحد صيف عام 2020؟ فبعد ستة أشهر من تفشّي جائحة كوفيد، أشعل مقتل جورج فلويد أعمال شغب في أنحاء الولايات المتحدة. واحترقت مدن، وعاث شبّان شغباً ونهباً، وفي مرحلة معيّنة، سيطرت جماعة فوضوية على وسط مدينة سياتل، وأعلنت إنشاء "منطقة كابيتول هيل ذاتية الحكم". وبحسب التقارير، تجاوزت التكلفة الإجمالية لمطالبات التأمين الناجمة عن تلك الأحداث مليار دولار.

ثمة أوجه تشابه بين أعمال الشغب التي أعقبت مقتل فلويد والاضطرابات التي تجتاح فرنسا حالياً. لكن هناك اختلافاً مهماً واحداً؛ فأعمال الشغب المرتبطة بفلويد لم تتوقّف عند حدود أميركا الجغرافية، بل تغلغلت في الفضاء الرقمي الأميركي، ثم امتدّت مجدداً إلى أماكن أخرى على أرض الواقع، وأطلقت احتجاجات تحاكيها في كل مكان تتمتّع فيه وسائل التواصل الاجتماعي بنفوذ.

في ذلك الوقت، كان تيار المحاكاة الجارف سريعاً وواسع الانتشار. ففي عام 2020، ذكرت صحيفة "الغارديان" أنّ احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" اندلعت في أماكن لا يوجد فيها أي أشخاص من ذوي البشرة السوداء. وفي مانشستر وبريستول وويستمنستر، ردّدت الحشود شعار "ارفعوا أيديكم، لا تطلقوا النار" في وجه عناصر الشرطة البريطانية، الذين نادراً ما يحملون السلاح، على خلاف نظرائهم في الولايات المتحدة، حيث نشأ هذا الشعار.

وقد ظهرت أصداء تحاكي أعمال العنف الفرنسية في بلدان أوروبية أخرى، لكن لم يخرج أحد إلى الشوارع في مينيابوليس تضامناً مع ضواحي باريس أو مرسيليا. لماذا؟

حسناً، على الرغم من أنّنا اعتدنا النظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه مجالاً محايداً إلى حدّ ما، أو "ساحة عامة" غير مادية يتمتّع فيها كل صوت بوزن متساوٍ تقريباً، فإنّ الحقيقة هي أنّه ليس محايداً، بل أميركياً.

وهذا يعني أنّ تيارات المحاكاة تتدفّق في معظمها في الاتجاه المعاكس. ويمكن القول إنّ النهب الذي يرافق الاحتجاجات بغرض التسلية هو بحد ذاته سلوك قائم على المحاكاة، وهو، كما وصفته مجلة "تايم"، "أميركي بامتياز مثل فطيرة التفاح".

وبالنسبة إلينا، نحن الذين نقضي جزءاً كبيراً من حياتنا داخل الإنترنت الناطق بالإنكليزية، لكن خارج الحدود الجغرافية لأميركا، فمن السهل أن ننسى ذلك. وكما في حالة المتظاهرين الذين ردّدوا شعارات في وجه عناصر الشرطة البريطانية غير المسلّحين، قد يؤدّي هذا أحياناً إلى نتائج عبثية أو مضحكة.

ففي عام 2023، على سبيل المثال، ندّد المعلّق اليساري البريطاني إيان دانت بالضرر الذي كان سيلحقه مشروع قانون "رواندا"، الذي اقترحه حزب المحافظين آنذاك، بمبدأ "الفصل بين السلطات" في بريطانيا. لكنّ "الفصل بين السلطات" مفهوم سياسي متجذّر في الولايات المتحدة، ولا وجود له بهذه الصيغة على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

ولعلّ هذا أمر مفهوم، إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الفضاء الإلكتروني في القرن الحادي والعشرين يمثّل امتداداً للقوة الناعمة الأميركية، بقدر ما مثّلت هوليوود هذه القوة في القرن العشرين.

