Scheerpost: ترامب كشف استبدادية أميركا ولم يخترعها

مواجهة رئاسة ترامب تتطلب أكثر من هزيمة زعيم سياسي واحد، والمطلوب مواجهة البنى الأعمق للثروة والسلطة المركزة التي شكلت السياسة الأميركية.

  • ترامب كشف استبدادية أميركا ولم يخترعها
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب

هل الأميركيون مهيأون وراثياً للنزعة الاستبدادية؟ وما دور ترامب في تعميق هذه النزعة؟ هل أحدث تحولاً جذرياً في الديمقراطية الأميركية أم أنه كشف فقط ما كان موجوداً دائماً تحت سطحها؟

موقع "Scheerpost" يجيب.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

هل الأميركيون مهيأون وراثياً للنزعة الاستبدادية، حسب ما كتب عالم الاجتماع تشارلز ديربر عن أن "المبادئ الديمقراطية للأمة لطالما أخفت نظاماً راسخاً من حكم شريحة النخبة"؛ ففي الوقت الذي يتحدى دونالد ترامب علناً الأعراف الدستورية ويركز السلطة في البيت الأبيض، يرى كثير من الأميركيين أنه يمثل قطيعة خطيرة مع التقاليد الديمقراطية للأمة، على عكس ما يؤكده ديربر في الحوار معه أدناه.

 في كتاب تشارلز ديربر الجديد بعنوان "مُهيّأون للاستبداد: الأوليغارشية الأميركية وكيفية إحياء أميركا لمصلحة الشعب"، يستند المؤلف إلى تاريخ الدستور، و"الماغنا كارتا"، وقوة الشركات، والمقاومة الشعبية، ليؤكد أن ترامب لم يخترع الأوليغارشية، بل كشف مزاعم الولايات المتحدة على أنها كانت محكومة في الأساس من قبل الشعب.

والآن يظهر أن صراع البلاد الطويل بين الثروة المركزة والحركات الديمقراطية، تطرح تساؤلات عما إذا كانت الأزمة الحالية مؤشراً على انهيار نظام سياسي قديم أم بداية معركة حقيقية لبناء نظام يخدم المواطنين الأميركيين العاديين.

هل أحدث دونالد ترامب تحولاً جذرياً في الديمقراطية الأميركية أم أنه كشف فقط ما كان موجوداً دائماً تحت سطحها؟ يقول ديربر إن ولاية ترامب الرئاسية الثانية تمثل تصعيداً مقلقاً للسياسات الاستبدادية، مع أن ترامب لم يكن هو من هيأ الظروف التي جعلت من رئاسته ممكنة، بل على العكس، وهو فقط "يجرد النظام السياسي الأميركي من قشرته الديمقراطية، بينما هو نظام لطالما ركز السلطة في أيدي النخب الاقتصادية، والوثيقة التأسيسية أي الدستور ليس ديمقراطياً، وفي الأساس وثيقة استبدادية. وعوضاً عن اعتباره بمنزلة مولد حكم الشعب، يرى ديربر أن الدستور صمم على يد ملاك الأراضي الأثرياء والتجار الذين سعوا إلى تقاسم السلطة السياسية فيما بينهم مع الحد من تأثير المواطنين العاديين".

يقول ديربر إن "ترامب لم يخترع الاستبدادية الأميركية، ولقد وصل إلى السلطة تحديداً من خلال بنية عميقة من الحكم السلطوي كانت موجودة بالفعل. وعلى امتداد معظم التاريخ الأميركي، عمل هذا النظام من خلال استبدادية مستترة ضمن نظام سياسي يحافظ على مظهر الديمقراطية عبر الانتخابات والمثل الدستورية، بينما يسمح للنخب الاقتصادية بالهيمنة على الحياة العامة من وراء الكواليس".

بهذا المعنى، يرى ديربر أن إسهام ترامب تمثل بجعل تلك البنية الخفية مرئية الآن.

