"The Conversation": ليلة تاريخية في البرازيل.. ماذا يعني انتصار لولا وما التحديات التي تنتظره؟

فاز لولا في انتخابات وُصفت بـ"المعجزة" في البرازيل.. والآن تبدأ مهمّته الصعبة لإعادة البلاد إلى المسار الصحيح.

0:00
  • لولا دا سيلفا يحتفل بفوزه في الانتخابات الرئاسية لولاية رابعة غير متتالية.
    لولا دا سيلفا يحتفل بفوزه في الانتخابات الرئاسية لولاية رابعة غير متتالية.

موقع "The Conversation" الأسترالي ينشر مقالاً يتناول فوز الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بولاية رابعة، ودلالاته السياسية داخلياً ودولياً، ولا سيما في مواجهة صعود اليمين المتطرّف والنفوذ الأميركي، مسلّطاً الضوء على التحديات التي تنتظره، أبرزها الاستقطاب السياسي، وهيمنة المحافظين على الكونغرس، ورفض بولسونارو نتائج الانتخابات.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

إنها ليلة من السوابق التاريخية، إذ تُعدّ نتيجة الانتخابات غير مسبوقة في السياسة البرازيلية من ثلاث نواحٍ على الأقل:

أولاً، لم يسبق لأيّ مرشّح رئاسي برازيلي أن فاز في الجولة الأولى ثم خسر في جولة الإعادة. فمنذ اعتماد نظام الجولتين بموجب الدستور البرازيلي لعام 1988، كان المرشّح المتصدّر في الجولة الأولى يفوز دائماً في نهاية المطاف.

لكنّ لولا كسر هذه القاعدة، بعدما تمكّن، خلال ثلاثة أسابيع، من تحويل هزيمته بفارق نحو 2.2 مليون صوت في الجولة الأولى إلى فوز واضح.

ثانياً، لم يسبق لأيّ رئيس برازيلي أن انتُخب لأربع ولايات رئاسية. وعندما تنتهي ولايته الجديدة، سيكون لولا قد حكم البرازيل لمدة 16 عاماً غير متتالية، وهي أطول فترة حكم لرئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد.

ولم يحكم لفترة أطول منه سوى جيتوليو فارغاس، الذي تولّى السلطة لنحو عقدين من الزمن، عبر ثورة وديكتاتورية وانتخابات ديمقراطية، خلال الفترة الممتدة من ثلاثينيات القرن الماضي إلى خمسينياته، ويُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه الرئيس الأكثر تأثيراً في تاريخ البرازيل.

ثالثاً، لم تشهد أيّ حملة انتخابية لجولة إعادة رئاسية في البرازيل من قبل هذا الحجم من المشاركة الشعبية في الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، دعماً لكلا الطرفين.

فعلى خلاف الجولة الأولى، لم تكن الجولة الثانية هادئة، ولم تحسمها الإعلانات التلفزيونية. بل شهدت البرازيل تعبئة جماهيرية واسعة للناخبين، اتّسمت بشراسة المنافسة.

وخاض اليسار البرازيلي معركة شاقّة في مواجهة منصّات التواصل الاجتماعي، والنخب الاقتصادية، والمحكمة الانتخابية العليا، التي اتُّهم رئيسها بمحاولة ترجيح الكفّة لمصلحة بولسونارو. وللولا سجلّ حافل بالمعجزات السياسية، وقد أضاف إليه معجزة أخرى.

نتيجة انتخابية تتجاوز أهميتها حدود البرازيل

تتجاوز أهمية فوز لولا حدود البرازيل، وذلك أيضاً من ثلاث نواحٍ:

على الصعيد العالمي، لا تزال البرازيل تشكّل حصناً منيعاً في مواجهة صعود اليمين المتطرّف. ففي الانتخابات الأخيرة التي شهدتها أميركا اللاتينية وأوروبا، حقّقت أحزاب اليمين المتطرّف وقادته تقدّماً في كلّ مكان تقريباً.