ويُروى أنّ جوزيف ستالين قال ذات مرة: "لو استطعت السيطرة على وسيلة السينما الأميركية، لما احتجت إلى أي شيء آخر لتحويل العالم بأسره إلى الشيوعية". وفي زمنه، كانت وزارة الخارجية الأميركية تدرك جيداً دور هوليوود بوصفها أداة للقوة الناعمة، وكانت تعمل بصورة وثيقة مع الهيئات المعنية بصناعة السينما لترسيخ هيمنة الإنتاج السينمائي الأميركي في الخارج.

وفي عصرنا، تؤدّي التكنولوجيا الرقمية دوراً مماثلاً. فعلى سبيل المثال، هدّد السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي مؤخراً بردّ "مدمّر" على مقترحات أوروبية لتخصيص جزء من نطاق التردّدات المخصّص للأقمار الاصطناعية للمشغّلين المحليين، وهي خطوة من شأنها إضعاف المنافسين الأميركيين، مثل "ستارلينك"، في السوق الأوروبية.

ويمكن أيضاً فهم الخلافات المستمرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن "حرية التعبير"، والتشريعات الأميركية المقترحة لمواجهة القيود المفروضة على التعبير في الخارج، في هذا السياق.

ولا تقتصر النتيجة على إحكام السيطرة الأميركية على القيادة الاقتصادية والتشريعية لوسائل الإعلام الرقمية، بل تشمل أيضاً تشكيل بيئة أيديولوجية وخطابية تدفع الجميع إلى تفسير أخبار بلدانهم من خلال منظور أميركي.

ففي الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، شعرت الكاتبة فريا إنديا بأنّ عليها، وهي تشرح للأميركيين قرارها العودة للعيش في بريطانيا، أن تصف وطنها بأنّه "بلد صغير سخيف". وهناك حالات كثيرة أخرى من هذا النوع.

ومنذ الكساد الكبير، شاع القول إنّه "عندما تعطس أميركا، يُصاب بقية العالم بالزكام". لذلك أقول هذا إلى حدّ كبير من دون ضغينة: فالإمبراطوريات تتصرّف كإمبراطوريات. وقد جاء دورنا نحن البريطانيين سابقاً لنكون الأمة المهيمنة.

لكنّ المهم هو ألّا تختلط علينا الأمور. ومن السهل بالفعل أن يحدث هذا الالتباس. وكما لاحظ الكاتب الأيرلندي كونور فيتزجيرالد، فإنّ الحجم الهائل للأموال والضجيج المرتفع للخطاب الناطق بالإنكليزية عبر الأطلسي يمكن أن يؤدّيا إلى تشويه النقاشات السياسية الداخلية خارج الولايات المتحدة.

وتُظهر سخافات "صيف فلويد" هذه الظاهرة بوضوح. وكما أشار توميوَا أوولادي، فإنّ انتشار السياسات التقدّمية الأميركية القائمة على العِرق في مجتمعات لا تشترك مع أميركا في تاريخها من العبودية والفصل العنصري يقدّم مثالاً آخر على ذلك.

وفي الآونة الأخيرة، أضاف عضو الكونغرس الديمقراطي رو خانا مساهمته اليسارية إلى الضجيج العام الناجم عن إسقاط التجربة الأميركية على الشؤون الأوروبية. وهذه المرّة، لم تُقدَّم الأحداث بوصفها النتيجة المأساوية للحدود المفتوحة، كما اقترح ترامب، بل بوصفها ما يحدث "عندما تسمح الدول بتراكم الثروة والسلطة في أيدي قلّة".

وبالطبع، ينتشر هذا النوع من الإسقاط والالتباس أيضاً على نطاق واسع في أوساط اليمين، ولا يقتصر على التعليقات بشأن فرنسا. ويصبح أكثر ضرراً عندما يؤدّي إلى تحويل التركيز في القضايا الخلافية بعيداً عن بناء التحالفات الداخلية، نحو كل ما يحقّق رواجاً في اقتصاد المحتوى الدولي القائم على اصطياد النقرات.