ولاية ترامب الرئاسية الثانية تمثل تصعيداً مقلقاً للسياسات الاستبدادية، مع أنه لم يكن هو من هيأ الظروف التي جعلت من رئاسته ممكنة

"الماغنا كارتا" وتأسيس أميركا

أحد أكثر حجج ديربر إثارة للانتباه هي تتبعه أصول الدستور الأميركي إلى "الماغنا كارتا"، الوثيقة الدستورية الإنكليزية التي أعلنت عام 1216، والتي يراها على خلاف الفهم الشائع بوصفها محطة ديمقراطية، وأنها في جوهرها كانت اتفاقاً بين النخب على إعادة توزيع السلطة داخل الطبقة الحاكمة، لا تمكين الناس العاديين من الحكم، بينما العزم هو كبح سلطة الملك، لكن ليس لمصلحة المواطنين، بل لمصلحة شركاء السلطة.

بحسب ديربر، اعتنق المؤسسون الأميركيون الفلسفة الإنكليزية ذاتها عند صياغة دستور الولايات المتحدة، وأرادوا تقسيم السلطة، ليس بين الأميركيين العاديين، بل بين شركائهم في الحكم. وحتى بعد أن وسّعت التعديلات الدستورية حق التصويت عقب الحرب الأهلية ومنحت النساء حق الاقتراع، يجادل ديربر بأن البنية الأساسية للسلطة في الأمة بقيت إلى حد كبير من دون تغيير أبداً على نحو جوهري، بينما كان الهدف تكريس شكل من أشكال الأوليغارشية.

أسطورة الديمقراطية في أميركا

معظم الأميركيين نشأوا وهم يتبنون الأسطورة التأسيسية للأمة، وأن الولايات المتحدة قد أوجدت أعظم تجربة ديمقراطية في التاريخ، ويرون أن تاريخ البلاد لا يمكن اختزاله ببساطة في هيمنة النخبة، ولقد كان هناك مقاومة دائمة بين دعاة إلغاء العبودية، ومنظمي العمال، والمناديات بحق التصويت، وناشطي الحقوق المدنية، ولا حصر لها من الحركات الشعبية التي أجبرت المؤسسات الأميركية باستمرار على المزيد من الديمقراطية.

يقول ديربر إن "الإنجازات الديمقراطية في البلاد لم تتحقق لأن السلطة تنازلت طوعاً عن نفوذها، بل لأن الناس العاديين فرضوا التغيير مراراً من الأسفل إلى الأعلى".

سلطة الشركات خلف الستار

مع ذلك، تتفق وجهات النظر المختلفة حول النظام ومقاومته على أن قوة الشركات قد طغى تدريجياً على المؤسسات الديمقراطية الأميركية. يقول ديربر إن مليارديرات اليوم لا يختلفون في الجوهر عن أسلافهم إلا بظهورهم الجلي على المسرح، وهم كانوا دائماً من يدير البلاد، أما الآن فهم موجودون مباشرة في البيت الأبيض، حيث إن إدارة إدارة ترامب تمثل ذلك بلا لبس.

كأحد الأدلة، يشير ديربر إلى أن مراكز الأبحاث المحافظة والشركات بدأت بإعداد مخطط تفصيلي للحكم قبل وقت طويل من عودة ترامب إلى المنصب.

ولم يكن على ترامب أن يكتشف ما يجب فعله، فقد كان كل شيء مكتوباً في الألف صفحة من المخطط.

فهم جاذبية ترامب

بدلاً من وصف ناخبي ترامب بأنهم غير عقلانيين، يجادل ديربر بأن الكثيرين منهم كانوا يستجيبون لإحباط اقتصادي حقيقي، و"لقد صوّت الناس لترامب لأنهم قالوا، هذا الاقتصاد سيئ، ونحن في وضع مزر". 

كما أن الكثير من الأميركيين أدركوا بشكل صحيح أن الشركات تمارس نفوذاً هائلاً على الحكومة، وسياسات ترامب في النهاية تقوي ذلك النظام نفسه، ولقد "نجح لأنه كان يعلم أن الأمور لا تسير كما ينبغي".