لكنّ البرازيل، رابع أكبر ديمقراطية في العالم، خالفت الآن هذا الاتجاه، وأصبحت رمزاً لن يتجاهله الديمقراطيون في أماكن أخرى.

على الصعيد الإقليمي، تحدّى لولا ما يُعرف بـ"لعنة شاغلي السلطة". فعلى مدى العقد الماضي في أميركا اللاتينية، خسرت الأحزاب الحاكمة انتخابات متتالية، بعدما عاقبها الناخبون بسبب التضخّم وانعدام الأمن والركود الاقتصادي.

وكان الاقتصاد البرازيلي في وضع معقول، لكنّ المكاسب الاقتصادية كانت متواضعة ولم يشعر بها الجميع على نحو متساوٍ. وكانت جميع المؤشّرات تدلّ على هزيمة لولا، لكنّه تمكّن رغم ذلك من تحقيق الفوز خلافاً للتوقّعات.

ويمثّل فوزه أيضاً كبحاً لما وصفه منتقدون بـ"عقيدة دونرو"، في إشارة إلى مساعي إدارة ترامب لإخضاع نصف الكرة الغربي بصورة أكثر إحكاماً لنفوذ الولايات المتحدة، من خلال الرسوم الجمركية والتهديدات والرعاية السياسية.

وكان بولسونارو قد خاض حملته الانتخابية بوصفه الشريك المفضّل لواشنطن في أميركا الجنوبية، لكنّ الناخبين البرازيليين رفضوا هذا العرض.

على الصعيد الداخلي، تُظهر النتيجة أيضاً قوّة التعبئة الشعبية لدى اليسار. فبعد الأداء الضعيف الذي سجّله لولا في الجولة الأولى، نجحت حملته في إعادة تنشيط أنصاره المحبطين، وبناء تحالف واسع من الناخبين، كان بعضهم يصوّت ضدّ ما يمثّله بولسونارو أكثر من تصويته لمصلحة لولا.

كما نجحت الحملة في تعبئة أشخاص امتنعوا عن التصويت في الجولة الأولى، ودفعهم إلى المشاركة في الانتخابات.

المعركة لم تنتهِ بعد

ينبغي للولا ألّا يخلط بين النجاة من الهزيمة والحصول على تأييد يثبت صواب نهجه. صحيح أنّه تمكّن من تصحيح مساره. فخلال ثلاثة أسابيع، اعترف بالأخطاء التي ارتكبها على مدى أربع سنوات في السلطة، ولا سيما خلال حملته الانتخابية الباهتة في الجولة الأولى.

وقد جعل رسالته السياسية أكثر وضوحاً وحسماً، ووسّع تحالفاته، وتوجّه مباشرةً إلى الناخبين الذين خسر تأييدهم. وهذا ليس إنجازاً بسيطاً لأيّ سياسي، مهما بلغت خبرته.

لكنّه بات الآن أمام مهمّة حكم بلد يشهد استقطاباً أشدّ من أيّ وقت مضى. فقد تصاعد العنف السياسي في الشوارع، فيما ينتشر خطاب الكراهية بحرّية على الإنترنت.

وقد أعلن بالفعل عدد من الشخصيات البارزة في اليمين المتطرّف، ومن بينهم نيكولاس فيريرا ولوكاس بافاناتو، أنّهم لن يقبلوا بنتيجة هذه الانتخابات.

كما أعلن بولسونارو، في وقت متأخّر من مساء الأحد، أنّه لن يعترف بالهزيمة، وسيسعى إلى إلغاء نتيجة التصويت.

ثمّ هناك واشنطن. فبالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تربط البيت الأبيض بعائلة بولسونارو، ثمّة خطر حقيقي من أن تشكّك إدارة ترامب في نتيجة الانتخابات، أو حتى أن ترفض الاعتراف بها.