فعلى سبيل المثال، أسهم إيلون ماسك، من خلال تضخيمه النقاش الداخلي البريطاني بشأن ما يُسمّى "عصابات استدراج الفتيات للاستغلال الجنسي"، في جذب قدر كبير من الاهتمام إلى هذه القضية. لكنّ ذلك شكّل أيضاً مثالاً صارخاً على هذه الدينامية تحديداً؛ إذ تمثّل ثمن هذا التضخيم في التركيز المفرط على الجوانب الأكثر إثارة للمشاعر والأكثر قابلية للفهم على المستوى الدولي من تلك الجرائم، ولا سيّما العِرق والتعذيب الجنسي.

وهذه الجوانب حقيقية. لكنّ المحصّلة النهائية كانت زيادة حصر القضية في إطار موضوع يتبنّاه اليمين، ما أغلق الباب أمام مسارات أخرى كان يمكن أن تكون مثمرة لبناء تحالفات.

وفي خضمّ ذلك، ضاعت نقطة جوهرية، وهي أنّ الفظائع المرتكبة على نطاق صناعي بحق فتيات بريطانيات على أيدي هذه العصابات ليست سوى قمة جبل جليدي هائل ومروّع، يتمثّل في شبكات جريمة منظّمة راسخة ومترابطة، ينحدر معظم أفرادها من أصول باكستانية، وتنشط في مجموعة واسعة من الأنشطة الإجرامية التي تتجاوز الاستغلال الجنسي للأطفال، ومن المرجّح أنّها متغلغلة داخل السلطات المحلية البريطانية.

وتشكّل مواجهة هذه الظاهرة تحدّياً أمنياً يشبه إلى حدّ كبير الإجراءات التي كانت مطلوبة لكبح جماح المافيا الصقلية، التي ابتُليت بها المدن الأميركية خلال القرن الماضي.

ومن المفترض أن تكون مشكلة من هذا النوع وبهذا الحجم قضية تحظى بإجماع الحزبين. فلا أحد، سواء من اليسار أو اليمين، يريد العيش في دولة تحكمها المافيا.

لكن، لسوء الحظ، هناك سوق كبيرة ومتعطّشة، تمتدّ إلى ما هو أبعد من حدود بريطانيا، للمحتوى المثير للغضب الذي يستغلّ بصورة شهوانية تفاصيل التعذيب الجنسي.

وهذه السوق نفسها متعطّشة أيضاً إلى قضايا بديلة يمكن من خلالها مناقشة "الهجرة الجماعية" و"الأسلمة" وما شابه ذلك. وعندما تتّجه جميع الحوافز نحو المحتوى المصمّم لإثارة الغضب، فإنّ أي شخص يحاول إيصال برنامج عملي ملموس لمكافحة الجريمة المنظّمة لن يجد من يستمع إليه.

عودة النزعة القبلية الإنكليزية

دعوني أوضّح أمراً: لا يعني أيّ مما سبق أنّ كل شيء في أوروبا يسير على ما يرام.

فوجود مافيات قائمة على أسس إثنية ليس ما يمكن لأي شخص هنا في بريطانيا أن يصفه بأنّه وضع جيّد. وفي الوقت نفسه، تُعدّ أعمال الشغب التي تجتاح فرنسا حالياً الأكثر عنفاً وانتشاراً منذ احتجاجات "السترات الصفراء" عام 2018.

وهناك لقطات مصوّرة يُقال إنّها تُظهر اقتحام منازل خاصة، وتقارير غير مؤكّدة تفيد بالعثور على أسلحة نارية بحوزة بعض المشاركين في أعمال الشغب. وإذا صحّت هذه التقارير، ولم تكن مجرّد محتوى مبالغ فيه ومصمّم لإثارة الهلع وجذب النقرات، فقد يكون الوضع آخذاً في التصعيد.