الكثير من الأميركيين أدركوا بشكل صحيح أن الشركات تمارس نفوذاً هائلاً على الحكومة، وسياسات ترامب في النهاية تقوي ذلك النظام نفسه

ما بعد ترامب

يوجه ديربر بعضاً من أشد انتقاداته، ليس إلى ترامب، بل إلى الإدارات "الديمقراطية" السابقة، ويقول إن "تبني بيل كلينتون سياسات إلغاء القيود التنظيمية، والعولمة القائمة على السوق الحرة، والتحرير المالي سرع من تركيز القوة في يد الشركات، حتى إن الإصلاحات النيوليبرالية وضعت الكثير من الأساس للاقتصاد السياسي الأوليغارشي اليوم". وبهذا المعنى، ورث ترامب وعمّق نظاماً كانت تهيمن عليه بالفعل مصالح الشركات ولم يخترعه.

لماذا لا يكفي مجرد هزيمة ترامب؟ يقول ديربر إن "استعادة السياسة كما كانت قبل ترامب لن تعالج الأزمة الأعمق. وإطاحة ترامب والعودة إلى ما كنا عليه مجرد وصفة للحصول على ترامب آخر، بينما المطلوب من الحزبين التقليديين، وخصوصاً الديمقراطيين، مواجهة عدم المساواة البنيوية التي أنتجت حالة السخط الشعبي الواسعة".

ويشير إلى شخصيات مثل السيناتور كريس ميرفي وكريس فان هولن بوصفهما دليلاً على أن بعض القادة الديمقراطيين بدأوا يعترفون بهذه الإخفاقات الاقتصادية الأعمق.

إعادة بناء سياسة الطبقة

يشير ديربر إلى أن الأميركيين باتوا بشكل متزايد لا يثقون بتركيز القوة بيد الشركات، ونحو 75% منهم يعتقدون أن الشركات الكبرى تفسد حياتهم. والأجيال الشابة باتت تشكك في الرأسمالية نفسها، وتطالب بمنظمات عمالية أقوى وبمشاركة ديمقراطية أكبر في الاقتصاد، ومن خلال قوتهم جماعية، يريدون نصيبهم..

يحذر ديربر من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعمق أوجه اللامساواة المذهلة بالفعل، ويهدد وظائف العمال اليدويين والمهنيين على حد سواء، ولا بد من تفحص العواقب السياسية لهذا التحول التكنولوجي في الاقتصاد.

الأميركيون باتوا بشكل متزايد لا يثقون بتركيز القوة بيد الشركات، ونحو 75% منهم يعتقدون أن الشركات الكبرى تفسد حياتهم

سببٌ للأمل

على الرغم من تقديمه تشخيصاً يبعث على القلق لتاريخ الولايات المتحدة، يختم ديربر بنبرة متفائلة، ويقول إن "الاحتجاجات الأخيرة ضد دهم وكالة الهجرة والجمارك، ومراكز احتجاز المهاجرين، والسياسات الاستبدادية، تكشف مستوى من التعاطف الجذري بين المواطنين. وما نراه في الشوارع اليوم هو بداية حركة ونشاط في هذا السياق، إذ إن الناس لم يخافوا ولم يصبحوا أكثر انعزالاً، بل إن الكثير من الأميركيين يعيدون اكتشاف التضامن عبر الانقسامات السياسية التقليدية.

لا يمكن إحداث تغيير على نحو فردي، كما يقول ديربر، فالحاجة إلى جمع الناس معاً في مقاومة منظمة لا تزال أعظم ميراث ديمقراطي لأميركا. في النهاية، إن مواجهة رئاسة ترامب تتطلب أكثر من هزيمة زعيم سياسي واحد، والمطلوب مواجهة البنى الأعمق للثروة والسلطة المركزة التي شكلت السياسة الأميركية منذ تأسيس الأمة، والسؤال فيما إذا كانت الديمقراطية تستطيع أخيراً أن تصبح أكثر من مجرد طموح.

نقله إلى العربية: حسين قطايا