وسيكون ذلك أمراً استثنائياً، بل كان من غير الممكن تصوّره قبل بضع سنوات.

وممّا يزيد الأمور تعقيداً معركة قانونية نشبت يوم الانتخابات نفسه. فبعد ظهور اتهامات بقمع تصويت أنصار لولا في عدد من المدن، اختلف قضاة المحكمة العليا والمحكمة الانتخابية العليا في البرازيل بشأن تمديد ساعات التصويت.

وبغضّ النظر عن الأسس القانونية لهذا الخلاف، فإنّه يمنح الطرف الخاسر رواية جاهزة عن وجود "مخالفات في التصويت".

وقد يكون ذلك مصدر قلق بالغ، وربما يستمرّ لأسابيع.

ثلاثة أسئلة بشأن ولاية لولا المقبلة

عندما يتولّى لولا منصبه رسمياً في 5 كانون الثاني/يناير، ستكون هناك ثلاثة أسئلة تحدّد مسار ولايته الرابعة:

السؤال الأول هو كيف سيتمكّن لولا من حكم بلد منقسم بشدّة، في ظلّ أغلبية محافظة في الكونغرس وأكثر من عشرة حكّام ولايات يمينيين.

فالسلطة التشريعية التي قيّدت حركته خلال السنوات الأربع الماضية أصبحت أكثر عدائية تجاهه، لا أقلّ. وستتطلّب كلّ موازنة وكلّ إصلاح وكلّ تعيين مفاوضات شاقّة، مع استمرار احتمال عزله من منصبه.

السؤال الثاني يتعلّق بالإصلاح. كيف سيتعامل لولا مع المشكلات التي تتجاوز الخلافات الحزبية بكثير؟

وتشمل هذه المشكلات الضغوط المالية الناجمة عن ارتفاع الإنفاق الحكومي، والتراجع المستمرّ في الثقة بالمؤسّسات الديمقراطية، والنظام المؤسّسي الذي لم يعد يعمل وفق الآلية التي صُمّم من أجلها.

فالمحكمة العليا، التي كانت في السابق الضامن للنظام الديمقراطي، تآكلت شرعيتها بسبب فضيحة مالية كبرى مرتبطة بـ"بانكو ماستر".

وعلى الرغم من أنّ الرئيس لا يستطيع "إصلاح" محكمة، فإنّه يستطيع رفض التعامل مع الأزمة بوصفها مشكلة تخصّ الآخرين.

أمّا السؤال الثالث، فهو الأهمّ. هل سيستغلّ لولا وحزب العمّال الذي ينتمي إليه والقوى الديمقراطية الأوسع في البرازيل هذه الفرصة لتجديد الحياة السياسية البرازيلية؟

وسيتطلّب ذلك:

  • ظهور بدائل قيادية سياسية جديدة، تتجاوز القادة المتقدّمين في السنّ الذين هيمنوا على اليسار طوال 40 عاماً.
  • تطوير أشكال جديدة من المشاركة السياسية الشعبية، لا تعتمد على شخصية كاريزمية واحدة.
  • صياغة سردية جديدة تخاطب العمّال الذين يعيشون أوضاعاً غير مستقرّة، والعائلات المتديّنة، والناخبين الغاضبين الذين اتّجهوا نحو اليمين المتطرّف.
    وهذا هو الترياق الحقيقي الوحيد للاستقطاب، ولن يتحقّق من خلال انتخابات واحدة أو زعيم واحد.

لقد منحت عودة لولا البرازيل مزيداً من الوقت. أمّا ما إذا كانت ستمنحها شيئاً أكثر من ذلك، فيعتمد على ما سيفعله هو وحلفاؤه خلال السنوات الأربع المقبلة، خطوةً تلو الأخرى.

لقد حقّق لولا معجزة أخرى، وتتمثّل مهمّته الأخيرة في ضمان ألّا تحتاج البرازيل إلى معجزة أخرى.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.