وتعاني فرنسا مشكلات ديموغرافية ومالية عميقة الجذور. وهذه المشكلات البنيوية حقيقية، كما أنّ نمطاً مشابهاً بات يعاني منه معظم البلدان المتقدّمة، بدرجات متفاوتة: تقلّص القاعدة الضريبية مقارنة بالالتزامات المتعلّقة بالرعاية الاجتماعية، وضعف التضامن الاجتماعي نتيجة التنوّع الديموغرافي الذي تبنّاه القادة السياسيون، في محاولة منهم للتخفيف من المشكلة الأولى.

ولكن، في المقابل، تسبّبت أعمال الشغب التي أعقبت مقتل فلويد بأضرار بلغت قيمتها مليار دولار، ومع ذلك لم "تسقط" أميركا عام 2020. وفرنسا أيضاً لم "تسقط" هذا الأسبوع.

والنقطة الأساسية هنا هي أنّ الأنماط البنيوية التي أدّت إلى أعمال الشغب هذا الأسبوع قد تتكرّر في العديد من الأنظمة السياسية الغربية، لكنّ الخيارات السياسية الأنسب للاستجابة لها ستختلف من حالة إلى أخرى.

وستواصل العملية السياسية الفرنسية مسارها، وصولاً إلى قائد قادر على التعامل بحزم مع المشكلات الداخلية للبلاد. وعلى أي حال، فإنّ هذه مسألة يتعيّن على الفرنسيين حلّها بأنفسهم.

أما الخطاب السائد على الإنترنت، الذي يطغى عليه صوت واحد مرتفع ويفرض مقاربة موحّدة على الجميع، فليس لديه الكثير ليقدّمه لهذه العملية، باستثناء الشماتة وإسقاط تصوراته الخاصة على الآخرين.

ولعلّ هذا الدرس يكتسب أهمية أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الأنظمة السياسية التي تتشارك اللغة مع الولايات المتحدة، لكنها تختلف عنها في الثقافة السياسية.

فالفرنسيون لا يزالون يتمتّعون بقدر من الحماية، بفضل الحاجز اللغوي. أما نحن في بريطانيا، فعلى العكس، وبسبب انقسامنا بفعل لغة مشتركة، نكاد نكون بلا أي دفاعات.

أما تعزيز قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا، بقدر ما يكون ذلك ممكناً أصلاً، فقد يتطلّب قدراً من الحظر والكتم الاستراتيجيين على الإنترنت.

وقد يتطلّب أيضاً أن نكون أكثر معرفة بتاريخنا السياسي ودستورنا مما هو عليه إيان دانت. ولا أقصد بذلك الرواية التاريخية المبتورة التي سادت بعد الحرب، والتي يوافق عليها عشّاق "الحضارة الغربية".

وإذا كان المتحمّسون للذكاء الاصطناعي على حق، فإنّ الهيمنة الأميركية لن تزول.

لكن، إذا كانوا على حق أيضاً، فستغرق وسائل التواصل الاجتماعي قريباً بالروبوتات والمحتوى الرديء، إلى درجة تدفع الجميع إلى التخلّي عنها. وربّما يكون ذلك رحمة للجميع.

لكن لا أحد يستطيع التكهّن بما إذا كانت بريطانيا ستخرج من هذه المرحلة وقد استعادت ثقافتها السياسية المتميّزة. وربّما، بدلاً من ذلك، سنصبح جميعاً بحلول ذلك الوقت نتحدّث كما لو كنّا ذكاءً اصطناعياً.

وفي هذه الأثناء، لا تزال الدعوة الدائمة التي يوجّهها إلينا الإنترنت قائمة: أن نقدّم وطننا قرباناً للحصول على الإعجابات وإعادة النشر.

أن نقدّمه بوصفه مشهداً للاستعراض، أو "بلداً صغيراً سخيفاً"، أو قصة تحذيرية، أو موضعاً للازدراء أو الشفقة المصطنعة؛ أي لقمة شهية لاقتصاد المحتوى القائم على اصطياد النقرات. لا تقبلوا هذه الدعوة.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.